لا يمكن قراءة هذا التصعيد العسكري والدبلوماسي بمعزل عن سياق أوسع من تباين المصالح وتراكم الخلافات بين القوتين الخليجيتين. فقد تحولت العلاقة من "شراكة الدم" في عاصفة الحزم إلى تنافس جيوسياسي واقتصادي محموم. برز هذا التباعد بوضوح في ملفات عدة، بدءاً من الخلاف حول حصص إنتاج النفط داخل...
في تحول جيوسياسي هو الأخطر منذ سنوات، أعلنت دولة الإمارات في 30 ديسمبر سحب قواتها المتبقية من اليمن، عقب غارة جوية سعودية استهدفت شحنة في ميناء المكلا وإنذارٍ بمغادرة القوات خلال 24 ساعة.
يمثل هذا الحدث نهاية فعلية للتحالف الاستراتيجي بين الرياض وأبوظبي في اليمن، وانتقالاً من "شراكة الدم" إلى مواجهة مفتوحة وصراع نفوذ "بالوكالة" في الجنوب. يحلل هذا التقرير أسباب الانفجار العسكري، وتبعات اعتبار السعودية للتحركات الإماراتية "تهديداً للأمن القومي"، وآثار ذلك على تماسك مجلس التعاون الخليجي واستقرار أسواق النفط العالمية.
1. الملخص التنفيذي: تصدع التحالف وأزمة الثقة المتفاقمة
يمثل إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة، يوم الثلاثاء 30 ديسمبر، سحب ما تبقى من قواتها العسكرية (وحدات مكافحة الإرهاب) من اليمن، منعطفاً حاداً وغير مسبوق في مسار العلاقات السعودية-الإماراتية، منهياً بذلك حقبة من التحالف الاستراتيجي الذي انطلق عام 2015. جاء هذا القرار "بمحض الإرادة" وفقاً للرواية الإماراتية، ولكنه تزامن فعلياً مع مهلة الـ 24 ساعة التي منحتها الحكومة اليمنية والرياض لهذه القوات للمغادرة، عقب غارة جوية شنها التحالف بقيادة السعودية على شحنة في ميناء المكلا.
شكلت حادثة ميناء المكلا "القشة التي قصمت ظهر البعير" في علاقة متوترة أصلاً؛ إذ اتهمت الرياض والحكومة اليمنية أبوظبي بمحاولة إدخال شحنة أسلحة وذخائر لدعم "المجلس الانتقالي الجنوبي" بهدف تقويض سلطة الدولة وتهديد الأمن القومي السعودي الذي وصفته المملكة بـ"الخط الأحمر". في المقابل، نفت الإمارات هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن الشحنة كانت معدات لوجستية لقواتها وتم التنسيق بشأنها مسبقاً، معبرة عن مفاجأتها من الاستهداف العسكري لشريك وحليف.
لا يمكن قراءة هذا التصعيد العسكري والدبلوماسي بمعزل عن سياق أوسع من تباين المصالح وتراكم الخلافات بين القوتين الخليجيتين. فقد تحولت العلاقة من "شراكة الدم" في عاصفة الحزم إلى تنافس جيوسياسي واقتصادي محموم. برز هذا التباعد بوضوح في ملفات عدة، بدءاً من الخلاف حول حصص إنتاج النفط داخل منظمة "أوبك+"، مروراً بالتنافس على النفوذ الإقليمي والمقار التجارية، وصولاً إلى الملف السوداني حيث تشير التقارير إلى اصطفاف الطرفين على جبهتين متضادتين (دعم الجيش مقابل قوات الدعم السريع)، وهو ما عمق "أزمة الثقة" بين القيادتين.
على الصعيد الميداني، يترك الانسحاب الإماراتي فراغاً أمنياً وسياسياً معقداً في الجنوب اليمني. فرغم الانسحاب الرسمي، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي (الحليف المحلي للإمارات) رفضه الانسحاب من المواقع التي سيطر عليها مؤخراً في حضرموت والمهرة، متعهداً بالدفاع عن أرضه، مما يضع السعودية والحكومة اليمنية في مواجهة مباشرة مع حلفاء أبوظبي السابقين، وينذر باحتمالية استمرار الصراع "بالوكالة".
اقتصادياً، ألقت الأزمة بظلالها فوراً على أسواق المال الخليجية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً، وسط مخاوف من تأثير هذا الشقاق السياسي على تماسك تحالف "أوبك+" وقراراته المرتقبة بشأن الإنتاج. وبينما تسعى الدبلوماسية الأمريكية (عبر اتصالات الوزير ماركو روبيو) ودول خليجية كالكويت وقطر لاحتواء الموقف ومنع انهيار المنظومة الأمنية الخليجية، تتبنى الرياض موقف "الترقب الحذر" لاختبار جدية الانسحاب الإماراتي وما إذا كان سيتبعه وقف فعلي للدعم المالي والعسكري للانفصاليين، مما يجعل المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين التهدئة الهشة أو التصعيد نحو قطيعة شاملة.
2. تفاصيل "شرارة الأزمة": حادثة المكلا والقطيعة العسكرية
في فجر يوم الثلاثاء، الثلاثين من ديسمبر، تحول التوتر الدبلوماسي الصامت بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى مواجهة عسكرية صاخبة، مثلت نقطة اللاعودة في علاقة الحليفين الخليجيين. مسرح هذا التحول الجذري كان ميناء المكلا في محافظة حضرموت، شرقي اليمن، حيث شنت مقاتلات التحالف بقيادة السعودية غارة جوية دقيقة ومباغتة، لم تستهدف مواقع للحوثيين هذه المرة، بل استهدفت شحنة إمداد مرتبطة بالشريك الإماراتي، مما فجر أزمة هي الأعنف منذ بدء الحرب في اليمن.
