لقد بدأ العصر النووي بتلك القنبلتين، وهما تُعتبران ضئيلتين مقارنة بنحو 14000 واحدة أخرى لا تزال في مخزون الولايات المتحدة إلى اليوم. كما أن نظيراتهما الحديثة تتميّز بقوة تدميرية أكبر بآلاف المرات، وبعد 75 عاماً، لا يزال بلوغ الهدف الطويل الأجل لتحقيق عالم خالٍ من الأسلحة النووية عبارة عن طموح بعيد المنال...

يعد تحقيق نزع السلاح النووي العالمي أحد أقدم أهداف الأمم المتحدة كان موضوع القرار الأول للجمعية العامة في عام 1946، والذي أنشأ لجنة الطاقة الذرية (التي تم حلها في عام 1952)، مع تفويضها بتقديم مقترحات محددة للسيطرة على الطاقة النووية والقضاء على الأسلحة الذرية وجميع الأسلحة الرئيسية الأخرى القابلة للتكيف إلى الدمار الشامل وكانت الأمم المتحدة في طليعة العديد من الجهود الدبلوماسية الرئيسية لتعزيز نزع السلاح النووي منذ ذلك الحين وفي عام 1959، أقرت الجمعية العامة هدف نزع السلاح العام الكامل وفي عام 1978، أقرت الدورة الاستثنائية الأولى للجمعية العامة المكرسة لنزع السلاح كذلك بأن نزع السلاح النووي ينبغي أن يكون الهدف ذي الأولوية في مجال نزع السلاح. وقد عمل كل أمين عام للأمم المتحدة بنشاط على تعزيز هذا الهدف.

ومع ذلك، لم يزل يوجد 13,400 ألف سلاح نووي في العالم والبلدان التي تمتلك تلك الأسلحة لديها خطط ممولة جيدا لتحديث ترساناتها النووية ولم يزل أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في بلدان ل تمتلك أسلحة نووية أو هي دولا أعضاء في تحالفات نووية واعتبارا من 2017 وبالرغم من وقوع خفض كبير في الأسلحة النووية التي نُشرت في ذروة الحرب الباردة فإنه لم يُدمر فعليا حتى رأس نووي واحد وفقا لاتفاقية سواء أكانت ثنائية أو متعددة الأطراف، كما أنه لا تجري أي مفاوضات متعلقة بنزع السلاح النووي.

وفي الوقت نفسه، لا تزال عقيدة الردع النووي قائمة كعنصر في السياسات الأمنية لجميع الدول الحائزة والعديد من حلفائها ولقد تعرض الإطار الدولي للحد من التسلح الذي ساهم في الأمن الدولي منذ الحرب الباردة، والذي كان بمثابة كابح لاستخدام الأسلحة النووية ونزع السلاح النووي المتقدم، لضغوط متزايدة في 2 آب/أغسطس 2019، أعلن انسحاب الولايات المتحدة نهاية معاهدة القوات النووية متوسطة المدى، من خلال الولايات المتحدة والاتحاد الروسي التزاما سابقًا بالقضاء على فئة كاملة من الصواريخ النووية وتنتهي المعاهدة المبرمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي بشأن تدابير زيادة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها ("ستارت الجديدة") في شباط/ فبراير 2021.

وإذا لم يتم تمديد هذه المعاهدة، على النحو المنصوص عليه في موادها، أو تنتهي صلاحيتها دون خليفة، ستكون هذه هي المرة الأولى التي لا تخضع فيها أكبر ترسانتين نوويتين استراتيجيتين في العالم للقيود منذ السبعينيات، يتنامى الإحباط بين الدول الأعضاء فيما يتعلق بما يُنظر إليه على أنه بطء وتيرة نزع السلاح النووي ويركز بشكل أكبر على هذا الإحباط مع تزايد المخاوف بشأن العواقب الإنسانية الكارثية لاستخدام حتى سلاح نووي واحد، ناهيك عن حرب نووية إقليمية أو عالمية.

