تؤثر ما بعد الحداثة في الفعل السياسي عبر تفكيك السرديات الكبرى، وإعادة تعريف السلطة والشرعية والهوية. فهي تنقل السياسة من المشاريع الكلية إلى ممارسات متعددة وهوياتية ورمزية، وتفتح المجال للاعتراف بالتنوع والأصوات المهمشة، لكنها تخلق هشاشة في التوافقات، وصعوبة في البناء المشترك، وخطرًا من النسبية والتفتت والاحتجاج محدود الأثر...

مقدمة

تمثل توجهات ما بعد الحداثة من أشرس التحولات الفكرية التي أعادت صياغة فهم الإنسان المعاصر للمعرفة والسلطة والهوية والتاريخ. وهي لا تقتصر على مجالات الأدب والفن والفلسفة، بل تمتد بعمق إلى مجال الفعل السياسي، حيث تعيد ترتيب مفاهيم الشرعية والتمثيل والمقاومة والتغيير. 

والمقاربة الوصفية لهذه الانعكاسات لا تسعى إلى الحكم المعياري النهائي على ما بعد الحداثة، بل إلى رصد الكيفيات التي أثرت بها مقولاتها الأساسية في تصور الفعل السياسي وممارساته وأشكاله وحدوده في المجتمعات المعاصرة. فهل أثر ظهور ما بعد الحداثة على نجاعة الفعل السياسي؟ وبأي معنى فتحته على التنوع والتعدد والإمكان؟ ولماذا يرى البعض أن السياسة ما بعد الحداثية قد فقدت المعنى والقيمة؟

التوجهات الأساسية لما بعد الحداثة ذات الصلة بالفعل السياسي

تقوم ما بعد الحداثة على رفض السرديات الكبرى التي ادعت الحداثة قدرتها على تفسير التاريخ وتوجيهه نحو التقدم والعقل والحرية أو الثورة الشاملة. فالمعرفة لم تعد بناءً تراكميًا موضوعيًا يقود إلى حقيقة كلية، بل شبكة من الخطابات المتصارعة المرتبطة بعلاقات القوة. والحقيقة نفسها تُفهم بوصفها أثرًا للخطاب لا مرجعًا خارجيًا مستقلًا عنه. والذات لم تعد جوهرًا عقلانيًا موحدًا، بل تشكلًا متشظيًا يتكون عبر اللغة والمؤسسات والرموز. يؤدي هذا التوجه إلى إعلاء شأن الاختلاف والتعدد والخصوصية المحلية على حساب الوحدة والكلية والكونية. كما يبرز البعد اللغوي والرمزي للواقع السياسي، حيث تصبح العلامات والصور والتمثيلات جزءًا مكونًا للفعل لا مجرد انعكاس له. والسلطة، بدورها، لا تُختزل في أجهزة الدولة أو الطبقة المهيمنة، بل تنتشر في شبكة ميكروفيزيائية تمتد إلى الجسد والخطاب والمؤسسة والمعرفة اليومية. هذه التوجهات لا تلغي السياسة، لكنها تعيد تعريف شروط إمكانها. فالفعل السياسي لم يعد يُفهم بالضرورة بوصفه مشروعًا كليًا يستهدف تغيير البنية الاجتماعية من جذورها وفق تصور مسبق للتاريخ، بل يتحول إلى ممارسات متعددة ومتفرقة تشتغل على المستويات الرمزية والهوياتية واليومية.