سياق الهجوم وتنفيذه
وفقاً للمعلومات الميدانية والبيانات الرسمية، رصدت قيادة التحالف وصول سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي يومي السبت والأحد السابقين للهجوم، ودخولهما المياه الإقليمية اليمنية دون الحصول على التصاريح الرسمية المعتادة من الحكومة الشرعية أو قيادة التحالف. وفي الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، وأثناء عملية تفريغ حمولة إحدى السفن، والتي أشار الإعلام السعودي الرسمي لاحقاً إلى أن اسمها "جرينلاند" (Greenland)، نفذ الطيران الحربي غارة جوية استهدفت الرصيف البحري مباشرة.
أظهرت اللقطات التي بثها التلفزيون الرسمي اليمني ووكالات الأنباء أعمدة الدخان الأسود الكثيف تتصاعد من الميناء، مع صور لمركبات عسكرية وسيارات دفع رباعي محترقة بالكامل. ورغم أن الهجوم كان عنيفاً من حيث الدلالة السياسية والتدمير المادي، إلا أن المصادر السعودية أكدت عدم وقوع خسائر بشرية، وهو ما يشير إلى أن الضربة كانت "رسالة تحذيرية شديدة اللهجة" تهدف إلى تدمير القدرات العسكرية وليس إيقاع ضحايا في صفوف القوات المتواجدة. وتشير بيانات الملاحة إلى أن السفينة "جرينلاند" تملكها شركة "سالم المكراني للشحن" ومقرها دبي، مما عزز الرواية السعودية حول المصدر الإماراتي للشحنة.
حرب الروايات: أسلحة للتمرد أم إمدادات للحلفاء؟
شكلت طبيعة الشحنة المستهدفة جوهر الخلاف ومحرك الأزمة. فمن الجانب السعودي واليمني (الشرعية)، تم توصيف الشحنة باعتبارها "تهديداً وجودياً". صرح التحالف والحكومة اليمنية بأن الحاويات كانت محملة بأسلحة نوعية، وذخائر، وعربات قتالية حديثة، وكان المخطط يقضي بنقلها وتوزيعها على فصائل "المجلس الانتقالي الجنوبي" في محافظة حضرموت. وتنظر الرياض إلى هذا الدعم العسكري باعتباره "صبّاً للزيت على النار"، ومحاولة لتمكين الانفصاليين من فرض أمر واقع عسكري على حدود المملكة الجنوبية، وهو ما عدّته الرياض "خطاً أحمر" يمس أمنها القومي بشكل مباشر، متهمة أبوظبي بدفع وكلائها لتقويض سلطة الدولة اليمنية.
على النقيض تماماً، جاءت الرواية الإماراتية نافية لهذه الاتهامات جملة وتفصيلاً. أعربت أبوظبي عن "مفاجأتها" وصدمتها من تعرض قواتها للاستهداف من قبل الشريك في التحالف، مؤكدة أن الشحنة لم تكن تحوي أي أسلحة هجومية، بل كانت عبارة عن معدات لوجستية وآليات مخصصة للقوات الإماراتية المتواجدة في اليمن لأغراض مكافحة الإرهاب، وأنه تم "التنسيق المسبق" بشأنها. ووصفت الإمارات الهجوم بأنه تصعيد غير مبرر لا يستند إلى وقائع موثوقة، مشيرة إلى أن الآليات المستهدفة كانت جزءاً من المجهود المشترك لمحاربة التنظيمات الإرهابية، وليس لدعم طرف سياسي ضد آخر.
التداعيات الفورية: إنذار المغادرة وإجراءات السيادة
لم يتوقف الحدث عند الدخان المتصاعد من ميناء المكلا، بل تبعه زلزال سياسي في العاصمة المؤقتة عدن. ففي خطوة غير مسبوقة، أصدر رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني (المدعوم سعودياً)، إنذاراً حازماً ومهلة زمنية مدتها 24 ساعة فقط للقوات الإماراتية و"منسوبيها" لمغادرة الأراضي اليمنية بالكامل. لم يكتفِ العليمي بالإنذار، بل أقر حزمة من الإجراءات السيادية الصارمة التي تعكس غضباً سعودياً-يمنياً عارماً، تضمنت:
1. إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك: أعلن العليمي إلغاء الاتفاقية الأمنية مع دولة الإمارات، مما يرفع الغطاء القانوني عن أي تواجد عسكري إماراتي مستقبلي.
2. حالة الطوارئ: إعلان حالة الطوارئ في البلاد لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، تحسباً لأي ردود فعل عسكرية من قبل المجلس الانتقالي.
3. الحصار الشامل: فرض حظر جوي وبري وبحري على كافة الموانئ والمنافذ اليمنية لمدة 72 ساعة، في خطوة تهدف لمنع أي محاولة لإدخال إمدادات بديلة أو تهريب ما تبقى من الشحنات، ولإحكام السيطرة على المنافذ التي قد يستخدمها الانفصاليون.
لقد كشفت حادثة المكلا عن عمق "انعدام الثقة" الذي وصل إليه الحليفان. لم تعد المسألة مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تحولت إلى استهداف عسكري مباشر للأصول والإمدادات. فالسعودية، التي تشعر بأن أمنها الحدودي مهدد من قبل حلفاء الإمارات في الجنوب، قررت استخدام القوة الخشنة لقطع خطوط الإمداد، بينما وجدت الإمارات نفسها أمام خيار وحيد وهو سحب ما تبقى من قواتها لتجنب الصدام المباشر، تاركة المشهد اليمني مفتوحاً على احتمالات صراع داخلي أكثر دموية بين الشرعية المدعومة من الرياض والانفصاليين المدعومين من أبوظبي.
