التعاطي النموذجي مع الأموال العامة

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

إذا كان سوء استعمال الأموال العامة مقصودا من أجل التربّح غير المشروع، فإن هذا الهدر يعد من أسوأ ما يمكن أن يقوم به الحكام، وهذا ما نجده عند بعض الحكام المسلمين، حيث يبذر أموال الناس على أعوانه وذويه ومؤيديه، ويمنعه عمّن يستحقه، مما يؤدي إلى حالات هائلة من التفاوت في الغني والفقر...

(على حاكم المسلمين أن يكون محتاطاً في تصرّفه الشخصي، وأن يكون محتاطاً في أمره)

سماحة المرجع الشيرازي

تؤكد سجلات التاريخ الموثوقة على وجود تجربة مثالية في تعاطي الحاكم الإسلامي مع الأموال العامة، ونجد مثل هذا التأكيد في تجربة حكومة النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأيضا في تجربة حكومة الإمام علي عليه السلام، وكان من الأجدر بحكام المسلمين أن يطّلعوا جيدا على مثل هاتين التجربتين في كيفية التعامل مع الأموال العامة التي تُعد أمانة في أعناق الحكام، خصوصا فيما يتعلق بالتعامل الأمين معها.

ولو أن الحكام المسلمين تعاطوا مع تلك الأموال كما تعاطى الرسول صلى الله عليه وآله معها، وكما صرفها الإمام علي عليه السلام، فإنهم سوف يقضون على ظاهرة الفقر تماما في البلاد الإسلامية، ولكن هذا لم يتحقق على أرض الواقع مما يشير بوضوح إلى عدم تعامل الحاكم الإسلامية بأمانة مع الأموال العامة، مما أدى إلى حدوث تفاوت طبقي واضح، وتزايد شريحة الفقراء الذين كان ولا يزال يعصف بهم العوز.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة تعامل الحاكم مع أموال الأمة:

(لو كان الحكّام في البلاد الإسلامية اليوم في زماننا هذا، والذين تكون تحت أيديهم أموال الأمّة ويتصرّفون فيها ويصرفونها على مصالح الناس، ولو كانوا يتصرّفون ويحتاطون مثل احتياط أمير المؤمنين صلوات الله عليه، لما كنّا نرى في شيء من بلاد الإسلام، في طولها وعرضها، فقيراً واحداً يبقى على الفقر، ولما كنّا نرى شابّاً أو فتاة بحاجة إلى الزواج ويعيشان مجرّدين عن الزواج لأنه لا مال للزواج لهما).

السياسة المالية النموذجية

ولو كانت هذه السياسة المالية الإيجابية هي المتّبعة من قبل حكام المسلمين لما وجدنا مريضا واحدا في عموم البلاد الإسلامية إلا وكان قادرا على معالجة نفسه من دون مصاعب كبيرة كما يحدث اليوم، علما أن كافة أنواع الضمان كانت متوفرة للناس ومنها الضمان الصحي الذي تقدمه الحكومة لجميع الناس من دون تمييز، لكن ما يجري اليوم يدل بوضوح على أن الحكومات الإسلامية وحكامها أخفقوا في صرف الأموال العامة كما هو مطلوب.

كذلك لو كان التعاطي السلطوي سليما مع الأموال لما وجدنا مواطنا واحدا يشكو من العوز، ولن نجد شخصا واحدا لا يمتلك دارا جيدة للسكن المريح، ولكن عدم التعامل الشرعي والقانوني الصحيح مع الأموال العامة، خلق ظاهرة التفاوت الطبقي، وجعلت من ذوي الحكام وعوائلهم وأبنائهم والمقربين منهم يعشون في بحبوحة من الثراء جعلتهم الطبقة المتميزة بغناها ورفاهيتها، فيما بقيت الغالبية العظمى من الناس في حالة فقر وعوز واحتياج حتى لأبسط مستلزمات الحياة الكريمة.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:  

(ولما كنّا نجد مريضاً واحداً، في طول البلاد الإسلامية وعرضها، لا يجد مالاً لكي يعالج نفسه من المرض، ولما كنّا نجد شخصاً واحداً، في طول البلاد الإسلامية وعرضها، يئنّ من العوز، ولما كنّا نجد شخصاً واحداً لا يملك داراً يعيش فيها). 

كذلك لو كانت السياسات المالية بعيد عن الاستغلال والتعامل المنحرف من قبل الحكام، لكانت أرض المسلمين منتجة لأكبر السلال الغذائية في العالم، نظرا لخصوبة الأرض وسعتها وتوافر مقومات الزراعة بكل أنواعها، وهذا ما يجعل من المسلمين من أغنى الأمم والشعوب والدول في العالم، ولكن هذا لم يحدث لأسباب واضحة للعيان، تكمن معظمها في طبيعة التعاطي المنحرف مع الأموال العامة.

ولو تمكن المسلمون عبر قياداتهم السياسية والإدارية من استثمار أموالهم كما في الحكومات الناجحة التي تم ذكرها في بداية المقال، لما وجدنا مواطنا واحدا من دون دار لائقة للسكن، ولا فقيرا واحدا في طول وعرض البلاد الإسلامية، ولكان المسلمون وغيرهم من المواطنين يعيشون في أفضل حال بعيدا عن آفة الفقر، والعوز، والأمراض التي تفتك بهم بلا رحمة.

كما يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(بل لكنّا نجد أراضي الإسلام مملؤة بالخير وبالغنى، ونجد المسلمين في بلاد الإسلام، وغير المسلمين في بلاد الإسلام، يعيشون كأحسن ما يكون).

وجوب التوقّف عن الهدر المقصود

ولهذه الأسباب وغيرها، فإن الحاكم مطالب بقوة بأن يكون تعاطيه سليما مئة بالمسة مع الأموال العامة، كما أنه يجب أن يحتاط أشد الاحتياط في صرفه لهذه الأموال، وفي عدم هدرها سواء كان ذلك عن قصد أو من دون قصد، فالهدر المقصود لا يختلف بشيء عن الهدر عن سوء دراية، لأن الحاكم يجب أن يتعلم جيدا كيف يتعامل مع الال العام ولا عذر له في هذا المجال.

أما إذا كان سوء استعمال الأموال العامة مقصودا من أجل التربّح غير المشروع، فإن هذا الهدر يعد من أسوأ ما يمكن أن يقوم به الحكام، وهذا ما نجده عند بعض الحكام المسلمين، حيث يبذر أموال الناس على أعوانه وذويه ومؤيديه، ويمنعه عمّن يستحقه، مما يؤدي إلى حالات هائلة من التفاوت في الغني والفقر، لذلك يجب أن يحتاط الحاكم جيدا في هذا المجال ليس مع نفسه وشخصه وإنما يحتاط فيمن يكلّفه من الموظفين في التعامل مع الأموال العامة وصرفها.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي: 

(على حاكم المسلمين أن يكون محتاطاً في تصرّفه الشخصي، وأن يكون محتاطاً في أمره بالاحتياط فيمن يحملون تلك أموال المسلمين، وفيمن تودع عندهم تلك الأموال، وفيمن تسلّم بأيديهم تلك الأموال. وهذا هو الإسلام، وهذا هو ملاك الأموال العامّة للمسلمين، وهذا هو الملاك لما يقوم به إمام المسلمين وحاكمهم).

ويطالب سماحة المرجع الشيرازي بأن يهتدي الحكام والحكومات وجميع الموظفين والأفراد الذين تُعهَد لهم مسؤولية التعاطي مع الأموال العامة، بأن يتخذوا من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله، ومن سيرة الإمام علي عليه السلام، مثالا لهم في التعامل مع أموال الأمة، وعدم هدرها، أو التجاوز عليها، لأن مثل هذا السلوك يؤدي إلى انتشار الفقر بين الناس وهم أغنياء بما وهبهم الله تعالى من ثروات ومقومات للغنى.

لذلك لابد لمن يتصدون لمسؤولية صرف أموال المسلمين من عامة الناس أن يراعوا حقوقهم، وأن يسيروا في هذا المجال كما سار الحكام والحكومات الفاضلة في تاريخ الإسلام، وأن ينجوا في هذا الامتحان العسير، لذلك سماحة المرجع الشيرازي يدعو للحكام والحكومات ولكل المسؤولين عن أموال المسلمين عند الله تعالى لكي ينجحوا في مهمتهم هذه.

حيث يقول سماحته دام ظله:

(وكما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه العمل بسنّة رسول الله وسيرته صلى الله عليه وآله، وهكذا سيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، التي هي سيرة الرسول صلى الله عليه وآله. وأسأل الله تعالى أن نرى ذلك في المستقبل، في بلاد الإسلام وبالنسبة للمسلمين ولكل من يعيشون في بلاد الإسلام، من مسلمين وغير مسلمين). 

خلاصة القول، إن جميع الحكام المسلمين وحكوماتهم مدعوّة إلى السير بسيرة الرسول صلى الله عليه وآله، وسيرة الإمام علي عليه السلام، وعموم التجارب الناجحة في هذا المجال، ويتخذوا منها نموذجا لهم في قضية التعاطي مع الأموال العامة، وحفظها ووضعها في مكانها الصحيح، واستثمارها بالشكل الشرعي والقانوني الذي يضمن للمسلمين وغير المسلمين حياة كريمة لا يعانون فيها من الفقر ولا المرض ولا العوز بكل أشكاله.

اضف تعليق