أثار فوز تحالف لأحزاب يمينية في إيطاليا المخاوف سواء بين اللاجئين والمهاجرين أو في أروقة السياسة الأوروبية خاصة وأن جورجيا ميلوني المرشحة المحتملة لقيادة الحكومة لديها أفكار معادية بشدة لفكرة استقبال اللاجئين والمهاجرين. بحسب dw.

انتشرت مشاعر الخوف والقلق بين اللاجئين والمهاجرين في إيطاليا بعد صعود اليمين المتطرف لسدة الحكم، أحدث فوز التحالف اليميني بالانتخابات الإيطالية ضجة كبيرة امتدت حتى إلى خارج حدود إيطاليا. فالتحالف الذي ضم ماتيو سالفيني، زعيم حزب الرابطة (معاد للمهاجرين)، وسيلفيو برلوسكوني، زعيم حزب فورتزا إيطاليا (يمين)، كان على رأسه جورجيا ميلوني، زعيمة "فراتيلي ديتاليا" (إخوة إيطاليا) والتي تقف على أقصى اليمين التطرف.

ومن المتوقع أن تبدأ ميلوني في الأيام المقبلة تشكيل حكومة يتوقع أن تكون الأكثر يمينية في تاريخ إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو أمر يزعج الكثيرين خصوصاً من المهاجرين واللاجئين داخل إيطاليا، كما يثير فوز ميلوني (التي تكن إعجابا كبيراً بأفكار موسوليني ومارين لوبان وفيكتور أوربان) قلقاً داخل الأوساط السياسية الأوروبية.

معارضة شرسة للهجرة

تعد مسألة الهجرة بمثابة وتر حساس لدى العديد من الناخبين ذوي الميول اليمينية في إيطاليا، الذين يشعرون أن بلادهم لم تتلق سوى القليل من المساعدة من أوروبا في التعامل مع عبء استيعاب الوافدين الجدد ودمجهم في المجتمع.

وعلى مدى سنوات، انتقدت ميلوني سياسات الهجرة الإيطالية، واصفة إياها بأنها "متساهلة للغاية" وأن تلك السياسات تخاطر بتحويل البلاد إلى "مخيم للاجئين في أوروبا"، واليوم وبعد أن أصبحت ميلوني قاب قوسين أو أدنى من قيادة الحكومة الإيطالية، أصبحت الهجرة واحدة من المجالات التي يمكن لها أن تحقق فيها تغييراً شاملًا بسهولة، خاصة وأنها وحلفاؤها يريدون الوفاء بوعودهم للناخبين.

كانت ميلوني قد دعت مراراً إلى فرض "حصار بحري" على البحر الأبيض المتوسط. وفي مقابلتها مع صحيفة "ذا بوست The Post"، قالت: "يجب العمل على إدارة تدفقات المهاجرين ويجب الدفاع عن الحدود"، وأضافت أن إيطاليا كانت تمنح المهاجرين بعض المسارات القانونية القليلة لكنها سمحت في الوقت ذاته للهجرة بأن يهيمن عليها "المهربون" و"تجار البشر".

قلق بين اللاجئين والمهاجرين

يقول جهاد بريرمي وهو ناشط تونسي يعمل في أحد جمعيات الإنقاذ البحري بإيطاليا، إن "هناك حالة من الخوف والهلع انتشرت بين اللاجئين والمهاجرين من مختلف الجنسيات داخل إيطاليا بعد إعلان فوز اليمين المتطرف بالانتخابات".

وأشار بريرمي إلى أنه لاحظ وجود حركة نزوح من عدة مدن إيطالية في اتجاه فرنسا، وأكد أنه هو شخصياً بدأ في بحث أمر انتقاله إلى فرنسا بعد تصاعد القلق من احتمال تجريم عمل المنظمات الإنسانية التي يعمل معها.

وأشار إلى أن فرنسا بدورها بدأت في تكثيف عمليات تأمين الحدود بشكل غير مسبوق خوفاً من قوافل اللاجئين التي قد تأتي من إيطاليا، خاصة مع تناقل الأخبار بين المهاجرين القادمين من مصر وتونس وليبيا عن إغلاق محتمل للحدود الإيطالية، بحسب ما قال.

في هذا الإطار، يشير بريرمي إلى عمليات رقابة مشددة بدأت من جانب السلطات الإيطالية مؤخراً، شملت حتى تفتيش سيارات المواطنين الأوروبيين القادمين إلى إيطاليا، كما أشار إلى انتشار الكلاب البوليسية في محطات القطارات الرئيسية.

وقال الناشط التونسي إن عمليات التفتيش شملت هواتف اللاجئين والمهاجرين القادمين مؤخراً إلى إيطاليا، وتحدث نقلاً عن عدد من المهاجرين عن عمليات تفتيش لهواتفهم النقالة بحثاً عن أرقام هواتف ليبية حيث تعتقد قوات الأمن الإيطالية أنها إشارة محتملة لارتباط الشخص الذي يحتفظ برقم ليبي في هاتفه بشبكات الإتجار في البشر داخل ليبيا، وقال إن هذا الأمر قد يعرض حتى القائمين بعمليات الإنقاذ على متن السفن لمشكلات كبيرة.

تأثيرات متوقعة لسياسة الحد من الهجرة

يرى محللون أن الحكومة الإيطالية القادمة التي من المتوقع أن تقودها ميلوني، قد تتعرض لقيود ليست بالهينة على مستوى الاتحاد الأوروبي مثل سياسات الإنفاق والسياسة الخارجية، لكن على المستوى الداخلي فسيكون لها مطلق الحرية للتعامل مع ملف المهاجرين واللاجئين خاصة أن لكل دولة داخل الاتحاد مساحة أكبر من التعامل مع حدودها الخارجية.

