تأتي أهميةُ الوعي الإعلاميِّ لدى المواطنين كفلترٍ لتنقيةِ ما يصلُ إلى المتلقي من أخبارٍ ملوثةٍ غيرِ قابلةٍ للهضمِ. إنَّ الحفاظَ على الاستقرارِ النفسيِّ للمجتمعِ لا يقلُّ أهميةً عن الاستقرارِ الأمنيِّ؛ فالإشاعاتُ قادرةٌ على إرباكِ المواطنين بمخاوفَ قد لا تكون واقعيةً، بينما الحقائقُ وحدَها هي التي يجبُ أن تُشكلَ الرأيَ العام...
في الحروب والأزمات السياسية تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة مزدحمة بالأخبار العاجلة والتحليلات والتوقعات، لكن جزءاً كبيراً مما يُنشر فيها لا يستند إلى مصادر موثوقة، بل يعتمد على الشائعات أو الأخبار المضللة، وغالباً ما تتناول هذه الأخبار احتمالات توسع الحروب أو التنبؤ بقضايا خطيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي الأمر الذي يثير القلق والخوف لدى المواطنين، رغم أن الواقع السياسي قد يكون مختلفاً إلى حد كبير.
تكمن المشكلة الأساسية في أن سرعة انتشار الأخبار على مواقع التواصل تفوق بكثير قدرة الجهات الرسمية أو المؤسسات الإعلامية على التحقق منها، فبضغطة زر يمكن لأي شخص نشر معلومة غير دقيقة أو حتى مفبركة، لتصل خلال دقائق إلى آلاف المتابعين، الذين يعيدون نشرها بدافع الخوف أو الفضول دون التحقق من صحتها، وهكذا تتحول الإشاعة أو الأخبار غير الدقيقة إلى ما يشبه الحقيقة في نظر الكثيرين.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتعلق الأخبار بالحروب أو النزاعات العسكرية، فالمجتمع بطبيعته يتأثر بسرعة بأي خبر يوحي بوجود خطر مباشر، مثل الحديث عن توسع الحرب في المنطقة أو احتمال دخول دول جديدة في الصراع، وفي كثير من الأحيان يتم تداول خرائط أو مقاطع فيديو قديمة أو غير مرتبطة بالحدث، ويتم تقديمها على أنها تطورات جديدة، ما يؤدي إلى تضخيم القلق الشعبي.
لكن قراءة الواقع السياسي بهدوء تكشف أن العراق، رغم موقعه الجغرافي الحساس، يتمتع اليوم بعلاقات متوازنة مع معظم دول الجوار، وخلال السنوات الأخيرة سعت الحكومات العراقية المتعاقبة إلى تبني سياسة تقوم على الانفتاح والتوازن الدبلوماسي، بما يضمن عدم انجرار البلاد إلى صراعات إقليمية. وقد انعكس ذلك في التعاون الاقتصادي والأمني مع العديد من الدول المحيطة، إضافة إلى وجود مصالح مشتركة تجعل الاستقرار خياراً مفضلاً للجميع، مع ذلك هذا لا يعني أن المنطقة خالية من التوترات، لكن من المهم التمييز بين التوتر السياسي الطبيعي وبين التهويل الإعلامي الذي تصنعه بعض الحسابات على الإنترنت.
فالكثير من الأخبار التي تنتشر أثناء الأزمات تكون مبنية على توقعات أو تحليلات شخصية، وليست معلومات مؤكدة من مصادر رسمية، لذا تأتي أهمية الوعي الإعلامي لدى المواطنين، كفلتر لتنقية ما يصل إلى المتلقي من أخبار ملوثة غير قابلة للهضم، أو تتسبب بنوع من القلق الجماهيري العام حيث سماعها. معظم الأشخاص الذين يقومون بمشاركة أو إعادة نشر الأخبار الخاصة عن الأحداث الدولية أو المحلية، لا يقومون بالتأكد من مصادر المعلومات، والاكتفاء بنسخها من بعض الصفحات الوهمية أو التي لا تتسم بالحيادية أو الدقة في نقل المعلومة، وفي مثل هذه الحالة يسهم هذا الشخص دون قصد في توسيع دائرة الإشاعة وزيادة حالة القلق في المجتمع.
ولهذا ينصح الخبراء الإعلاميون بعدم التعامل مع الأخبار المتداولة في مواقع التواصل على أنها حقائق مؤكدة، إذ يجب التأكد من مصدرها أولاً، ومقارنتها بما تنشره المؤسسات الإعلامية المعروفة أو البيانات الرسمية، كما يُفضل تجنب نشر الأخبار المثيرة أو العناوين التي تعتمد على التخويف قبل التأكد من صحتها. الحفاظ على الاستقرار النفسي للمجتمع لا يقل أهمية عن الاستقرار الأمني، فالإشاعات قادرة على إرباك المواطنين وإشغالهم بمخاوف قد لا تكون واقعية، بينما يساعد التعامل الواعي مع الأخبار على خلق بيئة أكثر هدوءاً وثقة، وبذلك يمكن القول إنه كلما كان المواطن أكثر حرصاً على التحقق من المعلومات، تراجعت قدرة الشائعات على الانتشار، وبقيت الحقائق وحدها هي التي تشكل الرأي العام.



اضف تعليق