تنطوي الاستفتاءات التي تجريها روسيا منذ الجمعة وحتى الثلاثاء لضم أربع مناطق أوكرانية خاضعة لسيطرة قواتها، على أهمية قصوى لموسكو التي تسعى إلى توسيع أراضيها مرة أخرى كما حدث في القرم قبل سنوات.

ومن جهة ثانية، على مخاطر جمة على المنطقة والعالم في ظل تلويح المسؤولين الروس مجددا باستخدام السلاح النووي للدفاع عن دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، في حال تحول مسار الحرب من عملية عسكرية في الخارج إلى حرب للدفاع عن أراض ستغدو روسية، بموجب نتائج الاستفتاء المحسومة مسبقا. بحسب فرانس برس.

تنظم روسيا منذ الجمعة وحتى الثلاثاء استفتاءات لضم أربع مناطق على الأراضي الأوكرانية تسيطر عليها قواتها بشكل كامل أو جزئي، هي دونيتسك ولوغانسك (شرق)، وخيرسون وزابوريجيا (جنوب) تمثل ما لا يقل عن 15 بالمئة من مساحة البلاد، ما أثار تنديد كييف ودول غربية وصفت الخطوة بأنها "صورية" وتعهدت بعدم الاعتراف بنتائجها.

ومن المقرر أن يجري مجلس النواب الروسي (الدوما) مداولات في 29 سبتمبر/أيلول حول مشروعات قوانين لدمج الأجزاء التي تحتلها روسيا من أوكرانيا، حسب ما أفادت وكالة الأنباء الروسية تاس.

وتأتي الاستفتاءات بعد أن تمكنت القوات الأوكرانية هذا الشهر من استعادة السيطرة على مساحات شاسعة في الشمال الشرقي في هجوم مضاد هو الأكبر منذ بدء الهجوم الروسي في 24 فبراير/شباط.

وبدمج تلك المناطق، يمكن لموسكو اعتبار الهجمات الرامية لاستعادتها على أنها هجمات ضد أراضيها، ما يثير قلق كييف وداعميها الغربيين.

إنذار.. وشرعنة الضربة النووية

في السياق، اعتبرت المحللة الروسية المستقلة تاتيانا ستانوفايا، بأن الاستفتاءات هي "إنذار روسي لأوكرانيا والغرب" ودعوة لهما إلى التراجع لتجنب اندلاع حرب نووية. وقالت ستانوفايا: "عملية الضم ستضفي الشرعية على حق روسيا في اللجوء إلى الأسلحة النووية لحماية أراضيها". حسب ما نقلت وكالة أسوشيتد برس.

من جهة أخرى، قالت مارغريتا سيمونيان، رئيسة قناة RT الروسية، في تغريدة على تويتر إن هذا الأسبوع سيشهد إما "انتصارنا الوشيك" أو "حربا نووية" وشيكة.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال في خطابه الأخير إن بلاده "ستستخدم كل الوسائل المتاحة" لحماية نفسها. وفي التصريحات التي اعتبرت تهديدا بالاستخدام المحتمل للأسلحة النووية، قال بوتين إن "هذه ليست خدعة".

وكانت السلطات التي عينتها موسكو في المناطق الخاضعة لسيطرتها تسعى إلى تنظيم الاستفتاء في المناطق الأربع منذ أشهر، لكن الانتصارات التي حققتها أوكرانيا مؤخرا إثر هجومها المضاد والكاسح دفعتها إلى الإسراع في تحديد موعد للاستفتاءات.

رد أمريكي حاسم

في المقابل، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان الأحد إن بلاده سترد بحسم على أي استخدام للأسلحة النووية من جانب روسيا ضد أوكرانيا وإن واشنطن أوضحت لموسكو "العواقب الكارثية" التي ستواجهها. وقال سوليفان لقناة إن.بي.سي: "إذا تجاوزت روسيا هذا الخط ستكون هناك عواقب كارثية على روسيا. سترد الولايات المتحدة بحسم".

وتعد تصريحات سوليفان أحدث تحذير أمريكي بعد التهديد الذي أطلقه بوتين الأربعاء الماضي في كلمة أعلن خلالها أيضا أول تعبئة عسكرية لبلاده منذ الحرب العالمية الثانية.

فما هي انعكاسات "استفتاءات الضم" على مسار الحرب في أوكرانيا؟ كيف سترد روسيا على الهجمات الأوكرانية ضد تلك المناطق؟ هل ستستخدم موسكو السلاح النووي للدفاع عن تلك المناطق كما ألمح بوتين في خطابه الأخير؟ وكيف سيرد الغرب والولايات المتحدة عليه؟ أسئلة يجيبنا عليها محمود الأفندي محلل سياسي وأستاذ الأكاديمية الروسية، ورامي القليوبي أستاذ المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو.