3. المواقف وردود الفعل الرسمية: دبلوماسية "حافة الهاوية"
لم تكن حادثة المكلا مجرد اشتباك عسكري عابر، بل مثلت زلزالاً سياسياً أيقظ تصدعات عميقة في بنية التحالف الخليجي. اتسمت ردود الفعل الرسمية بحدة غير مسبوقة، متجاوزة لغة العتاب الدبلوماسي المعتادة إلى تبادل الاتهامات المباشرة، واتخاذ إجراءات سيادية قاطعة، مما وضع المنطقة أمام مشهد جيوسياسي شديد التعقيد.
الموقف السعودي: "الأمن القومي خط أحمر" جاء الرد السعودي حاسماً وسريعاً، معبراً عن نفاد صبر الرياض تجاه ما اعتبرته تجاوزات متراكمة. أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً شديد اللهجة، وصفت فيه الخطوات الإماراتية في الجنوب اليمني بأنها "بالغة الخطورة"، مؤكدة أنها لا تنسجم مع الأسس التي قام عليها "تحالف دعم الشرعية".
استخدمت الرياض مصطلحات ذات دلالة استراتيجية، حيث اعتبرت أن دفع أبوظبي لقوات "المجلس الانتقالي الجنوبي" للقيام بعمليات عسكرية على الحدود الجنوبية للمملكة (حضرموت والمهرة) يمثل "تهديداً للأمن الوطني السعودي". وشدد البيان على أن أي مساس بهذا الأمن هو "خط أحمر"، وأن المملكة لن تتردد في اتخاذ "كافة الخطوات والإجراءات اللازمة لتحييده". كما تبنت السعودية موقف "الترقب الحذر"، حيث نقلت مصادر مقربة من الحكومة أنها تنتظر لترى ما إذا كانت الإمارات "جادة" في انسحابها، مشروطة ذلك بوقف الدعم المالي والعسكري للانفصاليين، وليس فقط سحب الجنود النظاميين.
الموقف اليمني (الشرعية): القطيعة القانونية بالتوازي مع الموقف السعودي، اتخذ مجلس القيادة الرئاسي اليمني بقيادة رشاد العليمي خطوات تنفيذية لفك الارتباط مع الإمارات. أصدر العليمي قرارات سيادية تهدف إلى نزع الغطاء الشرعي عن الوجود الإماراتي، أبرزها "إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك" مع دولة الإمارات، وهي الخطوة التي حولت القوات الإماراتية من صفة "الحليف" إلى صفة "قوات غير مرغوب فيها" قانونياً.
وطالب العليمي القوات الإماراتية بمغادرة البلاد خلال 24 ساعة، متهماً إياها في خطاب متلفز بـ "العمل على تقويض سلطة الدولة" ودعم التمرد. وقد عززت الحكومة هذا الموقف بإعلان حالة الطوارئ وفرض حظر شامل على المنافذ، في محاولة لمحاصرة نفوذ الوكلاء المحليين للإمارات ومنع وصول إمدادات جديدة لهم.
الموقف الإماراتي: الانسحاب "الطوعي" وإنكار الاتهامات في المقابل، حاولت أبوظبي احتواء الموقف عبر مزيج من "التهدئة التكتيكية" و"الرفض القاطع" للاتهامات. أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن "أسفها الشديد" لما ورد في البيان السعودي، واصفة الاتهامات بأنها "مغالطات جوهرية". وأكدت أبوظبي أنها لم توجه أي طرف يمني للقيام بعمليات تمس أمن السعودية، مشددة على أن أمن المملكة هو "جزء لا يتجزأ" من أمن الإمارات.
وفي خطوة استباقية، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية إنهاء مهام قواتها المتبقية في اليمن (وحدات مكافحة الإرهاب) وسحبها "بمحض إرادتها"، في محاولة لتصوير الانسحاب كقرار سيادي وليس خضوعاً للإنذار اليمني-السعودي. وشددت الرواية الإماراتية على أن الشحنة المستهدفة في المكلا كانت معدات لوجستية لقواتها وتم التنسيق بشأنها، نافية وجود أي نية لتسليح طرف ضد آخر، ومذكرة بتضحيات جنودها في الحرب ضد الحوثيين وتنظيم القاعدة.
موقف المجلس الانتقالي الجنوبي: التحدي والتمسك بالأرض على الأرض، رفض "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الحليف المحلي للإمارات، الانصياع للضغوط. وصف قادته، بمن فيهم عيدروس الزبيدي، الغارة الجوية بأنها "عدوان غير مبرر"، نافين تبعية شحنة الأسلحة لهم، ومؤكدين أنها كانت تخص القوات الإماراتية الشريكة في مكافحة الإرهاب.
وبينما قبلت الإمارات الانسحاب الرسمي، أعلن المجلس الانتقالي رفضه الانسحاب من المواقع التي سيطر عليها في حضرموت والمهرة، معتبراً أن "صاحب الأرض لا يغادر أرضه". وتعهد المجلس بالدفاع عن مكتسباته العسكرية، مما يضع الجنوب أمام احتمال صدام عسكري مباشر مع القوات الحكومية المدعومة سعودياً، بغض النظر عن الوجود الإماراتي المباشر.
الموقف الدولي والإقليمي: محاولات الاحتواء أثار هذا التصعيد قلقاً بالغاً لدى الحلفاء الدوليين والإقليميين. سارعت الولايات المتحدة إلى التدخل عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو، الذي أجرى اتصالات مكثفة مع نظيريه السعودي والإماراتي في محاولة لخفض التوتر وضمان عدم تأثير الخلاف على أمن الملاحة ومصالح الطاقة.