وفي هذا السياق يتفق مراقبون ومحللون كثر على أن ميلوني ستعمل على إغلاق أبواب الهجرة إلى بلادها واحداً تلو الآخر وخصوصاً أمام المهاجرين غير النظاميين عبر البحر، فيما يرى آخرون أن إيطاليا ربما لا تصبح مع الوقت خياراً مفضلاً للاجئين والمهاجرين بسبب التشدد المتوقع في سياساتها مع هؤلاء الأشخاص.

يقول محمد الكاشف الباحث في مؤسسة Watch the Med والمتخصص في قضايا اللجوء والهجرة من ألمانيا، إن "إيطاليا تعد واحدة من دول المواجهة وتعتبر المرفأ الأول الذي يصله مهاجرون خصوصاً من المسار الأوسط للبحر المتوسط، والذي يشمل دولا تونس وليبيا ومصر، إلى جانب القوارب التي بدأت تنطلق مؤخراً من لبنان باتجاه إيطاليا عبر بحر تيرانا".

وأضاف الكاشف، أن الدولة الايطالية حاولت كثيراً في السنوات الماضية الاعتراض على ما رأته معاملة غير لائقة من قبل الاتحاد الأوروبي من حيث الاكتفاء بدورها كدولة استقبال لاجئين كاليونان وإسبانيا دون وجود توزيع عادل لهؤلاء الأشخاص على باقي دول الاتحاد.

ويعتقد الخبير في قضايا الهجرة واللجوء أن "هذا الأمر مرشح بشدة لأن يتغير" مع الحكومة اليمينية القادمة ونبرة أحزابها "الاستعلائية والعنصرية ناحية كل ما هو غير إيطالي وغير أوروبي، متخذة في ذلك مسار بعض دول شمال أوروبا من حيث الخطاب الشعبوي، لذا من المتوقع أن نرى الكثير من الجدل والمناقشات حول تعديل الدور الإيطالي في مجال استقبال اللاجئين والمهاجرين".

وإنه "في الوقت الحالي نرى ممارسات السلطات البحرية الإيطالية من حرس حدود وخفر السواحل تجاه قوارب وسفن الإنقاذ التي تحاول إنقاذ المهاجرين واللاجئين قبل غرقهم في البحر.. اعتقد أن هذا التشدد الحالي سيزيد عما هو عليه وقد يكون مصحوباً برد فعل عنيف تجاه تلك العمليات الإنسانية في إنقاذ الأشخاص"، متوقعاً أن "يتم التشدد في إغلاق الحدود خصوصاً البحرية وقد يكون ذلك مصحوبا بإطلاق يد وكالة حماية الحدود الأوروبية فرونتكس لمواجهة تدفق اللاجئين الهاجرين إلى السواحل الإيطالية".

مخاوف من تجريم عمل المنظمات الإنسانية

وقد تؤدي جهود منع سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات الخيرية من الرسو في الموانئ الإيطالية إلى اندلاع أزمات قانونية متعددة، وإذا ما أغلقت الحكومة الإيطالية كافة الطرق المؤدية إلى إيطاليا، فمن المحتمل أن ينفجر الوضع في دول أخرى، إذ سيزداد حجم المعابر إلى دول جنوب البحر الأبيض المتوسط الأخرى مثل إسبانيا، وهو ما حدث بالفعل قبل ثلاث سنوات عندما قادت إيطاليا لفترة وجيزة حكومة شعبوية مناهضة للهجرة.

يقول أندرو جيديس، مدير مركز سياسة الهجرة في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا: "يمكنك القيام بأشياء سريعة نسبياً بشأن الهجرة تكون شديدة القسوة ورمزية وترسل رسالة واضحة: نحن هنا.. وسنفعل شيئًا حيال هذا الأمر".

وأضاف جيديس في تصريحات لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية: "عندما تتوقف المعابر ويتحول مسارها إلى اتجاه آخر فهذه ستكون نقطة الصدام مع الاتحاد الأوروبي، وبذلك ستعيد إيطاليا الحياة إلى صراع قديم."

من نحيته يقول الناشط التونسي جهاد بريرمي إن المنظمات الإنسانية المعنية بإنقاذ ودعم اللاجئين والمهاجرين بدأت قبل أكثر من شهر في الحديث عن التبعات المتوقعة لانتخاب حكومة يمينية في إيطاليا، وناقشت استراتيجية إنقاذ للاجئين والمهاجرين، وطرحت عدة أفكار منها محاولة نقل المهاجرين لدول أخرى مثل مالطا.

وأضاف الناشط التونسي أن من الاستراتيجيات المطروحة حالياً بين المنظمات الإنسانية هي مواجهة التضييق المتوقع من جانب الحكومة الإيطالية المرتقبة على أعمالها من خلال المواجهات في ساحات القضاء الإيطالي، وأكد أن فرقًا متخصصة من المحامين الذين يعملون مع تلك المنظمات بدأت بالفعل عملها في دراسة تفاصيل قانونية خاصة بإيطاليا والاتحاد الأوروبي فيما يختص بالتعامل مع قضايا اللاجئين والمهاجرين لمواجهة أي تصعيد محتمل من جانب الحكومة الإيطالية القادمة والضغط عليها قانونياً.

ويقول بريرمي إن عدداً من الجمعيات، التي تنشط في مجال مساعدة اللاجئين والمهاجرين، بدأت في تخصيص ميزانيات منفصلة لدعم الجمعيات التي قد تتعرض لتجريم أنشطتها في الدعم والإنقاذ ووقف عملها من جانب الحكومة الإيطالية القادمة.

اضف تعليق