تحتفل الجمعية العامة بيوم 26 أيلول/ سبتمبر باعتباره اليوم الدولي للإزالة الكاملة للأسلحة النووية ويوفر هذا اليوم فرصة للمجتمع العالمي لإعادة تأكيد التزامه بنزع السلاح النووي العالمي كأولوية وإنه يوفر فرصة لتثقيف الجمهور - وقادته- حول الفوائد الحقيقية للتخلص من مثل هذه الأسلحة، والتكاليف الاجتماعية والاقتصادية لإدامتها. للاحتفال بهذا اليوم في الأمم المتحدة أهمية خاصة، بالنظر إلى عضويتها العالمية وخبرتها الطويلة في معالجة قضايا نزع السلاح النووي إنه المكان المناسب لمواجهة أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية، وهي تحقيق السلام والأمن في عالم خالٍ من الأسلحة النووية.

وعليه، ووفقاً لقرار الجمعية العامة 32/68 والقرارات اللاحقة له، كانت هذه الحقائق هي الأسس لتعيين الجمعية العامة يوم 26 أيلول/سبتمبر بوصفه اليوم الدولي للإزالة الكاملة للأسلحة النووية فهذا اليوم هو بمثابة فرصة متاحة للمجتمع الدولي ليعيد توكيد التزامه بنزع السلاح النووي على الصعيد العالمي بوصفه أولوية عليا وهو يتيح كذلك فرصة لتثقيف الجمهور وقادته بالفوائد الحقيقة التي ستعود من القضاء على هذه الأسلحة، والتكاليف الاجتماعية والاقتصادية لبقائها ولذا يكتسى احتفاء الأمم المتحدة بهذا اليوم بأهمية خاصة نظراً إلى البعد العالمي للعضوية فيها وخبرتها الطويلة في التصدي لقضايا نزع السلاح النووي وهي كذلك المكان المناسب للتصدي لأحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية، وبما يحقق السلام والأمن وإيجاد عالم خال من الأسلحة النووية، وتحتفل الأمم المتحدة بهذا اليوم الدولي من خلال دعم فعاليات تُقام في نيويورك وجنيف. كما تشجع مراكز الأمم المتحدة للإعلام المنتشرة في بقاع كثيرة من العالم على إذكاء الوعي العام بهذه المناسبة، (بحسب بي بي سي).

معالم تاريخية

1945: دمرت قنبلتان نوويتان مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتان وتشير التقديرات إلى قتلهما ما مجموعه 213 ألفا على الفور.

1946: حددت الجمعية العامة، في قرارها الأول، نزع السلاح النووي هدفا رئيسيا للأمم المتحدة.

1959: أدرجت الجمعية العامة نزع السلاح النووي بوصفه جزءا من الهدف الأكثر شمولاً المتمثل في نزع السلاح العام الكامل في ظل رقابة دولية فعالة (القرار 1378 (د -14)) وكان ذلك أول قرار للجمعية العامة ترعاه جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

1963: فُتح باب توقيع معاهدة حظر تجارب الأسلحة النووية في الجو وفي الفضاء الخارجي وتحت سطح الماء، والمعروفة كذلك باسم معاهدة حظر التجارب الجزئية وحظيت المناقشات التي دامت لسنوات بين الاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بإحساس متجدد بضرورة الخروج بصك مقبول بسبب أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

1967: دفع سباق التسلح النووي وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 حكومات أمريكا اللاتينية إلى التفاوض على معاهدة حظر الأسلحة النووية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (معاهدة تلاتيلولكو)، التي أنشأت أول منطقة خالية من الأسلحة النووية في منطقة مكتظة بالسكان .

1978: عقدت الجمعية العامة دورتها الاستثنائية الأولى التي وُقفت لنزع السلاح. وأكدت الدول الأعضاء، في الوثيقة الختامية، أن هدفها النهائي المشترك هو "نزع السلاح العام الكامل في ظل رقابة دولية فعالة"، كما أكذت على أن "للتدابير الفعالة لنزع السلاح النووي ولمنع الحرب النووية الأولوية القصوى".

1985: أصبح جنوب المحيط الهادئ المنطقة الثانية الخالية من الأسلحة النووية (معاهدة راروتونغا).

1991: تخلت جنوب إفريقيا طواعية عن برنامج الأسلحة النووية.