خليجياً، سعت دول مجلس التعاون لتطويق الأزمة؛ حيث أكدت الكويت وقطر والبحرين على ضرورة الحوار وضبط النفس. وبينما أكدت قطر أن أمن السعودية خط أحمر، دعت الكويت إلى الحفاظ على "وحدة البيت الخليجي"، في مسعى لمنع تكرار سيناريو أزمة 2017، ولضمان استمرار تماسك منظومة "أوبك+" الاقتصادية في ظل هذه العاصفة السياسية.
4. السياق التاريخي: من "وحدة المصير" إلى صراع النفوذ
لم تكن حادثة ميناء المكلا سوى قمة جبل الجليد لمسار طويل من التباعد التدريجي بين الرياض وأبوظبي. لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب العودة إلى الوراء لقراءة كيف تحولت العلاقة بين القوتين الخليجيتين من "تحالف استراتيجي" متين وُصف يوماً بـ"التحالف المصيري"، إلى تنافس جيوسياسي واقتصادي شرس، حيث بدأت المصالح الوطنية الضيقة تتقدم على الرؤية الجماعية لمجلس التعاون الخليجي.
2011-2017: العصر الذهبي للتحالف (وحدة العدو)
بدأت أمتن مراحل العلاقات مع انطلاق ثورات الربيع العربي عام 2011. حينها، وحدت المخاوف المشتركة الدولتين؛ إذ رأتا في صعود حركات الإسلام السياسي (وتحديداً الإخوان المسلمين) والنفوذ الإيراني المتزايد تهديداً وجودياً لأنظمة الحكم الملكية في الخليج. ترجم هذا التوافق إلى تحركات ميدانية مشتركة: من إرسال قوات "درع الجزيرة" إلى البحرين، إلى تنسيق المواقف لدعم التغيير السياسي في مصر عام 2013.
بلغ هذا التحالف ذروته في مارس 2015 مع انطلاق "عاصفة الحزم" في اليمن. تقاسمت الدولتان الأدوار بانسجام تام: السعودية تقود الحملة الجوية وتوفر الغطاء السياسي، بينما تولت القوات الإماراتية الثقل الأكبر في العمليات البرية، خاصة في الجنوب. تعزز هذا "شهر العسل" السياسي في عام 2017 عندما قاد البلدان، بتنسيق عالٍ بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، حملة مقاطعة قطر، موحدين جبهتهما الدبلوماسية ضد ما اعتبراه دعماً للإرهاب.
2019: بداية الافتراق الاستراتيجي
شكل عام 2019 نقطة التحول الأولى والشرخ الأبرز في جدار التحالف. قررت الإمارات سحب معظم قواتها العسكرية من اليمن، مبررة ذلك بإنجاز المهام القتالية والانتقال لاستراتيجية "السلام أولاً". لكن الرياض قرأت الخطوة كـ"انسحاب تكتيكي" ترك المملكة وحيدة في مواجهة الحوثيين واستنزاف الحرب، بينما احتفظت أبوظبي بنفوذ قوي وفعال عبر وكلائها المحليين (المجلس الانتقالي الجنوبي) وسيطرتها على الموانئ والجزر الاستراتيجية دون تحمل الكلفة العسكرية المباشرة. هنا، بدأت الأجندات تتباين: السعودية تريد يمناً موحداً ومستقراً على حدودها الجنوبية، بينما دعمت الإمارات، فعلياً، مشروع انفصال الجنوب لضمان نفوذها البحري.
2020-2021: تباين المسارات الدبلوماسية
اتسعت الهوة مع توقيع الإمارات "اتفاقيات إبراهيم" وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في سبتمبر 2020. وبينما فتحت أبوظبي قناة اتصال مباشرة ومميزة مع واشنطن وتل أبيب، تمسكت الرياض بمبادرة السلام العربية (دولة فلسطينية أولاً)، مما خلق تفاوتًا في الرصيد الدبلوماسي لدى الغرب.
وجاءت قمة "العلا" في يناير 2021 لتزيد من هذا التباين، حيث قادت السعودية المصالحة مع قطر لطي صفحة الخلاف، وهو مسار انضمت إليه الإمارات بتباطؤ وتحفظ، مما أشر إلى أن الرياض بدأت تعيد تشكيل تحالفاتها بعيداً عن الرؤية الإماراتية الحصرية.
2021-2024: التنافس الاقتصادي (حرب المقرات والنفط)
مع إطلاق السعودية "رؤية 2030"، انتقل التنافس من السياسة إلى الاقتصاد. لم تعد الرياض تقبل بلعب دور الشقيق الأكبر سياسياً والتابع اقتصادياً لنموذج دبي.
* أزمة "أوبك+" (يوليو 2021): خرج الخلاف للعلن بشكل نادر عندما عارضت الإمارات اتفاقاً نفطياً بقيادة السعودية، مطالبة برفع خط الأساس لإنتاجها، مما هدد وحدة التحالف النفطي وأحرج القيادة السعودية للمنظمة.
* جذب المقرات: أصدرت السعودية إنذاراً للشركات العالمية بنقل مقراتها الإقليمية إلى الرياض بحلول 2024 أو خسارة العقود الحكومية، في استهداف مباشر لمكانة دبي كمركز تجاري إقليمي.
* الحرب التجارية الصامتة: ألغت الرياض الإعفاءات الجمركية للسلع المنتجة في المناطق الحرة (عماد الاقتصاد الإماراتي) إذا كانت مدخلاتها المحلية أو العمالة الوطنية فيها قليلة، مما ضرب الصادرات الإماراتية للمملكة.
2023-2025: صراع الساحات المفتوحة (السودان واليمن)
وصل التنافس إلى مرحلة "تضارب المصالح الأمنية". في السودان (أبريل 2023)، وبينما قادت الرياض وساطة جدة ودعمت مؤسسات الجيش السوداني بقيادة البرهان للحفاظ على الاستقرار، اتهمت تقارير أممية وغربية أبوظبي بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع بقيادة "حميدتي"، مما وضع الحليفين على طرفي نقيض في حرب أهلية مدمرة أخرى.
وتشير التقارير إلى أن "معلومات مضللة" أو سوء فهم نتج عن لقاءات في واشنطن أواخر 2025 بشأن السودان، قد فاقم الشكوك، حيث اعتقدت الإمارات أن السعودية تحرض لفرض عقوبات عليها.
الخلاصة: عودة إلى اليمن (ديسمبر 2025)
توجت هذه التراكمات بعودة الصراع إلى مربعه الأول: اليمن. تحرك "المجلس الانتقالي" (حليف الإمارات) للسيطرة على حضرموت، المحافظة التي تمثل العمق الاستراتيجي للسعودية ومنفذها المحتمل لخطوط الأنابيب نحو بحر العرب، اعتبرته الرياض تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء. لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي، بل تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي، مما استدعى الرد العسكري في المكلا، منهياً بذلك حقبة "التحالف الكامل" ومؤسساً لمرحلة جديدة من "التنافس المكشوف" وإدارة الصراع.
5. التحليل الجيوسياسي: ساحات الصراع والنفوذ.. إعادة رسم خرائط القوة
تتجاوز حادثة ميناء المكلا وقرار الانسحاب الإماراتي كونهما مجرد تباين تكتيكي حول إدارة الملف اليمني؛ إذ يمثلان لحظة انكشاف استراتيجي لصراع جيوسياسي أوسع بين القوتين الأكبر في شبه الجزيرة العربية. إن ما يجري اليوم هو صدام بين "عقيدتين استراتيجيتين" مختلفتين، تسعى كل منهما لرسم خريطة نفوذها الإقليمي بطريقة باتت، ولأول مرة، تبدو وكأنها "لعبة صفرية" (Zero-Sum Game)، حيث مكسب أحد الطرفين يُقرأ فوراً كخسارة للطرف الآخر. يمكن تفكيك هذا المشهد المعقد عبر تحليل الساحات الرئيسية للصراع ودوافع كل طرف:
أولاً: حضرموت والمهرة.. عقدة "العمق الاستراتيجي" و"منفذ النجاة"
تمثل محافظتا حضرموت والمهرة (شرق اليمن) مركز الثقل الحقيقي للصراع الجيوسياسي الحالي. بالنسبة للمملكة العربية السعودية، لا تُعد هذه المنطقة مجرد أراضٍ يمنية مجاورة، بل هي "الخاصرة الرخوة" والعمق الأمني الاستراتيجي المباشر.
* الرؤية السعودية: تنظر الرياض إلى المهرة وحضرموت باعتبارهما "منفذ النجاة" المستقبلي لتصدير النفط عبر بحر العرب، متجاوزة مضيق هرمز والتهديدات الإيرانية. تاريخياً وقبلياً، ترتبط هذه المناطق بالنسيج الاجتماعي السعودي. لذا، فإن أي محاولة من قبل "المجلس الانتقالي الجنوبي" (المدعوم إماراتياً) للسيطرة العسكرية على وادي حضرموت أو المهرة تُفسر في الرياض على أنها محاولة لـ "خنق" المملكة جنوباً، وحرمانها من نافذتها البحرية المباشرة، ووضع حدودها الجنوبية تحت رحمة وكلاء دولة أخرى، حتى لو كانت تلك الدولة حليفة.
* الرؤية الإماراتية: في المقابل، تسعى الإمارات لبسط نفوذها على السواحل الجنوبية لليمن كجزء من استراتيجية "سلسلة الموانئ" التي تمتد من جبل علي إلى القرن الأفريقي. السيطرة على حضرموت تعني اكتمال قوس النفوذ الجنوبي، وتأمين خطوط الملاحة البحرية التي تعد شريان الحياة للاقتصاد الإماراتي. ترى أبوظبي أن تمكين حلفائها المحليين هناك يضمن لها نفوذاً دائماً دون الحاجة لتواجد عسكري مباشر مكلف.
ثانياً: عقيدة "الدولة" مقابل "اللا-دولة"
أبرزت الأزمة الحالية تبايناً حاداً في الأدوات التشغيلية للبلدين.
* النموذج السعودي: تميل الرياض تقليدياً إلى التعامل مع "مؤسسات الدولة". في اليمن، تصر على دعم "الحكومة الشرعية" ومجلس القيادة الرئاسي والجيش الوطني، وترى في الميليشيات المسلحة (حتى لو كانت مناهضة للحوثي) تهديداً لمفهوم الدولة الذي تسعى لترسيخه لضمان استقرار طويل الأمد على حدودها.
* النموذج الإماراتي: تتبنى أبوظبي نهجاً أكثر براغماتية ومرونة يعتمد على بناء "قوى هجينة" أو وكلاء محليين (مثل الأحزمة الأمنية، النخبة الحضرمية، قوات العمالقة). أثبت هذا النموذج فاعلية عالية في مكافحة الإرهاب ودحر الحوثيين في الجنوب، لكنه خلق كيانات موازية للدولة تنافس الحكومة الشرعية على السيادة. هذا التباين خلق فجوة؛ فالرياض ترى أن أبوظبي تضعف الدولة التي تنفق السعودية المليارات لدعمها، بينما ترى أبوظبي أن القوى التقليدية التي تدعمها الرياض (مثل حزب الإصلاح) غير موثوقة وفاسدة.
