نحاول في اغلب الأوقات الى تغافل الحقيقة او التغاضي عنها منعا من الوقوع في الاحراج او محاسبة النفس عما وصلت اليه الأوضاع في شهر الله الفضيل الذي تحول وبفعل مقصود من شهر للخير والغفران الى شهر للترويج والإعلان عن مختلف البضائع والسلع التي تخدم وتضر المواطن بصورة عامة، عبر الاعمال الفنية والبرامج التلفزيونية.

بمجرد الانتهاء من أجواء شهر رمضان المبارك تبدأ عجلة رحلة الإنتاج الفني بالدوران، فالمنتجين وأصحاب الشأن بمختلف المجالات عندما يبيعون سلعهم على المشاهدين والتي غالبا ما تكون رديئة لا تصلح للتعرض البشري، والبناء المعرفي الذي يسعى للنهوض في الواقع المجتمعي، يبحثون عن مواد أولية لاستمرارية العملية الصناعية بصورة دورية.

والسؤال الأهم الذي يطرح في الآن هو، لماذا تُكثف الجهود من الجهات الفنية والإنتاجية وأصحاب رؤوس الأموال على تقديم الاعمال الدرامية والبرامج الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في شهر رمضان؟، ولماذا أيضا يعتبر شهر رمضان بيئة مناسبة لتوظيف الإعلان بعيدا عن تعزيز الجوانب الارشادية والإصلاحية التي تبني المجتمع وتدعم قواعده، فضلا عن البحث عن نقاط الخلل وتقويمها؟

يصعب عليك في شهر رمضان تحديدا متابعة برنامج او مسلسل بغض النظر عن مضمونه، اذ تزاحمك المواد الإعلانية وتُضيع عليك الفكرة الرئيسية وأهدافها المختلفة، أصبح الإعلان يحتل أهمية قصوى أكثر من المواد الإعلامية الأخرى التي يراد منها التثقيف والاخبار والتعليم وغير ذلك من الوظائف الإعلامية المعروفة.

ويعود ذلك التركيز على الجانب الإعلاني نتيجة للمردود المالي الكبير الذي تجنيه تلك الوسائل جراء المتابعات والمشاهدات المرتفعة على البرامج ذات المضمون الجيد وغيرها التي تتصف بالسطحية وعدم سبر اغوار القضايا المجتمعية النافعة، التي تحييد الافراد وترشدهم الى سلوك الطريق السليم بعيدا عن الشبهات والاختلالات المصاحبة للسلوك الإنساني الفطري.

لقد اعتادت القنوات التلفزيونية ان تجمع قواها المادية والبشرية لطرح أفضل ما لديها في الساحة خلال الشهر الكريم، ولم نجد نفس الاهتمام بالجوانب التي تهذب النفوس وتبني الذات المتهالكة، وغاب عنها الاهتمام في الأمور الدينية والتركيز على الجوانب الدنيوية التي تذهب وتتلاشى بمرور الوقت ولا تأخذ حيزها في التأثير الا بنسبة يسيرة.

ويحتل الإعلان درجة عالية من الاهتمام، في اغلب الدول ذات النشاط التجاري الكبير، ففي الدول الصناعية تجد الإعلان يأخذ مساحة في الطرقات العامة ودور العرض السينمائية، شريطة الاحتفاظ بمكانة المادة الاصلية، التي تهدف لتقديم المضامين البناءة والرامية لبناء الكيان البشري والذهاب فيه الى بر الأمان.

لا نقل ان تكثيف البرامج في شهر رمضان حالة صحية، لكن في ظل الأوضاع الجديدة والتحولات الإعلامية يمكن ان نتعايش معها والاستفادة منها في التنشئة الاجتماعية الصحيحة، لكن ما حصل في الواقع هو مغاير تماما للأشياء المفترض حصولها من قبل الأطراف الراعية للإعلام والمتحكمة في طرق الإنتاج.

ولكي نقطع الطريق امام الجهات التي تريد الاستمرار بتحويل مضامين شهر رمضان الى أخرى بعيدة عن المضامين الناصعة التي وجد من اجلها الشهر الكريم، يفترض ان تكون مراجعة دقيقة للآليات والطرق المتبعة بعيدا عن التوجهات الشخصية المحرفة للأهداف السامية التي تضطلع فيها المؤسسات الإعلامية.

الإعلان من السلع الرائجة في شهر رمضان وقد يكون من حق الشركات الإنتاجية ان تعوض جزء من تكاليف انتاجها سواء في الجانب الإعلامي او انتاج السلع والخدمات، ويدخل ذلك في مضمار التسابق التجاري المحموم في عالم الأسواق المحلية والإقليمية، ولا يوجد في ذلك مشكلة معينة.

لكن المشكلة في تجاوز مضامين هذه الإعلانات والبرامج بمجملها القيود المجتمعية والضوابط الأخلاقية التي تحاول ضبط المجتمع وتسعى الى تنقيته من الشوائب، فضلا عن منع الهجمات الفكرية التي تعصف بين الحين والآخر، اذ لا يمكن صد تلك الرياح العاتية من الأفكار المنحرفة التي تريد تضليل المجتمعات وحرفها عن مسارها الموروث من القيم.

الاكتفاء بالبرامج التلفزيونية وحدها لا يعتبر حالة صحية، كون ذلك يعرض الجهات المنتجة الى ضرر ملموس وقد يدفع بها الى العزوف عن الإنتاج المكثف وبالنتيجة يحصل خلل ونقص في المواد الموجهة للجمهور، وكذلك لا يصح الاكثار من الأفلام الإعلانية بما يطغي على الصبغة البرامجية الرمضانية، فلا بد من وجود حد فاصل بين الكفتين ومراعاة مكانة الشهر الفضيل الذي يحظى بمزيات تفضله على غيره.

اضف تعليق