1992: بموجب بروتوكول لشبونة الملحق بمعاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية، تخلت بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا طوعًا عن الأسلحة النووية التي كانت بحوزتها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

1995: في مؤتمر عام 1995 لاستعراض المعاهدة وتمديدها، اعتمدت الدول الأطراف دون تصويت القرارات المتعلقة بتمديد المعاهدة إلى أجل غير مسمى، "لتعزيز عملية مراجعة المعاهدة" و "المبادئ والأهداف المتعلقة بعدم الانتشار النووي ونزع السلاح النووي"، وكذلك "قرار بشأن الشرق الأوسط".

1996: أصبحت أفريقيا المنطقة الرابعة الخالية من

2000: في المؤتمر الاستعراضي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 2000، اعتمدت الدول الأطراف ثلاث عشرة خطوة عملية لجهود منهجية وتدريجية لنزع السلاح النووي.

2006: أصبحت آسيا الوسطى المنطقة الخامسة الخالية من الأسلحة النووية (معاهدة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في وسط آسيا).

2008: أعلن الأمين العام للأمم المتحدة خطة من خمس نقاط لنزع السلاح النووي.

2010: في المؤتمر الاستعراضي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 2010، اعتمدت الدول الأطراف خطة عمل من 64 نقطة في جميع أركان المعاهدة الثلاثة- نزع السلاح النووي وعدم الانتشار النووي والاستخدامات السلمية للطاقة النووية- وخطوات عملية لتنفيذ قرار عام 1995 بشأن الشرق الأوسط الشرق.

2013: عقدت الجمعية العامة أول اجتماع رفيع المستوى بشأن نزع السلاح النووي. وأعلنت الجمعية العامة، بموجب قرارها 32/68، أن 26 أيلول/ سبتمبر سيكون هو اليوم الدولي للإزالة الكاملة للأسلحة النووية، عملاً بالقرار 67/56، تُنشئ الجمعية العامة فريقا عاملا مفتوح العضوية بشأن المضي قدما بمفاوضات نزع السلاح النووي المتعددة الأطراف.

2016: عملا بالقرار 70/33، تُنشئ الجمعية العامة فريقا عاملا ثانيا مفتوح العضوية بشأن المضي قدما بمفاوضات نزع السلاح النووي المتعددة الأطراف.

2017: في 7 تموز/يوليه، اُعتمدت معاهدة حظر الأسلحة النووية، لتصبح بذلك أول صك متعدد الأطراف ملزم قانوناً — جرى التفاوض عليه لمدة 20 عاماً — لنزع السلاح النووي.

2018: دشن الأمين العام جدول الأعمال المعنون "تأمين مستقبلنا المشترك خطة لنزع السلاح" ويعالج جدول الأعمال إزالة الأسلحة النووية في إطار "نزع السلاح لإنقاذ البشرية".

2020: الذكرى الخمسون لبدء معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، (بحسب موقع الامم المتحدة).

السلاح النووي: إنذارات كادت أن تشعل حربا عالمية ثالثة

كلنا يعلم أنه من المستبعد تماما أن يتعمد أي زعيم في العالم إشعال حرب نووية، إلا إذا كان قد فقد صوابه، لكننا لم نضع في الحسبان أن الحرب قد تشتعل بسبب أخطاء غير مقصودة، فمنذ اكتشاف الأسلحة النووية، اقتربنا من حافة صراع نووي مدمر 22 مرة على الأقل، بسبب إساءة تفسير أحداث لا ضرر منها، مثل سرب من البجع أو لون القمر أو مشاكل طفيفة في الكمبيوتر أو ظواهر جوية فضائية غامضة.

ففي عام 1958، أسقطت طائرة من دون قصد قنبلة ذرية على حديقة خلفية لمنزل عائلي، والعجيب أن القنبلة لم تسفر عن مقتل أحد من أفراد العائلة، وإن كان الدجاج في الحديقة قد اختفى من الوجود ووقع آخر هذه الحوادث منذ وقت قريب، في عام 2010، حين فقد سلاح الجو الأمريكي القدرة على التواصل مؤقتا مع 50 صاروخا نوويا، ما يعني أنه كان من المستحيل إيقاف أي إطلاق آلي للصواريخ النووية.

وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف الأسلحة النووية الحديثة وتطورها التكنولوجي الفائق، إذ من المتوقع أن يبلغ إنفاق الولايات المتحدة على ترسانتها النووية 400 مليار دولار في الفترة ما بين 2017 و2026، فإن هناك أحداثا تاريخية تكشف عن مدى سهولة تعطل التدابير الأمنية التي تُتخذ لمنع إطلاق الأسلحة النووية دون قصد، بسبب أخطاء بشرية أو حيوانات برية متطفلة.

وفي عام 1995، كان بوريس يلتسن، الرئيس الروسي آنذاك، أول زعيم في التاريخ يتخذ قرار استخدام الحقيبة النووية التي تحتوي على تعليمات إطلاق القنابل الذرية إذ لاحظ مشغلو الرادار الروسيون أن صاروخا انطلق بمحاذاة ساحل النرويج، وصعد إلى السماء، ودعا يلتسن مستشاريه على الفور لمناقشة شن هجوم مضاد وبعد دقائق أدركوا أن الصاروخ خرج من البحر ولم يعد مصدر تهديد.

واكتشف لاحقا أن هذا الصاروخ هو مسبار علمي أرسلته النرويج لاستكشاف الأضواء الشمالية. واندهش المسؤولون النرويجيون من هذه البلبلة التي سببها الصاروخ رغم أنهم أعلنوا على الملأ أنهم سيطلقونه قبل شهر على الأقل.

لكن مهما اختلفت أسباب الهجوم النووي، فإنه بمجرد إطلاق الصاروخ، لا يمكن إيقافه ويقول ويليام بيري، وزير الدفاع الأسبق في عهد الرئيس بيل كلنتون: "إذا أطلق الرئيس عددا من الصواريخ ردا على إنذار كاذب، فقد يتسبب في إشعال حرب نووية غير متعمدة. وهذا القرار لا يمكن الرجوع فيه، لأن الصواريخ بمجرد إطلاقها لا يمكن استعادتها أو تدميرها".

كيف نتفادى حادثة كارثية؟

شارك بيري مع توم كولينا، مدير السياسات بصندوق "بلاوشيرز"، وهي مؤسسة خيرية لدعم مبادرات منع انتشار الأسلحة النووية، في تأليف كتاب "الزر: سباق التسلح النووي الجديد والسلطة الرئاسية من ترومان إلى ترامب" ويسلط الكتاب الضوء على هشاشة التدابير التي تكفل التزام الدول بالضمانات الدولية بشأن منع انتشار الأسلحة النووية، ويقترح بعض الحلول المحتملة.

أولا: إنهاء السلطة المطلقة، بحيث تتخذ القرارات بشأن استخدام أسلحة الدمار الشامل بأسلوب ديمقراطي، بمعزل عن تأثير تدهور القدرات العقلية أو الأمراض النفسية للأفراد. وفي الولايات المتحدة، هذا يعني التصويت على هذه القرارات في الكونغرس.

ويقول بيري إن هذا الإجراء سيضمن إبطاء عملية اتخاذ قرار شن هجوم نووي. إذ يفترض بشكل عام أن قرار إطلاق الصواريخ النووية ردا على الهجوم المحتمل ينبغي أن يتخذ سريعا قبل أن تنهار الدولة وتفقد القدرة على الرد. لكن حتى لو دمرت الأسلحة النووية جميع الصواريخ في الدولة، ستظل هناك حكومة قادرة على اتخاذ قرار شن هجوم باستخدام الغواصات الحربية.

ويقول كولينا: "الهدف أن نمنع الدول من شن هجوم ردا على إنذار قد يكون كاذبا"، والطريقة المأمونة الوحيدة للتأكد من صحة التهديد هي الانتظار حتى يصيب الصاروخ الهدف.

وثانيا: أن تتعهد القوى النووية بعدم البدء باستخدام الأسلحة النووية واستخدامها للرد على هجوم فقط. ويقول كولينا إن الصين أعلنت بالفعل أنها لن تبدئ باستخدام الأسلحة النووية في أي أزمة وتحمل هذه السياسية بعض المصداقية لأن الصين تفصل الرؤوس النووية عن القذائف، فإذا جمعت الصين الاثنين معا قبل شن هجوم، لا شك أن أحد الأقمار الصناعية العديدة التي تراقب من الجو سيرصد هذه المحاولات.