ثالثاً: البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. صراع الموانئ والقواعد
لا يمكن فصل ما يحدث في اليمن عن المشهد في الضفة الأخرى من البحر الأحمر. يمتد التنافس ليشمل القرن الأفريقي، حيث تتسابق الدولتان على النفوذ في السودان، الصومال، وجيبوتي.
* السودان كمرآة لليمن: تتكرر الديناميكية نفسها في السودان. تشير التقارير الاستخباراتية والأممية إلى دعم إماراتي لقوات "الدعم السريع" (قوة موازية)، بينما تميل الكفة السعودية نحو دعم مؤسسة "الجيش السوداني" وقيادة البرهان (مؤسسة الدولة)، مع استضافة محادثات جدة. هذا الاصطفاف المتضاد في ملفين مشتعلين (اليمن والسودان) حول البحر الأحمر من بحيرة تعاون إلى منطقة تنافس ساخن، حيث يسعى كل طرف لضمان ألا يهيمن الآخر على الممرات المائية الحيوية.
* أرض الصومال (صوماليلاند): الاستثمار الإماراتي الضخم في ميناء بربرة والاعتراف الضمني باستقلال الإقليم (كما تشير التقارير حول الدور في الاعتراف الإسرائيلي) يعزز نفوذ أبوظبي عند مدخل باب المندب، وهو ما تنظر إليه الرياض بعين الريبة، خشية أن تتحول هذه القواعد التجارية والعسكرية إلى أدوات ضغط سياسي وتطويق بحري.
رابعاً: أزمة الثقة وانهيار "الهيكل الخليجي" الموحد
جيوسياسياً، يعد هذا الخلاف أخطر تهديد لمنظومة مجلس التعاون الخليجي منذ أزمة قطر 2017، ولكنه هذه المرة يأتي من "قطبي الرحى" (السعودية والإمارات).
* فشل الوساطة وتضارب المعلومات: يشير تقرير رويترز إلى "تصور خاطئ" ومعلومات مضللة حول اجتماع واشنطن بين ولي العهد السعودي والرئيس ترامب، حيث اعتقدت الإمارات أن السعودية تحرض لفرض عقوبات عليها. هذا يكشف عن أزمة ثقة عميقة وغياب لقنوات الاتصال المباشرة والشفافة التي كانت تميز العلاقة بين الزعيمين سابقاً.
* نهاية المحور الثنائي: لسنوات، كان "المحور السعودي-الإماراتي" هو المحرك الرئيسي للسياسة العربية. اليوم، يبدو هذا المحور قد تفكك. هذا التفكك يعيد خلط الأوراق؛ فقد يدفع السعودية لتقارب أكبر مع قوى أخرى (مثل قطر أو تركيا أو حتى تهدئة مع إيران) لموازنة النفوذ الإماراتي، بينما قد تندفع الإمارات لتعزيز تحالفاتها الدولية المنفردة (مع إسرائيل، الهند، والولايات المتحدة) بعيداً عن الغطاء الخليجي.
خامساً: أمن الطاقة واقتصاديات المنطقة
لا ينفصل الأمن عن الاقتصاد في العقيدة الجيوسياسية للبلدين. التوتر في اليمن يهدد استقرار منطقة الخليج ككل، وهي الصورة التي حاولت الدولتان تسويقها للعالم كـ "واحة استقرار" لجذب الاستثمار الأجنبي وتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
* أي تصعيد عسكري مفتوح في جنوب اليمن، أو مناوشات قد تمتد لتؤثر على منشآت نفطية أو خطوط ملاحة، سيضرب "رؤية 2030" السعودية في مقتل، حيث تعتمد الرؤية على بيئة إقليمية آمنة (مشروع نيوم، السياحة في البحر الأحمر).
* بالنسبة للإمارات، التي تقدم نفسها كمركز لوجستي وتجاري عالمي آمن (الملاذ الآمن)، فإن الانجرار لصراع مفتوح مع الجار الأكبر قد يزعزع ثقة المستثمرين ويؤثر على قطاعات السياحة والعقار.
الخلاصة: مشهد ضبابي ومستقبل مفتوح
إن الانسحاب الإماراتي من اليمن ليس نهاية للتدخل، بل هو تحول في شكله. لقد انتقلت المواجهة من "التحالف المباشر" إلى "الحرب بالوكالة" في مناطق رمادية. الجغرافيا السياسية لجنوب الجزيرة العربية يعاد تشكيلها الآن بالنار والمال. السعودية تدافع عن "سيادة حدودها وعمقها"، والإمارات تدافع عن "نفوذها البحري ومشروعها الإقليمي". وفي غياب آلية واضحة لضبط إيقاع هذا التنافس، تظل المنطقة مرشحة لمزيد من التشرذم، حيث يتحول الحلفاء السابقون إلى متنافسين ألداء في رقعة شطرنج معقدة لا تحتمل الخطأ.
6. التداعيات الاقتصادية: اهتزاز الأسواق واختبار تماسك "أوبك+"
لا تنحصر ارتدادات الأزمة المتصاعدة بين الرياض وأبوظبي في الشقين السياسي والعسكري فحسب، بل تمتد لتضرب عصب الاقتصاد الخليجي والعالمي. لطالما شكل "الاستقرار السياسي" و"وحدة القرار الخليجي" الركيزة الأساسية لجاذبية المنطقة الاستثمارية، ومع تصدع هذه الركيزة بحادثة المكلا، تواجه المنطقة تحديات اقتصادية فورية وهيكلية قد تعيد رسم خريطة المال والأعمال في الشرق الأوسط.
