تعد منظمات المجتمع المدني وبحق حلقة الوصل بين المجتمع السياسي والمجتمع الإنساني، وتمثل منظماته التطوعية المعبر الحقيقي عن الإرادة الحرة في المشاركة الإيجابية التطوعية، فليس بمقدور الفرد بالغالب التعبير عن رأيه وإحداث التغيير المنشود بسلوكه فتربو عيناه إلى العمل الجمعي أو الجماعي أو المؤسساتي الذي يقدر على إحداث الفرق عبر الدراسات التي تقوم بها والمبادرات التي تسوقها والتي من شأنها إن تحدث تغييراً ولو صغيراً، بيد انه عبر التراكم يمكن إن يتحول إلى موجة كبيرة قادرة على التغيير المنظم.

فالمجتمع المدني تعبير يراد منه الإشارة إلى مجموعة كبيرة من العلاقات بين المكونات التي تتنوع بين الأفراد بحد ذاتهم والكيانات المتنوعة التي تتدرج حسب أهدافها بين النقابات والأحزاب والمنظمات غير الحكومية، وغيرها من التكوينات التطوعية العاملة بصورة تتميز بالاستمرار والهادفة لتحقيق المصلحة العامة من جوانبها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، بعبارة أخرى فان المجتمع المدني يقوم بالدرجة الأساس على مجموعة من التنظيمات التي تعمل بشكل تطوعي وتهدف إلى تحقيق المصلحة العامة بملء الفراغ بين الفرد والأسرة من جهة والدولة ومؤسساتها من جهة أخرى، وفق معايير إنسانية وقانونية مصاغة على شكل قواعد قانونية تنظيمية سواء أصدرت عن المؤسسات العامة في الدولة أو تبنتها تلك الكيانات بشكل أنظمة داخلية أو ما شاكل.

ونشير فيما يلي إلى أهم مكونات المجتمع المدني:

أولاً: الفرد:

لابد إن سعادة الفرد هي غاية المجمع فلم تتأسس المجتمعات من الأزل إلا لتلاقي مصالح الأفراد لذا تنازل بعضهم عن جملة من الحقوق والحريات لأجل الكيان الاجتماعي الذي بات يمثل مصلحة المجموع، وقد أشارت ديباجة الدستور العراقي النافذ لعام 2005 إلى ما تقدم ولو بعبارات غير مباشرة فقد ورد فيها "نحن أبناء وادي الرافدين... عرفاناً منا بحق الله علينا وتلبية لنداء وطننا ومواطنينا....فسعينا يداً بيد وكتفاً بكتف لنصنع عراقناً الجديد".

ثانياً: النقابات:

وهي عبارة عن كيان قانوني يضم بين جنباته العديد من الأفراد ممن يزاولون مهنة أو عمل معين، والغاية من تأسيس هذه الشخصية المعنوية لتمثيل هؤلاء والدفاع عن مصالحهم، لذا تنحصر وظيفة النقابة في الدفاع عن الأفراد المنضمين وعن المصلحة العامة لجميع الأعضاء وما تقدم لا يمنع من إن تكون للنقابة هيئة تديرها وتعبر عن إرادتها ويمكن لها ان تكون محور مهم في التغيير الديمقراطي بالتصدي للمسائل ذات الاهتمام المشترك، والعمل على حث الأعضاء على التصدي للهم العام، وقد أشار المشرع العراقي إلى بعض ما تقدم في قانون نقابة المعلمين رقم (7) لسنة 1989 المعدل في المادة الثانية بالقول "النقابة منظمة مهنية جماهيرية ذات نفع عام لها تملك الأموال المنقولة والعقار والقيام بجميع التصرفات القانونية لتحقيق أهدافها المنصوص عليها في هذا القانون ويمثلها نقيب المعلمين أو من يخوله".

ثالثاً: الأحزاب السياسية:

وهي الأخرى عبارة عن كيان قانوني يضم مجموعة من الأفراد ممن يتقاسمون الأفكار ذاتها ويتفقون على مشروع معين وهدف سياسي مشترك يتمثل في السعي إلى الوصول إلى مقاليد السلطة أو التأثير فيها بصورة ديمقراطية وسلمية، لذا تمثل الأحزاب الحرة البوابة الحقيقية للتأثير في الشأن العام والكيانات القادرة على التغيير وقيادة الجماهير، يذكر إن المشرع العراقي عرف الحزب في قانون الأحزاب رقم (36) لسنة 2015 في المدة الثانية بأنه "الحزب أو التنظيم السياسي: هو مجموعة من المواطنين منضمة تحت أي مسمى على أساس مبادئ وأهداف ورؤى مشتركة تسعى للوصول إلى السلطة لتحقيق أهدافها بطرق ديمقراطية بما لا يتعارض مع إحكام الدستور و القوانين النافذة".