واللافت أن الولايات المتحدة وروسيا ليس لديهما سياسة مشابهة، إذ تحتفظان بالحق في شن هجوم نووي حتى لو كان ردا على هجوم بالأسلحة التقليدية.

وأخيرا، يرى المؤلفان أنه يفضل أن تحيل الدول الصواريخ الباليستية العابرة للقارات للتقاعد، لأنها عرضة للتدمير في حالة حدوث هجوم نووي. وتلجأ الدول على الأرجح لإطلاق هذه الصواريخ قبل التأكد من صحة التهديدات بشأن أي هجوم، ومن الممكن أيضا إضافة إمكانية تعطيل الصواريخ النووية إذا تبين أن الإنذار كان كاذبا ويقول كولينا، إن اللافت أن الصواريخ في الرحلات التجريبية عندما تخرج عن مسارها قد تدمر نفسها، لكن هذه الإمكانية غير متاحة في حالة شن هجوم حقيقي، خشية أن يستخدم العدو هذه الخاصية لتعطيل الصواريخ.

وثمة مخاوف أخرى من أن يؤدي تزايد الاعتماد على أجهزة الكمبيوتر المعقدة إلى أن يشن قراصنة الإنترنت أو الفيروسات أو الذكاء الاصطناعي حربا نووية ويرى كولينا أن مخاطر الإنذارات الكاذبة قد تزايدت بالتوازي مع زيادة مخاطر الهجمات الإلكترونية فمن الممكن خداع نظام المراقبة لإيهامه بوجود هجوم صاروخي، ومن ثم قد يبادر الرئيس على الفور إلى إطلاق صواريخ ردا على هذا الهجوم، والمشكلة الكبرى أن الدول تريد أن تكون أسلحتها النووية سهلة الاستخدام وقادرة على الاستجابة الفورية، بمجرد ضغطة زر. وهذا يعرقل محاولات التحكم في استخدام هذه الأسلحة، ويلفت كولينا إلى أننا لا نزال بعد سنوات من انتهاء الحرب الباردة، نترقب هجوما مباغتا، رغم أن العالم أصبح مختلفا تماما الآن. والمفارقة أن الكثير من الخبراء يجمعون على أن أنظمة إطلاق الصواريخ التي يفترض بها أن تحمينا، هي نفسها مصدر التهديد الأكبر.

أبرز اختبارات الأسلحة النووية عبر التاريخ

دعت الولايات المتحدة الصين مرارا وتكرارا للانضمام إلى مفاوضات ثلاثية لتمديد معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة (نيو ستارت) الثنائية الموقعة بين واشنطن وموسكو عام 2010، والتي ينتهي مفعولها في 5 فبراير 2021، وصرح كبير المفاوضين الأميركيين، بعد المحادثات الأخيرة في فيينا، أن أي اتفاق جديد يجب أن يُخضع الصين لقيود، وأعرب عن أمله في أن تضغط دول أخرى في المجتمع الدولي على بكين للانضمام إلى المحادثات في المستقبل.

ورد فو كونغ، المدير العام لقسم مراقبة الأسلحة بوزارة الخارجية الصينية، أن بلاده ستكون سعيدة بالمشاركة في مفاوضات ثلاثية للحد من التسلح مع الولايات المتحدة وروسيا، إذا كانت واشنطن مستعدة لخفض ترسانتها النووية إلى مستوى ترسانة بكين، هذا بشأن المفاوضات أما بما يتعلق بالتجارب النووية فقد أصبح هذا المصطلح يرتبط بكوريا الشمالية، بعد أن أجرت بيونغ يانغ ست تجارب نووية منذ 2006، ولم تجر أي دولة أخرى تجربة واحدة في هذا القرن، وفقاً لمجلة إنترناشونال إنترست.

بين أول اختبار نووي أميركي في عام 1945 وآخر اختبار لكوريا الشمالية في سبتمبر من العام الماضي، شهد العالم 2056 تجربة نووية على الأقل، أجرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ما يقرب من 85% من هذه العمليات، لكن القوى النووية الثلاث الأخرى المعترف بها (المملكة المتحدة وفرنسا والصين) أجرت أيضًا عددا كبيرا من التجارب، أما إسرائيل فلم تختبر قط سلاحًا نوويًا رسميًا، على الرغم من وجود أدلة قوية على أنها اختبرت سراً بعض الأسلحة في جنوب إفريقيا عام 1979.