أولاً: معضلة النفط ومصير "أوبك+"
تتمثل المخاطر الأكبر عالمياً في تأثير الخلاف السياسي على سياسات الطاقة. السعودية والإمارات هما القوتان الأكبر والأكثر تأثيراً داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). تاريخياً، كان التنسيق بينهما صمام أمان لاستقرار أسواق النفط. ومع ذلك، فإن الشرخ السياسي الحالي يلقي بظلال من الشك حول إمكانية الحفاظ على هذا التنسيق، خاصة مع اقتراب اجتماع تحالف "أوبك+" يوم الأحد القادم.
تخشى الأسواق تكرار سيناريو يوليو 2021، حين عرقلت الإمارات اتفاقاً بقيادة السعودية مطالبة بزيادة حصتها الإنتاجية. في ظل الأجواء المشحونة حالياً، قد يتحول أي خلاف فني حول حصص الإنتاج إلى "مكايدة سياسية"، مما يهدد تماسك التحالف النفطي، ويؤدي إلى تذبذب حاد في الأسعار، وهو ما لا يخدم خطط الدولتين الطموحة التي تعتمد على عوائد نفطية مستقرة لتمويل مشاريع التنوع الاقتصادي.
ثانياً: "رؤية 2030" وبيئة الاستثمار
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يأتي التوتر الأمني على حدودها الجنوبية في توقيت حرج للغاية. تسابق الرياض الزمن لإنجاز مشاريع "رؤية 2030" العملاقة (مثل نيوم، ومشاريع البحر الأحمر السياحية)، والتي تعتمد بشكل جوهري على تقديم المنطقة كواحة استقرار وآمان لجذب الاستثمار الأجنبي والسياحة العالمية. إن عودة عناوين "الحرب" و"القصف" و"التهديدات الأمنية" إلى الواجهة قد تثير قلق المستثمرين الدوليين وتزيد من تكلفة المخاطر (Risk Premium)، مما قد يبطئ تدفق رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة التي تحتاجها المملكة.
ثالثاً: حرب المقرات والمنافسة التجارية
يصب هذا التوتر السياسي الزيت على نار المنافسة الاقتصادية "الشرسة" القائمة أصلاً بين البلدين. انتقلت الرياض من مرحلة التكامل مع دبي إلى مرحلة التحدي المباشر لمركزها كعاصمة تجارية للشرق الأوسط، عبر إنذار الشركات العالمية بنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض أو خسارة العقود الحكومية.
في ظل القطيعة السياسية المحتملة، من المتوقع أن تتخذ هذه المنافسة طابعاً أكثر حدة وعدائية. قد تلجأ الدولتان إلى إجراءات حمائية متبادلة، أو تعقيدات جمركية على الحدود (كما حدث مع سلع المناطق الحرة سابقاً)، مما يضر بسلاسل الإمداد والتجارة البينية التي تقدر بمليارات الدولارات.
رابعاً: الأسواق المالية ومعنويات المستثمرين
كانت ردة الفعل الفورية للأسواق سلبية، حيث سجلت البورصات الخليجية تراجعاً ملحوظاً عقب أنباء الغارة والإنذار اليمني. تعتبر أسواق المال "ترمومتر" للأزمات، ويعكس انخفاضها مخاوف القطاع الخاص من أن يؤدي التصعيد إلى عرقلة المشاريع المشتركة أو فرض قيود على حركة الأموال والأفراد. إن استمرار حالة "اللايقين" قد يدفع رؤوس الأموال المحلية والأجنبية إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً خارج المنطقة، مما يضغط على السيولة المحلية.
خامساً: أمن الملاحة والخدمات اللوجستية
تعتمد الإمارات بشكل حيوي على قطاع الخدمات اللوجستية والموانئ (موانئ دبي العالمية). أي تصعيد عسكري في جنوب اليمن أو البحر الأحمر يهدد سلامة الممرات المائية التي تعد شريان الحياة لهذا القطاع. الصراع حول الموانئ (عدن، المكلا، بربرة) ليس مجرد صراع نفوذ، بل هو صراع على التحكم في طرق التجارة العالمية.
اقتصادياً، الخاسر أكبر من الرابح في هذه المعادلة. فبينما تحاول السعودية بناء اقتصاد ما بعد النفط، وتحاول الإمارات الحفاظ على تفوقها التجاري، فإن الصراع السياسي والعسكري يستنزف الموارد، ويشتت الجهود، ويضرب "العلامة التجارية" للمنطقة كمركز عالمي صاعد للأعمال. يبدو أن فاتورة هذا الطلاق السياسي ستكون باهظة ومكلفة لخزائن البلدين وللمواطن الخليجي.
7. سيناريوهات المستقبل: بين "السلام البارد" والانفجار الشامل
بعد حادثة المكلا المفصلية، تقف العلاقات السعودية-الإماراتية ومستقبل اليمن عند مفترق طرق حرج. لم يعد السؤال "هل هناك خلاف؟"، بل "إلى أي مدى سيصل هذا الخلاف؟". إن انعدام الثقة المتجذر، وتضارب المصالح الاستراتيجية، ووصول لغة التخاطب إلى "الغارات الجوية" و"الإنذارات العسكرية"، يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحكم المشهد في المدى المنظور:
السيناريو الأول: التهدئة الحذرة والاحتواء الدبلوماسي (السلام البارد)
الفرضية: يعتمد هذا السيناريو على مبدأ "الحفاظ على الحد الأدنى" من العلاقات لمنع الانهيار الكامل الذي سيضر بمصالح الطرفين الاقتصادية والأمنية.