رابعاً: الجمعيات:

وفضلنا عبارة الجمعية للإشارة إلى بقية الهياكل المساهمة في تكوين المجتمع المدني كالمنظمات غير الحكومية، والنوادي، والجمعيات التعاونية أو الاستهلاكية، والروابط المهنية، وغيرها كثير وبالغالب تطلق عبارة الجمعية للإشارة إلى مجموعة من الأشخاص ممن تجمعهم أهداف ومصلحة مشتركة يسعون إلى صيانتها عبر العمل التطوعي بالغالب الهادف إلى تحقيق مصلحة الجماعة أو المجتمع ككل، لذا تصنف بعض هذه الجمعيات على أنها من ((ذوات النفع العام)) وبالتالي يكون لها وضع قانوني خاص وهو ما أشار إليه المشرع العراقي في قانون المنظمات غير الحكومية رقم (12) لسنة 2010 بالمادة (1) إذ انتهى إلى أن تعريف المنظمة بأنها "المنظمة غير الحكومية هي مجموعة من الأشخاص الطبيعية أو المعنوية سجلت واكتسبت الشخصية المعنوية وفقاً لأحكام هذا القانون، تسعى لتحقيق أغراض غير ربحية" كما أشار المشرع إلى المنظمة التي تكتسب صفة النفع العام ونظم أحكامها بالمادة الـ(17) "أولاً: تعفى المنظمة ذات النفع العام من ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة والتعريفات والرسوم الكمركية وضرائب المبيعات.

ثانياً: يشترط في المنظمة ذات النفع العام أن تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة.

ثالثاً: يمنح صفة النفع العام إلى المنظمة وتسحب منها بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح من الأمين العام لمجلس الوزراء".

لما تقدم يمكن لهذا التشكيلات المتعددة إن تصنع الفارق وتحقق غايات المجتمع المدني بالتأكيد المشترك على المبادئ التي يقوم عليها المجتمع المدني والتي تتمثل في:

1- القيم الديمقراطية:

القيم المنوه عنها مجموعة من القواعد السلوكية التي تنم عن الإيمان بالحياة المشتركة والمصالح المتشابكة، واحترام الأخر، فلا يمكن للمجتمع المدني إن ينتعش خارج إطار الحكم الديمقراطي فهنالك صلة وعلاقة طرديه بين القيم الديمقراطية والمجتمع المدني الحقيقي فكلما كانت الفئات المكونة للمنظمات والنقابات والأحزاب تؤمن بالديمقراطية كلما اقتربنا من الحكم الرشيد والعكس بالعكس أيضاً، أضف لذلك إن تطبيق قواعد الديمقراطية داخل المؤسسات المكونة للمجتمع المدني يقود إلى تكريس الحكم الديمقراطي، وقد أشار الدستور العراقي النافذ (لسنة/ 2005) إلى ما تقدم في المادة (5) بالنص على أنه "السيادة للقانون والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر، وعبر مؤسساته الدستورية".

2- القيم المدنية:

لابد لأي مجتمع حتى ينتقل من حالة عدم التنظيم إلى الحالة المثالية أن يؤمن أفراده والهيئات المؤثرة فيه بالحالة المدنية أي بالابتعاد كل البعد عن العسكرة أو الأساليب غير الديمقراطية للوصول أو التأثير في الشأن العام لذا أقر الدستور العراقي للعام 2005 هذا المبدأ في المادة (6) التي تنص على أنه "يتم تداول السلطة سلمياً عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور".