وأجرت الهند انفجارًا نوويًا "سلميًا" عام 1974، تلته سلسلة من خمسة انفجارات نووية في مايو 1998، وفي وقت لاحق في الشهر نفسه من ذات العام، ردت باكستان بست تجارب نووية في يومين منفصلين، ليست كل التجارب النووية متساوية، فبعض الانفجارات تنتج عشرات أو مئات الأطنان من مادة تي إن تي، بينما يقاس البعض الآخر بعشرات الميغا طن (الميغاوان يساوي مليون طن)، وتتفوق أميركا وروسيا في عدد الاختبارات النووية بفارق شاسع، لكن المملكة المتحدة وفرنسا والصين وكوريا الشمالية كانت لها أيضًا تجارب قوية، وهذه جولة على أكبر الانفجارات النووية.

الولايات المتحدة

تعتبر الولايات المتحدة أول وأكثر من أجرى تجارب نووية في التاريخ، ففي 16 يوليو 1945 أجرت واشنطن أول تجربة نووية لها، الثالوث، في صحراء نيومكسيكو، فقد بلغ قوة الانفجار 20 ألف طن من مادة تي إن تي المتفجرة، بين عامي 1945 و1992، أجرت الولايات المتحدة 1030 تجربة نووية، أي ما يقرب من نصف إجمالي التجارب العالمية، جاء أكبرها بعد تسع سنوات فقط من الاختبار النووي في 1 مارس 1954 في منطقة بيكيني أتول في جزر مارشال، والتي عٌرفت بقنبلة "قلعة برافو".

كان القصد من تصميم قلعة برافو هو الحصول أول سلاح نووي حراري بعد أن قامت الولايات المتحدة باختبار قنبلة هيدروجينية لأول مرة في عام 1952، لكن تحولت قلعة برافو إلى كارثة كبرى، في حين كان المصممون يتوقعون انفجارا في نطاق 5-6 ميغا طن من المواد المتفجرة، كان الانفجار الناتج بنطاق 15 ميغا طن، وهذا أقوى بنحو ألف مرة من القنابل التي استخدمت ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية.

الاتحاد السوفيتي

أجرى الاتحاد السوفياتي 715 اختبارًا مقارنة بـ1030 اختبار أميركي، لكن موسكو تتفوق على واشنطن في حجم اختباراتها، فقد أجرت موسكو أكبر خمسة انفجارات نووية في التاريخ، أبرزها اختبار القيصر، في 30 أكتوبر 1961، أقلعت قاذفة من طراز Tu-95 معدلة خصيصًا وهي تحمل قنبلة يبلغ طولها ستة وعشرون قدمًا وعرضها سبعة أقدام ويبلغ وزنها سبعة وعشرين طنًا، ثم أسقطتها من على ارتفاع 13000 قدم فوق سطح الأرض.

وأسفر الانفجار الناتج عن حصيلة 57 ميغا طن، والتي كانت أقوى بعشر مرات من جميع الذخائر التي استهلكت خلال الحرب العالمية الثانية، كما ذكرت "بي بي سي" في وقت لاحق، يمكن رؤية النار من ألف كيلومتر، وبحسب بعض الروايات، حطم الانفجار النوافذ التي كانت على بعد 560 ميلاً.

بريطانيا

كانت المملكة المتحدة الدولة الثالثة التي تنضم إلى النادي النووي، حيث فجرت أول قنبلة ذرية لها في 3 أكتوبر 1952، وأجرت خمسة وأربعين تجربة نووية بين عامي 1952 و1991، في البداية، اختبرت لندن الأجهزة النووية بمفردها، ابتداء من عام 1961، تم إجراء تجاربها النووية بالاشتراك مع الولايات المتحدة، كما رفضت واشنطن التعاون مع المملكة المتحدة في معظم القضايا النووية حتى أثبتت بريطانيا قدرتها على صنع قنابل هيدروجينية، وبدأت لندن اختبار القنابل النووية الحرارية في عام 1957 لكن الاختبارات الأولية لم تسفر عن النتائج المتوقعة، وتم إجراء أول اختبار ناجح لقنبلة هيدروجينية في نوفمبر 1957، لكن أكبر اختبار للقنابل النووية الحرارية في بريطانيا حصل في نوفمبر 1958، وأنتجت 3 ميغا طن.