إعادة تشكيل مفهوم الفعل السياسي

ينعكس التوجه ما بعد الحداثي أولًا على مفهوم الفعل السياسي ذاته. في الأفق الحداثي الكلاسيكي، كان الفعل السياسي يرتبط غالبًا بالإرادة الواعية، والمشروع الجماعي، والقدرة على التأثير في المؤسسات الكبرى، والسعي نحو أهداف قابلة للصياغة الكلية مثل الحرية أو المساواة أو التقدم. أما في الأفق ما بعد الحداثي، فيفقد الفعل بعضًا من ثقته بهذه المقومات. يصبح الفعل السياسي أكثر وعيًا بطابعه الخطابي والتمثيلي. كل ممارسة سياسية هي في جوهرها إنتاج لمعانٍ وتأويلات وصور، لا مجرد تحريك لموارد مادية أو تنظيم لجماعات. والمقاومة نفسها تُفهم بوصفها تفكيكًا للخطابات المهيمنة وإعادة توزيع للمواقع الرمزية أكثر مما هي بالضرورة استيلاء على أجهزة الدولة. 

كما يتراجع الإيمان بإمكانية الفعل المؤسس على أساس عقلاني كوني أو على معرفة علمية يقينية بالواقع الاجتماعي. والذات الفاعلة سياسيًا لم تعد تُتصور بوصفها مواطنًا عقلانيًا أو طبقة واعية أو شعبًا موحدًا، بل مجموعة هويات متقاطعة ومتحركة تتكون عبر الانتماءات الجندرية والإثنية والثقافية والجنسية وغيرها. والفعل السياسي ينبثق من هذه التعددية لا من وحدة مفترضة مسبقًا. ومن هنا يتحول التركيز من السياسة الكلية إلى سياسات جزئية ومتعددة المواقع.

التحولات في أشكال الممارسة السياسية

تتجلى الانعكاسات العملية لتوجهات ما بعد الحداثة في بروز أشكال جديدة من الفعل السياسي تختلف عن النماذج الحزبية والثورية التقليدية. تنتشر الحركات الاجتماعية الجديدة التي تركز على قضايا الهوية والجسد والثقافة والبيئة والاعتراف، أكثر مما تركز على السيطرة على وسائل الإنتاج أو الاستيلاء على السلطة المركزية. هذه الحركات تعتمد غالبًا على الشبكات المرنة والفعل الرمزي والإعلام والفضاءات العامة البديلة، لا على التنظيم الهرمي الصارم. ويكتسب البعد الثقافي والرمزي أهمية متزايدة. فالاحتجاج يصبح في كثير من الحالات أداءً أو مشهدًا أو تدخلًا في أنظمة التمثيل أكثر مما هو مواجهة مباشرة مع أجهزة القمع. والصورة واللغة والسردية تصبح ساحات صراع أساسية. كما يتراجع دور الأيديولوجيات الشاملة لصالح خطابات محلية أو هوياتية أو ائتلافات مؤقتة تقوم على قضايا محددة.

في المقابل، يتأثر الفعل السياسي المؤسسي التقليدي بهذه التحولات. فالأحزاب الكبرى تجد صعوبة متزايدة في صياغة سرديات موحدة قادرة على استيعاب التعدد الهوياتي. والشرعية السياسية تصبح أكثر هشاشة لأنها لم تعد تستند بسهولة إلى ادعاءات الحقيقة الكونية أو التقدم الحتمي. والتمثيل نفسه يتعرض للشك، إذ يُنظر إليه بوصفه بناءً خطابيًا لا انعكاسًا شفافًا لإرادة جماعية موجودة مسبقًا.

السلطة والشرعية والمقاومة في الأفق ما بعد الحداثي

تعيد ما بعد الحداثة رسم خريطة السلطة. فالسلطة لم تعد مركزًا يمكن الاستيلاء عليه أو تدميره دفعة واحدة، بل شبكة منتشرة من العلاقات والممارسات والخطابات. وبالتالي، يتغير معنى المقاومة. فالمقاومة تصبح محلية ومتعددة ومتكررة، تشتغل على تفكيك البديهيات اليومية وعلى إنتاج معانٍ بديلة أكثر مما تشتغل على بناء بديل كلي جاهز. والشرعية السياسية تفقد أسسها التقليدية المستمدة من العقل أو التاريخ أو الإرادة العامة الموحدة. تصبح الشرعية عملية تفاوض مستمر حول المعاني والرموز والاعتراف. هذا يفتح المجال أمام أشكال أكثر تعددية ومشاركة، لكنه يفتح أيضًا المجال أمام هشاشة متزايدة وأمام إمكانية التلاعب الخطابي الواسع. في هذا السياق، يتحول الفعل السياسي إلى ممارسة تأويلية بامتياز. فالفاعل السياسي يجد نفسه منخرطًا في صراع حول من يملك حق تسمية الواقع وتأويله. والسياسة تصبح إلى حد كبير سياسة سرديات وتأويلات متنافسة.