المحركات:
* الضغط الأمريكي: التحرك السريع لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يعكس رغبة واشنطن في عدم انفجار الوضع في منطقة حيوية للطاقة والملاحة. قد تمارس واشنطن ضغوطاً لفرض "هدنة" سياسية.
* الوساطة الخليجية: تحركات الكويت وقطر قد تنجح في تبريد الأجواء وتوفير "سلالم نزول" تحفظ ماء الوجه للقيادتين.
* المصالح الاقتصادية: إدراك الرياض وأبوظبي أن انهيار "أوبك+" أو اهتزاز صورة الاستقرار الخليجي سيكبد اقتصاداتهما خسائر فادحة لا تحتمل في هذا التوقيت.
المسار المتوقع:
* تلتزم الإمارات بانسحابها المعلن وتسحب جنودها وتتجنب التصريحات التصعيدية.
* توقف السعودية حملتها الإعلامية وتقبل بالانسحاب الإماراتي كخطوة كافية حالياً.
* يبقى الوضع في الجنوب مجمداً (Status Quo)، مع مناوشات محدودة لا تتطور لحرب شاملة.
النتيجة: عودة العلاقات إلى مربع "المجاملات الرسمية" مع بقاء الجفاء والقطيعة في الملفات الحساسة. ستكون علاقة "سلام بارد" تشبه العلاقة مع قطر ما بعد قمة العلا في بداياتها؛ تنسيق عند الضرورة القصوى وتنافس في كل ما عدا ذلك.
السيناريو الثاني: حرب الوكالة واستنزاف الجنوب (السيناريو المرجح)
الفرضية: انسحاب الإمارات "عسكرياً" وبقاؤها "سياسياً ومالياً" عبر وكلائها، مقابل إصرار سعودي على تفكيك نفوذ هؤلاء الوكلاء بالقوة.
المحركات:
* رفض "المجلس الانتقالي الجنوبي" الانسحاب من حضرموت والمهرة، واعتباره المعركة "وجودية".
* رغبة السعودية في تأمين حدودها عبر تمكين قوات "درع الوطن" والحكومة الشرعية من السيطرة على الأرض.
المسار المتوقع:
* تتحول المواجهة من صراع مباشر (دولة لدولة) إلى صراع داخلي يمني (جنوب ضد جنوب، أو شرعية ضد انتقالي).
* تقدم الرياض دعماً لوجستياً وجوياً مكثفاً للقوات الحكومية لاستعادة السيطرة على المؤسسات والموانئ من الانتقالي.
* تستمر الإمارات في دعم الانتقالي "من خلف الستار" بالمال والسلاح (عبر طرق تهريب معقدة) لمنع انهياره، للحفاظ على نفوذها البحري.
النتيجة: دخول جنوب اليمن في دوامة عنف وفوضى طويلة الأمد. ستغرق السعودية في مستنقع استنزاف جديد، بينما تحافظ الإمارات على نفوذها دون تكلفة بشرية مباشرة لجنودها. هذا السيناريو يهدد بتقسيم الجنوب نفسه إلى كانتونات متحاربة (حضرموت مستقلة، شبوة منقسمة، عدن مضطربة).
السيناريو الثالث: القطيعة الشاملة والمواجهة المفتوحة (السيناريو الكارثي)
الفرضية: فشل جهود الاحتواء، وتغليب "الكبرياء الوطني" و"الحسابات الصفرية" على المنطق الاقتصادي، مما يؤدي إلى قطيعة تامة تتجاوز الملف اليمني.
المحركات:
* تكرار حوادث عسكرية (استهداف سفن أخرى، أو رد من الانتقالي على القوات السعودية).
* انهيار التفاهمات في "أوبك+" وبدء حرب أسعار نفطية.
* تصاعد الحرب الإعلامية والسياسية لتشمل ملفات أخرى (السودان، العلاقات مع تركيا/إيران).
المسار المتوقع:
* تجميد عضوية الإمارات فعلياً في مجلس التعاون أو التحالف.
* إجراءات عقابية اقتصادية متبادلة (إغلاق حدود، منع استيراد، سحب استثمارات).
* سعي كل طرف لتقويض مصالح الآخر إقليمياً ودولياً بشكل علني.
النتيجة: تفكك المنظومة الخليجية بالكامل. هذا السيناريو يمثل "هدية مجانية" لإيران والحوثيين، حيث سينهار التحالف المناهض لهم، وقد يستغل الحوثيون الفوضى في الجنوب والشقاق السعودي-الإماراتي لاستعادة المبادرة العسكرية والتقدم نحو مأرب أو باب المندب.
الخاتمة: مستقبل غامض
بالنظر إلى المعطيات الحالية، يبدو السيناريو الثاني (حرب الوكالة) هو الأقرب للواقع. فبينما قد تنجح الدبلوماسية في منع الحرب المباشرة بين الرياض وأبوظبي (السيناريو الثالث)، فإن جراح الثقة غائرة جداً لدرجة تمنع العودة إلى التنسيق الكامل (السيناريو الأول).
إن المعركة الحقيقية الآن ستدور على الأرض اليمنية، حيث ستسعى السعودية لفرض "هيبة الدولة" وتأمين "خطها الأحمر" الحدودي، بينما ستقاتل الإمارات للحفاظ على مكتسبات عقد كامل من النفوذ البحري. وفي ظل هذا التجاذب، يظل اليمن هو الضحية الأكبر، ومعه حلم التكامل الخليجي الذي بات يترنح تحت وطأة الطموحات المتضاربة.



اضف تعليق