ما هي الانعكاسات المحتملة للاستفتاءات على مسار الحرب الأوكرانية؟

لفت محمود الأفندي إلى أن "استفتاءات الضم" ما هي في الواقع سوى نتيجة ورد على "خطاب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الخامس من أغسطس/آب 2021، الذي قال إن من يشعر من سكان المناطق الشرقية أنه روسي فعليه الذهاب إلى روسيا للحفاظ على حياته وحياة أبنائه وأحفاده. سكان هذه المناطق لبوا النداء وسيذهبون إلى روسيا لكن مع أراضيهم الشرعية. المناطق التي تشهد الاستفتاءات شاسعة وغنية بالثروات والموارد وهي روسية تاريخيا".

وقال أستاذ الأكاديمية الروسية: "في بداية العملية العسكرية كان الغرب يزود أوكرانيا بالأسلحة الدفاعية فقط. بوتين وضع في خطابه الأول خطوطا حمر التزم بها الغرب. لكن مع مرور الوقت وبدء المفاوضات قررت الولايات المتحدة وبريطانيا تجاوز تلك الخطوط ما أثر سلبا على سير المفاوضات. وقد خسرت أوكرانيا بالمحصلة 20 بالمئة من أراضيها. السبب الأساسي هو تزويد الأوكرانيين بالأسلحة الهجومية خصوصا وأن هناك نقاشا حول تزويد كييف بطائرات حربية مقاتلة ومنظومات دفاع جوي حديثة وصواريخ بعيدة المدى قادرة على بلوغ روسيا". وأضاف محدثنا: "روسيا قررت تنظيم الاستفتاء لحماية تلك المناطق. سترجع تلك الأراضي إلى روسيا بشكل قانوني وستصبح تحت حمايتها".

من جهته، قال رامي القليوبي: "ضم هذه الأراضي (دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا) إلى السيادة الروسية يعني أن عدد الأقاليم الروسية سيرتفع من 85 إلى 89 إقليما. كما أن اندلاع أية أعمال قتالية فيها سيعني إعادة تصنيف الحرب في أوكرانيا من عملية عسكرية خاصة في الخارج إلى عملية عسكرية للدفاع عن الأراضي الروسية".

هل سيجند الجيش الروسي سكان المناطق التي ضمت بموجب الاستفتاء؟

أوضح الأفندي: "بالنسبة إلى لوغانسك ودونيتسك فإن القوات محشودة فعلا منذ بداية العملية العسكرية، أما بالنسبة إلى زابوريجيا وخيرسون فطبعا سيتم تطبيق نفس القانون ويبدأ الحشد والتجنيد فيهما خصوصا وأن قوات الاحتياط التي تم استدعاؤها الآن مهمتها حماية زابوريجيا وخيرسون ففعليا سيكون هناك تجنيد وتعبئة إجبارية هناك".

بدوره، يرى القليوبي: "لم يتم حتى الآن توضيح هذه النقطة. لكن من وجهة النظر القانونية البحتة فطالما أن هؤلاء السكان هم مواطنون روس فتنطبق عليهم القوانين الروسية بما في ذلك التجنيد الإلزامي" في صفوف الجيش الروسي.

هل ستغير روسيا استراتيجيتها الحربية بعد ضم تلك المناطق إلى أراضيها وكيف؟

يرى الأفندي: "أكيد ستتغير الاستراتيجية الروسية حيث ستصبح تلك المناطق (دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا) ضمن أراضي روسيا الاتحادية وخاضعة للدستور الروسي بما فيه الحياة الاقتصادية والسياسية للمواطنين هناك وحتى الدستور النووي أو ما يعرف بالعقيدة النووية الروسية. وبالتالي فأي اعتداء عليها سواء من أوكرانيا أو حلفائها سيعتبره الروس صداما مباشرا وبداية فعلية للحرب العالمية (الثالثة). روسيا ستغير استراتيجيتها نوعا ما مع الإبقاء على فرص السلام ما يسمح لأوكرانيا بالحفاظ على ما تبقى من مساحتها. كما أن أي اعتداء على تلك المناطق التي باتت بالنسبة للروس مثل موسكو، سيدفعها إلى الرد بأساليب عديدة مثل ضرب مركز القرار في كييف أو تدمير البنية التحتية الاقتصادية للعاصمة والمواقع التي لا تستهدفها روسيا حاليا".

