تكمن القيمة التاريخية للشعر المبكر لثورة الحسين في حفظ المواقف وبناء الوعي الأخلاقي؛ فالشعر لم يقتصر على الرثاء بل تحول إلى ذاكرة إعلامية تعلن الحدث، واعترافية تحاكم التقاعس الذاتي، ووجدانية تجعل الكوان يشارك في المأساة، ليتجلى الفرق بين مؤرخ يكتب ما وقع وشاعر يكتب ما بقى من وقعه في النفوس...
منذ أقدم العصور ارتبط الشعر بالتاريخ ارتباطاً وثيقاً، حتى غدا في كثير من الأحيان الذاكرة التي تحفظ ما تعجز المدونات الرسمية عن حفظه. غير أن هذه العلاقة لا تعني أن الشعر وثيقة تاريخية بالمعنى الذي تمثله كتب الأخبار أو السجلات، فالشاعر لا يكتب بوصفه مؤرخاً يلتزم النقل المجرد، وإنما يعيد تشكيل الحدث في ضوء تجربته ووعيه ورؤيته.
ولهذا فإن القيمة التاريخية للشعر لا تكمن في دقة التفاصيل التي يوردها بقدر ما تكمن في قدرته على حفظ المواقف، وتمثيل الوعي الجمعي، وتسجيل الأثر النفسي والأخلاقي الذي يتركه الحدث في نفوس معاصريه. ومن هنا يغدو الشعر وثيقة للذاكرة الإنسانية، بقدر ما هو نص جمالي.
وتعد الثورة الحسينية من أبرز الأحداث التي تشكلت ذاكرتها منذ لحظاتها الأولى عبر الخطاب الشعري، فلم تقتصر القصائد التي قيلت عقب واقعة الطف على رثاء الإمام الحسين (ع) وأصحابه، وإنما أسهمت في بناء الصورة الأولى للحدث في الوجدان الإسلامي، فغدت وثائق للوعي أكثر من كونها سجلات للوقائع، وكشفت عن طبيعة التلقي المبكر للثورة، وعن المواقف النفسية والأخلاقية التي ولدتها في نفوس معاصريها.
ومن بين النصوص التي أسهمت في التشكيل المبكر لهذه الذاكرة، تبرز قصائد بشر بن حذلم، وعبيد الله بن الحر الجعفي، وسليمان بن قتة العدوي، بوصفها تمثل مراحل متعاقبة في تشكل الذاكرة الشعرية؛ إذ تنتقل من إعلان الحدث، إلى مساءلة الموقف، ثم إلى بناء الوجدان الجمعي الذي حفظ الثورة الحسينية في الوعي الثقافي.
لم تكن القصائد الأولى التي قيلت عقب واقعة الطف معنية بإنتاج خطاب رثائي مكتمل، بقدر ما اضطلعت بوظيفة أكثر إلحاحاً، هي نقل الخبر إلى المجتمع. فالحدث كان ما يزال طريّاً، ولم يكن قد استقر في الوعي الجمعي بعد، الأمر الذي جعل الشعر يؤدي وظيفة إعلامية سبقت وظيفته الجمالية. ومن هنا يمكن النظر إلى أبيات بشر بن حذلم بوصفها تمثل الذاكرة الخبرية للثورة الحسينية؛ فهي لا تستعيد الماضي، بل تعلن وقوعه، وتؤسس لأول صورة شعرية للفاجعة في الوجدان الإسلامي.
يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ بِهَا / قُتِلَ الحُسَيْنُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارُ
الجِسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلاءَ مُضَرَّجٌ / وَالرَّأْسُ مِنْهُ عَلَى القَنَاةِ يُدَارُ
إن المتأمل في هذه الأبيات يلاحظ أن بنيتها أقرب إلى بلاغة الإعلان منها إلى بلاغة الرثاء. فالشاعر يبدأ بنداء مباشر إلى أهل المدينة، ثم ينتقل فوراً إلى الخبر المركزي: (قتل الحسين)، قبل أن يقدم صورتين شديدتي التكثيف، هما بقاء الجسد في كربلاء، وحمل الرأس على الرمح. فليس ثمة تمهيد عاطفي أو وصف مطول أو استرسال وجداني، وإنما اقتصاد لغوي يفرضه مقام البلاغ، وكأن الشاعر يدرك أن المهمة الأولى هي إيصال الخبر قبل تفسيره أو التعليق عليه.
إذا كانت أبيات بشر بن حذلم قد أسهمت في تأسيس الذاكرة الخبرية للثورة الحسينية، فإن قصيدة عبيد الله بن الحر الجعفي تمثل نمطاً مغايراً من الذاكرة، يمكن تسميته بالذاكرة الاعترافية. فالقصيدة لا تنشغل هذه المرة بنقل الحدث إلى الآخرين، وإنما تعود إلى الحدث بعد وقوعه لتعيد مساءلة الذات أمام ما اقترفته من تقاعس، وكأنها تحاول أن تستدرك بالكلمات ما عجزت عن تحقيقه بالفعل.