التوترات والالتباسات الملازمة لهذه الانعكاسات

لا تخلو انعكاسات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي من توترات عميقة. فمن جهة، تساهم في تحرير الفعل السياسي من الأوهام الكلية ومن النماذج السلطوية التي ادعت امتلاك الحقيقة النهائية، وتفتح المجال أمام أصوات مهمشة وهويات كانت مستبعدة. ومن جهة أخرى، يؤدي التشكيك الجذري في الأسس إلى صعوبات في بناء توافقات واسعة أو مشاريع طويلة الأمد قادرة على مواجهة المشكلات البنيوية الكبرى.

النسبية التي ترافق رفض السرديات الكبرى قد تضعف القدرة على التمييز المعياري الحاسم، وتجعل الفعل السياسي عرضة للابتلاع داخل منطق الاستهلاك الإعلامي أو التفتت الهوياتي. كما أن التركيز على الخطاب والرمز قد يبعد الفعل عن المستويات المادية والاقتصادية التي تظل فاعلة بقوة. وفي بعض السياقات، قد تُستخدم مقولات التعدد والاختلاف لتبرير الانسحاب من المسؤولية الجماعية أو لتغذية أشكال جديدة من الانغلاق الهوياتي.

الفعل السياسي في ظل هذه التوجهات يصبح أكثر وعيًا بحدوده وبتعقيداته، وأكثر حذرًا من الادعاءات المطلقة، لكنه في الوقت نفسه يواجه خطر الشلل أو التحول إلى سلسلة من الاحتجاجات الرمزية محدودة الأثر.

خاتمة

تكشف المقاربة الوصفية لانعكاسات توجهات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي عن تحول عميق في شروط الممارسة السياسية المعاصرة. لم يعد الفعل يُفهم بسهولة بوصفه تحقيقًا لمشروع كلي مستند إلى سردية كبرى أو إلى معرفة يقينية بالمسار التاريخي. بل أصبح فعلًا متشظيًا ومتعددًا وخطابيًا وهوياتيًا، يشتغل على مستويات رمزية وميكروفيزيائية بقدر ما يشتغل على المستويات المؤسسية. هذا التحول يعيد توزيع إمكانيات المقاومة والاعتراف والمشاركة، ويفتح فضاءات جديدة للفعل، لكنه في الوقت ذاته يضع الفاعل السياسي أمام تحديات جدية تتعلق بالقدرة على البناء المشترك، وبالتمييز بين أشكال المقاومة المنتجة وأشكال التفتت العقيمة. الفعل السياسي في أفق ما بعد الحداثة هو فعل يدرك أنه محاط بالخطابات والتمثيلات والاختلافات، وأنه لا يملك أساسًا خارج هذه الشبكة، لكنه يظل، مع ذلك، مطالبًا بأن يتصرف ويقاوم ويعيد تأويل العالم المشترك. فكيف ينقلنا الفعل السياسي في زمن ما بعد الحداثة من الثورة إلى الدولة ويبقي على الحركة الجدلية بين الفوضى والنظام وبين الحكم والحرية؟ وبأي معنى تظل تتحكم السلطة الميكروفيزيائية في الفعل السياسي؟ وما هي التحولات التي خضع لها الفعل السياسي في الحداثة المتأخرة؟

* كاتب فلسفي

اضف تعليق