وقال القليوبي إن "روسيا قد تغير من استراتيجيتها أو تكثف من عملياتها العسكرية في أوكرانيا لأن الكرملين يواجه حاليا ضغوطا من أنصار العملية العسكرية وليس من المعارضين لها، وهم يعتبرون أنها تعثرت ولم تحقق أهدافها. كما يتزامن ضم مناطق شرق أوكرانيا مع قرار التعبئة الجزئية التي ستسمح بتحقيق التكافؤ العددي مع القوات الأوكرانية على أرض المعركة".

هل ستستخدم موسكو السلاح النووي للدفاع عن تلك الأقاليم كما ألمح بوتين في خطابه الأخير؟

قال الأفندي إن مسألة "استخدام السلاح النووي في العقيدة الروسية ضد أوكرانيا ترتبط بعدد من الأسباب: أولها أن روسيا تعرف أن أوكرانيا هي عدو جيوسياسي والحرب معها هي بالوكالة وضعتها الولايات المتحدة بوجه روسيا، وضربها بالنووي لن يفيد أي شيء فالقادة الروس قادرون على تدمير كييف بالسلاح الناري وليس النووي. وثانيا هناك نقطة تعرض الأراضي أو الشعب الروسي لخطر التفكك أو خطر يهدد الدولة الروسية. ننتظر أن نرى كيف سيتصرف الغرب بعد ضم تلك المناطق. روسيا ستضطر لاستخدام السلاح النووي ضد الدول الداعمة لأوكرانيا مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وبولندا وفرنسا. بالنسبة لروسيا فإن ضربة نووية ضد الأراضي الأوكرانية هي احتمال مستحيل لأنها لن تفيد روسيا استراتيجيا".

كما يرى القليوبي: "لا بد من التمييز بين السلاح النووي الاستراتيجي وهو أداة رادعة، وأيضا السلاح التكتيكي وبحسب المعلومات المتوفرة في المصادر المفتوحة فإن روسيا تملك أكثر من ألفي رأس حربي تكتيكي. بحسب العقيدة العسكرية الروسية يمكن استخدام السلاح النووي في حالتين اثنين أولهما تعرض الأراضي الروسية أو أراضي حلفائها إلى هجوم بالأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل. وبالنسبة إلى الحالة الثانية فهي تعرض روسيا للهجوم بالأسلحة التقليدية في حال كانت تشكل تهديدا لوجودها كدولة. لكن الحالتين لا تنطبقان على الأحداث الجارية حاليا ومن المستبعد أن يشن الناتو هجوما بالسلاح النووي على الأراضي الروسية، أما الاشتباكات في أوكرانيا فإنها لا ترقى إلى مستوى تهديد وجودي للدولة الروسية".

كيف يمكن أن يرد الغرب على أي هجوم نووي روسي محتمل؟

أكد الأفندي بأنه وفي حال حدوث ضربة بأسلحة الدمار الشامل فإن "الحرب النووية تكون قد اندلعت ولن يكون هناك ضربات محددة وفق ما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام. لن يربح أي طرف في حال اندلاع هذه الحرب. أعتقد أن الغرب لن يهاجم وبأن روسيا لن تستخدم السلاح النووي لأن الجميع سيلتزم بالخطوط الحمر الجديدة. روسيا لم تهدد باستخدام السلاح التكتيكي بل باستخدام السلاح الاستراتيجي المدمر بشكل كامل ضد الولايات المتحدة. أتذكر ما حدث خلال أزمة الكاريبي في الستينيات بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا حينها وقد وصلت الذروة حيث كان هناك فعلا خطر حدوث الحرب النووية قبل انتهاء الأزمة لاحقا. بعد الاستفتاء على ضم تلك المناطق ستكون نهاية أزمة أوكرانيا وستعود العقلانية إلى كافة الأطراف".

أما القليوبي فيشير إلى أن "حتى وإن شنت روسيا هجوما نوويا تكتيكيا فإن الغرب لن يضربها بالسلاح النووي حتى لا يورط نفسه في حرب نووية من أجل أوكرانيا، لكن من المؤكد أنه سيتم تشديد العقوبات من خلال فرض الحظر الكامل على النفط والغاز الروسي وفرض عقوبات على كل من يتعامل مع روسيا، التي تمكنت حتى الآن من تجنب كارثة اقتصادية بفضل عدم التحاق العديد من الدول الآسيوية والعربية وفي أمريكيا اللاتينية بالغرب في فرض مثل تلك العقوبات".

اضف تعليق