وتكتسب هذه القصيدة أهميتها من خصوصية صاحبها؛ فهو يصرح بأن الإمام الحسين (ع) دعاه إلى نصرته، غير أنه آثر السلامة واعتذر عن الالتحاق به، قبل أن يكتشف ـ بعد انقضاء الواقعة ـ أن ما خسره لم يكن مجرد المشاركة في معركة، بل فرصة للانحياز إلى موقف سيبقى حاضراً في الضمير الإسلامي. ومن هنا تبدو القصيدة محاولة لاستعادة لحظة الاختيار، ولكن من موقع الندم الذي لا يملك سوى الاعتراف. ويتجلى ذلك في قوله:
أيا لك حسرةً ما دمت حيًّا / تردد بين صدري والتراقي
غداة يقول لي بالقصر قولاً / أتتركنا وتعزم بالفراق
حسين حين يطلب بذل نصري / على
أهل العداوة والشقاق
ولا يقتصر الاعتراف على إظهار الندم، بل يبلغ ذروته حين يقر الشاعر بأن الفائزين الحقيقيين هم الذين نصروا الإمام: لقد فاز الألى نصروا حسينًا / وخاب الآخرون ذوو النفاق، وتكمن المفارقة في أن هذا الحكم الأخلاقي يشمله هو نفسه؛ فهو لا يوجه الاتهام إلى الآخرين من موقع البراءة، وإنما يضع نفسه داخل دائرة الإدانة. ولذلك تبدو القصيدة أقرب إلى محاكمة ذاتية منها إلى رثاء أو مديح، إذ يتحول الشاعر إلى شاه ومدعٍ ومتَّهَم في آنٍ واحد. وتأتي قصيدة سليمان بن قتة العدوي لتمثل مرحلة ثالثة في تشكل الذاكرة الشعرية للثورة الحسينية، وهي ما يمكن تسميته بالذاكرة الوجدانية؛ إذ يغادر الشعر فيها حدود الإخبار والاعتراف ليصبح تعبيراً عن وجدان جماعي يستشعر حجم الفاجعة وآثارها في الأمة.
وتنسب المصادر إلى سليمان بن قتة أنه مرّ بأرض الطف بعد أيام قليلة من الواقعة، فوقف يستحضر ما حلّ بآل البيت، وأنشد قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
مررتُ على أبياتِ آلِ محمدٍ / فلم أرَ أمثالَها يومَ حلّتِ
ألم ترَ أنَّ الشمسَ أضحتْ مريضةً/ لقتلِ حسينٍ والبلادُ اقشعرّتِ
ومنذ المطلع يلفت الانتباه أن الشاعر لا يبدأ بوصف المعركة أو تعداد القتلى، وإنما يبدأ بالمكان. فالأبيات الخالية تتحول إلى شاهد على الغياب، وكأن المكان نفسه أصبح حاملاً للذاكرة. وهذا الانتقال من تصوير الأشخاص إلى استحضار آثارهم يمثل تحولاً مهمّاً في الرؤية الشعرية، إذ لم تعد الواقعة حدثاً منتهياً، وإنما أصبحت أثراً يسكن الأمكنة ويعيد إنتاج نفسه كلما مر بها العابرون.
ثم تتسع دائرة الحزن لتغدو حدثاً كونياً اختل له نظام الوجود. وهنا يتحول الرثاء من انفعال فردي إلى لغة رمزية تجعل الطبيعة شريكاً في الحداد، بما يعكس ضخامة المأساة في الوعي الشعري المبكر. ولا تقف القصيدة عند حدود الرثاء، بل تنطوي على وعي تاريخي واضح، يتجلى في قوله:
وإنَّ قتيلَ الطفِّ من آلِ هاشمٍ/ أذلَّ رقابَ المسلمينَ فذلّتِ
وهنا يصبح استشهاد الإمام علامة على خلل أصاب الضمير الجمعي للأمة. وبهذا تنتقل القصيدة من التعبير عن الحزن إلى مساءلة الواقع التاريخي الذي أفضى إلى تلك النتيجة.
تكشف النماذج الشعرية المبكرة التي أعقبت واقعة الطف أن الثورة الحسينية لم تدخل الوجدان الإسلامي عبر المدونات التاريخية وحدها، وإنما عبر الشعر أيضاً، الذي اضطلع منذ اللحظة الأولى بدور فاعل في تشكيل ذاكرتها الثقافية. ولم يكن هذا الدور مقصوراً على نقل الخبر أو التعبير عن الحزن، بل تجاوز ذلك إلى بناء رؤية أخلاقية للحدث، أسهمت في ترسيخ معانيه في الضمير الجمعي.
وهنا ربما يتجلى الفرق بين المؤرخ والشاعر فالأول يكتب ما وقع، أما الثاني فيكتب ما بقي من وقعِه في النفوس؛ ولذلك تحفظ الذاكرة الشعرية ما تعجز الذاكرة التاريخية أحياناً عن الاحتفاظ به: إنه نبض الإنسان وهو يواجه التاريخ.



اضف تعليق