3- قيم المواطنة:

إذ من الثابت إن المبادئ السامية التي تقوم عليها المواطنة الإيجابية من شأنها إن تنهض بالمجتمع المدني وتأخذ بيده إلى تحقيق الغايات وبلوغ الأهداف ولا يتحقق ما تقدم ما لم يكن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات لاسيما السياسية منها التي تعد الحقوق المؤثرة وبحق في حركة الدولة والمجتمع المدني فلا يمكن القول إلا بالتأثير المتبادل بينهما فالدولة تمثل الإطار الذي من خلاله تعمل مؤسسات المجتمع المدني، ويمثل الأخير بمؤسساته ركن القيم التي من شأنها إن تصون المصلحة العامة، والى هذا المعنى أشار الدستور العراقي في المادة (20) بأنه "للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح".

وللوصول إلى زبده الكلام في مقالنا هذا نشير إلى أهم الأسس التي من شأنها ان تحفظ لمؤسسات المجتمع المدني دورها المنشود وتسهم في تمكينها من تحقيق غاياتها ألا وهي الاستقلالية فلابد ان تتمتع تشكيلات المجتمع المدني بالاستقلالية والتي تظهر من حيث الآتي:

أ‌- الاستقلالية المالية:

إذ يفترض بمؤسسات المجتمع المدني ان تنأى بنفسها عن التمويل الحكومي وتعتمد على التمويل الذاتي والتطوعي بالدرجة الأساس، فالتمويل الحكومي ولا شك سيكون مدخلاً سلبياً يقود لأحد الاحتمالين (إما الهيمنة السياسية للحاكم على المؤسسات وسيرها في فلك السلطة الحاكمة، أو الجشع الذي يقود أفراد من المؤسسات إلى انتهاج السبل غير الديمقراطية للوصول إلى السلطة بغية الانتفاع بشكل غير مشروع على حساب المال العام) وقد أشار المشرع العراقي في قانون المنظمات غير الحكومية رقم (12) لسنة 2010 إلى ما تقدم في المادة (13) والتي تنص على أنه "تتكون موارد المنظمة مما يأتي:

أولاً: اشتراكات الأعضاء.

ثانياً: التبرعات والمنح والوصايا والهبات والهدايا الداخلية والخارجية.

ثالثاً: العوائد الناتجة من نشاطات المنظمة ومشاريعها".

والأمر ذاته نلاحظه في قانون نقابة المعلمين الذي حدد إيرادات النقابة فيما يلي بالمادة (18) التي قررت إن "تتكون مالية النقابة من الموارد الآتية:

1- بدل الانتساب.

2- بدل الاشتراك السنوي.

3- أرباح الكتب والنشرات وغيرها من المطبوعات التي تصدرها النقابة.

4- ريع الحفلات والنشاطات التي تقيمها النقابة.

5- بدلات إيجار المرافق السياحية والاجتماعية والعقارات الأخرى العائدة للنقابة.

6- المنح والهبات والتبرعات والإعانات التي تقرر النقابة قبولها وفق القانون"

ب‌- الاستقلالية التنظيمية:

إذ ينبغي ان تعيش مؤسسات المجتمع المدني بحالة من الاستقلال عن الهيئات العامة التابعة للدولة وان تتخذ الأخيرة جانب الحياد بعدم التدخل في الشأن الخاص بالمؤسسات المدنية، وهذا ما يؤخذ على المشرع العراقي الذي سلب المؤسسات الاستقلال التنظيمي إذ ورد في قانون المنظمات غير الحكومية في المادة (9) بأنه "تقوم الدائرة بفتح سجل خاص للمنظمات غير الحكومية وشبكات المنظمات غير الحكومية وفروع المنظمات غير الحكومية المسجلة لديها يتضمن اسم المنظمة أو الشبكة أو الفرع ومجال نشاطها وعنوانها الكامل وأية إجراءات اتخذت في شأنها أو عقوبات فرضت عليها".

كما أخضع المشرع هذه المنظمات لرقابة مشددة من دائرة المنظمات غير الحكومية التابعة للأمانة العامة لمجلس الوزراء التي تملك منح المنظمة شهادة التأسيس بموجب المادة الخامسة من القانون وتملك مراقبة نشاط المنظمة بموجب المادة الـ(عشرون) بل تملك إن تفرض عليها الجزاءات بموجب المادة الثالثة والعشرين ما يحتم علينا التوصية إلى المشرع العراقي بضرورة إعادة النظر بالقانون المذكور وتمكين هذه المنظمات من نيل الاستقلال التام عن الحكومة العراقية لتكون أحد أدوات الرقابة على أداء الحكومة.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org

[email protected]

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق