هل كُتب النص من موقع الضرورة الداخلية، أم من رغبة عابرة في الاعتراف؟ في الإجابة عن هذا السؤال، تبدأ القيمة، وهناك فقط يمكن للنص أن يدافع عن نفسه دون أن ينطق. ووفق هذه الرؤية يمكن أن نحاور النصوص التي توصف بأنها ذات حضور جماهيري أو ما يمكن تسميتها (بالشعبوية) على سبيل القياس...

كل نص يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المقبولية لدى جمهور المتلقين، وهذا ما يعكس: أولا قيمة الخطاب الذي يحمله وفاعليته، وثانيا قيمته البنائية فنيا وجماليا، ولكن ثمة إشكالية تواجهنا هنا تتمثل في من يحدد قيمة هذا النص، هل هو الرأي النخبوي الذي يستند على خزين معرفي وحس ذوقي ممرن، أم هو ما يشغله من مساحة في التفاعل الجماهيري.

ويبدو أن حصر القيمة في أحد الطرفين يمكن أن يفضي إلى قراءة مبتورة للنص؛ باعتبار أن النص الأدبي - في جوهره - كائن حيّ، لا يكتمل إلا بعلاقته بالآخرين. فالرأي النخبوي، على ما يمتلكه من أدوات تحليل ومعرفة بالسياقات والأساليب، قد يقع أحياناً في فخ التعالي الجمالي، فيغلق النص داخل دائرة ضيقة من التأويلات الأكاديمية، ويصادر حقه في أن يكون مفهوماً، أو محسوساً، أو قريباً من الوجدان العام. في المقابل، قد يمنح التفاعل الجماهيري النص شرعية الانتشار والحياة، لكنه لا يضمن بالضرورة عمقه أو استدامته، إذ كثيراً ما تحكمه ذائقة آنية، أو انفعالات سريعة، أو سياقات اجتماعية عابرة.

من هنا، لا تبدو المسألة صراعاً بين نخبة وجمهور، بقدر ما هي علاقة جدلية بين الوعي والتلقي. فالنخبة تضيء النص، تكشف طبقاته، وتمنحه بعده المعرفي، بينما يمنحه الجمهور نبضه الإنساني، واختباره الحقيقي في الحياة اليومية. النص القيّم هو ذاك القادر على العبور بين هاتين الضفتين دون أن يفقد توازنه: أن يصمد أمام القراءة المتأنية، وأن يلامس في الوقت نفسه حساسية القارئ العادي.

لذلك، يمكن القول إن قيمة النص لا تُمنح بقرار، ولا تُقاس بعدد الإعجابات أو شهادات الإعجاب النقدي وحدها، بل تتشكل تدريجيّاً عبر الزمن، حين يثبت النص قدرته على إعادة إنتاج نفسه في قراءات مختلفة، وأزمنة متباينة، ووعي متحوّل. النص العظيم لا يخشى الجمهور، ولا يستجدي النخبة، إنه يقترح نفسه بهدوء، ويترك للزمن مهمة الفصل.

ويمكن أن نمثل للنص الجماهيري بنصوص نزار قباني وأحمد مطر وسعاد الصباح وغيرهم ممن جعلوا بساطة المفردة سمة أسلوبية في نصوصهم، بغض النظر عن كون الأخيرين هما صورة باهتة لنزار- بحسب وجهة نظري- مع اختلاف المواضيع.

يقول نزار: "إنني أكتبُ لأي (إنسان) مثلي يشترك معي في الإنسانية، وتوجد بين خلايا عقله، خلية تهتزُّ للعاطفة الصافية، وللواحات المزروعة وراء مدى الظن.. أريد أن يكون الفنّ ملكاً لكل الناس كالهواء، وكالماء، يجب أن لا يُحرم منها أحد. 

إذن، يجبُ أن نعممَ الفنّ، وأن نجعله بعيدَ الشمول. ومتى كان لنا ذلك استطعنا أن نجلب الجماهير المتهالكة على الشوك، والطين، والمادة الفارغة، إلى عالم أسوارهُ النجوم، وأرضه مفروشة بالبريق. وفي سبيل هذه الفلسفة، فلسفة الغناء العفويّ، حاولت فيما كتبتُ أن أردَّ قلبي إلا طفولته، وأتخير ألفاظاً مبسطة، مهموسة الرنين، وأختار من أوزان الشعر ألطفها على الأذن".

لقد حدد نزار قباني كما يبدو جمهوره، وأختار له المفردة التي تفهمها كل طبقات المجتمع، واستطاع أن يكون الشاعر الأكثر جماهيرية على امتداد مساحة الناطقين بالضاد. بينما يبزغ بدر شاكر السياب كعلامة فارقة في الدرس النقدي النخبوي.

وعلى ضوء ما تقدم هل يمكن أن نعيد صياغة السؤال وفق رؤية أخرى لنقول: من الذي يحدد قيمة النص؟ بل: هل يمتلك النص ما يكفي من الصدق والجمال والعمق ليبقى حاضراً، مهما اختلفت الأصوات من حوله؟

حين نعيد صياغة السؤال على هذا النحو، فإننا نحرّر النص من سلطة الحكم الفوري، ونضعه في مواجهة اختباره الأصعب: اختبار البقاء. فالنص الذي يمتلك صدقه الخاص لا يحتاج إلى وصاية، لأنه لا يكتب ليُرضي، بل ليقول ما يجب قوله. والصدق هنا لا يعني التطابق مع الواقع، بل الإخلاص للتجربة، والانسجام بين ما يُقال وكيف يُقال. أما الجمال، فليس زينة لغوية عابرة، بل قدرة النص على خلق دهشة، أو إيقاظ إحساس، أو فتح نافذة جديدة في وعي القارئ.

والعمق، في هذا السياق، هو ما يمنح النص قابلية التأويل المتجدد. النص العميق لا يُستهلك في قراءة واحدة، ولا يُستنفد مع أول موجة تفاعل، بل يعود في كل مرة بمعنى مختلف، كأنه يعرف كيف يشيخ دون أن يفقد ملامحه. هنا يصبح اختلاف الأصوات المحيطة به علامة صحة لا عيباً، لأن النص الهش فقط هو من يحتاج إلى إجماع يحميه.

بهذا المعنى، لا تعود النخبة ولا الجمهور حَكَماً نهائيّاً، بل شهوداً على رحلة النص عبر الزمن. قد يخطئ هؤلاء أو أولئك في لحظة ما، لكن الزمن وحده يملك حسّاً بارداً، غير متعجل، يفرز ما كُتب ليبقى عما كُتب ليُنسى. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بالضجيج، ولا بالصمت، بل بالقدرة على الحضور المستمر في الذاكرة والوجدان.

وهكذا يتحول السؤال من بحث عن سلطة التقييم إلى تأمل في جوهر الكتابة نفسها: هل كُتب النص من موقع الضرورة الداخلية، أم من رغبة عابرة في الاعتراف؟ في الإجابة عن هذا السؤال، تبدأ القيمة، وهناك فقط يمكن للنص أن يدافع عن نفسه دون أن ينطق.

ووفق هذه الرؤية يمكن أن نحاور النصوص التي توصف بأنها ذات حضور جماهيري أو ما يمكن تسميتها (بالشعبوية) على سبيل القياس، والنصوص التي توصف بالنخبوية. ليس لتحديد قيمة النصوص بل لكشف قدرتها على التجدد وتوليد المعاني وإبهار المتلقي جماليّاً.

اضف تعليق