فرنسا

كانت فرنسا رابع دولة تختبر سلاحًا نوويًا في 13 فبراير 1960، وكانت العادات النووية لفرنسا أقرب إلى بريطانيا من الدول العظمى، حيث اختلفت فرنسا عن إنكلترا في عدم إقامة علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة في المجال النووي، وبين عامي 1960 و1996، أجرت فرنسا 210 تجارب نووية على الرغم من تفوقها على الصين بالنادي الذري، قامت بكين بالفعل بتفجير قنبلة هيدروجينية قبل باريس.

على عكس بريطانيا، نجح أول اختبار للقنبلة الهيدروجينية في فرنسا، وكما قال روبرت س نوريس: "فجرت فرنسا أول جهاز نووي حراري من مرحلتين في 24 أغسطس 1968، كان اسمه كانوبوس، وهو أول اختبار نووي حراري كان أيضًا أكبر انفجار معروف في فرنسا، عند 2.6 مليون طن".

الصين

كسرت الصين احتكار الغرب للأسلحة النووية عندما فجرت قنبلة ذرية في 16 أكتوبر 1964 في موقع اختبار لوب نور، وفي أقل من ثلاث سنوات، في 17 يونيو 1967، ادعت بكين أنها أجرت تجربة نووية حرارية، كانت هذه أسرع مرة انتقلت فيها أي دولة من انفجار أول قنبلة ذرية إلى قنبلة هيدروجينية، وبلغت قوة الأخيرة 3.3 مليون طن، لم تصل بكين إلى أعلى من ذلك بكثير في التجارب النووية الأخرى، كان الاستثناء الوحيد في عام 1976، عندما فجرت قنبلة أسقطت جواً بقدرة إنتاجية تبلغ أربعة ميغا طن، بشكل عام، يبلغ عدد التجارب التي أجرتها بكين بين عامي 1965و1996، 45 تجربة نووية.

كوريا الشمالية

تعتبر كوريا الشمالية هي أحدث دولة تنضم إلى النادي النووي بعد تفجير أول قنبلة ذرية في عام 2006، وأنتج هذا الاختبار الأول عائدًا يبلغ 2000 طن على الأكثر من المواد المتفجرة، بينما لم تصل التجارب النووية الأربعة الأولى لبيونغ يانغ إلى عائد يبلغ 20 ألف وطن، ولكن ربّما وصلت التجربة الخامسة إلى 25 ألف طن، ومن الواضح أن أحدث تجاربها النووية كانت أقوى تجاربها، العائد الدقيق لا يزال موضع خلاف، مع تقديرات تتراوح من 100 إلى 250 كيلوطن، وهناك أيضًا آراء مختلفة حول ما إذا كانت كوريا الشمالية قد اختبرت قنبلة هيدروجينية - كما تدعي بيونغ يانغ نفسها - أو بالأحرى قنبلة انشطارية معززة، (بحسب الحرة).

كيف يتخلص العالم من السلاح النووي؟

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن الأسلحة النووية تمثل خطرا يهدد الجنس البشري، مشيرا إلى أن السبيل الحقيقي الوحيد لإزالة خطر الأسلحة النووية هو إزالة هذه الأسلحة، ولفت الموقع إلى أن تحقيق الهدف الخاص بنزع السلاح النووي على الصعيد العالمي، يعد واحدا من أقدم أهداف الأمم المتحدة، مشيرا إلى أنها كانت موضوع قرار الجمعية العامة الأول في عام 1946.

وتابع الموقع: "بعد دخول نزع التسلح العام والكامل في جدول أعمال الأمم المتحدة في عام 1959، بقى نزع السلاح النووي واحدا من أهم مقاصد الأمم المتحدة في الميدان وأكثرها إلحاحا"، ولا يزل ذلك المقصد موضوعا لمؤتمرات استعراضية للدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1975.

وما زال أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في بلدان تمتلك أسلحة نووية أو هي دولا أعضاء في تحالفات نووية، وبالرغم من وقوع خفض كبير في الأسلحة النووية، التي تم نشرها في ذروة الحرب الباردة، فإنه لم يتم تدمير أي رأس نووي واحد وفقا للاتفاقية، منذ عام 2017، سواء أكانت ثنائية أو متعددة الأطراف، كما أنه لا تجري أي مفاوضات متعلقة بنزع السلاح النووي.

ولفت الموقع إلى أن عقيدة الردع النووي، لا تزال، عنصرا حاضرا في السياسات الأمنية لجميع الدول الحائزة على تلك الأسلحة وتحالفاتها، مشيرا إلى أن هناك ضغوط متزايدة على الإطار الدولي المتعلق بالحد من الأسلحة، الذي كان عاملا مساهما في توطيد الأمن الدولي منذ الحرب الباردة، واعتبر الموقع أن انسحاب الولايات المتحدة في 2 أغسطس / آب 2019 نهاية معاهدة القوة النووية متوسطة المدى، التي كانت قد التزمت بها مع روسيا الاتحادية سعيا إلى إزالة فئة كاملة من الصواريخ النووية، (بحسب سبوتينك عربية).

حلم بعيد المنال

في 9 أغسطس (آب) قبل 75 عاماً، ألقت الولايات المتحدة قنبلة ذرّية على مدينة ناغازاكي اليابانية جاء ذلك بعد ثلاثة أيام من تعرّض هيروشيما لمصير مماثل في 1945 قتلت القنبلتان في ذلك الوقت عدداً تراوح بين 110000 و210000 شخص، بينما لقي آلاف آخرون حتفهم خلال الأشهر والسنوات التالية بسبب الإصابات التي لحقت بهم نتيجة الانفجارين، فضلاً عن آثار الإشعاع المستمرة.

لقد بدأ العصر النووي بتلك القنبلتين، وهما تُعتبران ضئيلتين مقارنة بنحو 14000 واحدة أخرى لا تزال في مخزون الولايات المتحدة إلى اليوم. كما أن نظيراتهما الحديثة تتميّز بقوة تدميرية أكبر بآلاف المرات، وإذا استُخدمت يوماً، ستكون لها عواقب وخيمة على الجنس البشري بأكمله، وبعد 75 عاماً، لا يزال بلوغ الهدف الطويل الأجل لتحقيق عالم خالٍ من الأسلحة النووية عبارة عن طموح بعيد المنال، وهناك أسباب عدّة تدعو إلى الاعتقاد بأن مستوى المخاطر المرتبطة بالأسلحة النووية آخذٌ في الارتفاع.

هناك توترات متنامية بين القوى العالمية وتتعرّض حالياً العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، القوتان النوويتان العظيمتان، إلى ضغوط كبيرة، وتعمل كلاهما على تحديث ترساناتهما النووية بالموازاة مع ذلك، أثارت المنافسة الاستراتيجية بين أميركا والصين مخاوف من اندلاع حرب باردة جديدة، إذ إنّ هناك مجموعة من الخلافات بين البلدين التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التدهور في العلاقات.

في غضون ذلك، بدأت الآليات الدولية للحدّ من الأسلحة ونزع السلاح في الانهيار ففي عام 2019، انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة "القوى النووية متوسطة المدى" Intermediate-Range Nuclear Forces treaty، متهمةً روسيا بعدم الامتثال ويُذكر أن المعاهدة كانت قد فرضت حظراً على الصواريخ القادرة على حمل أسلحة نووية، التي تُطلق من الأرض ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر كما انسحبت الولايات المتحدة من "معاهدة الأجواء المفتوحة" Open Skies Treaty، التي سمحت بالمراقبة المتبادلة لأراضي كل دولة. ومن المقرر أن تنتهي في فبراير (شباط) 2021 معاهدة "ستارت الجديدة" The New Start agreement، وهي آخر قيد مفروض على ترسانتَيْ الولايات المتحدة وروسيا. وعلى الرغم من التطور الإيجابي المتمثل في انطلاق المفاوضات بشأن المعاهدة الأخيرة، من غير الواضح إطلاقاً ما إذا كانت ستُمدَّد، (بحسب اندبندنت عربية).

اضف تعليق