يناقش المقال كيف تستخدم الإمبراطوريات الكبرى "وصمة الجنون" كسلاح نفسي وإعلامي لتبرير حروبها ضد خصومها، من خلال تصويرهم ككائنات مهووسة وخطرة على "العالم الحرّ". ويستعرض أمثلة متعددة مثل صدام حسين، القذافي، بوتين، إيران والصين، حيث تم تبرير التدخلات والحروب ضدهم بادعاءات الجنون أو الهوس العدواني...
ثمة سردية تلوح كخيط خفي يربط بين كل الحروب التي تخوضها إمبراطوريات العصر: خصومها ليسوا خصوماً سياسيين فحسب، بل يُصوَّرون ككائنات منفلتة من عقال العقل. خصوم محكومون بهوس غامض، مدفوعون إلى العدوان لا بدافع مصالح أو سياسات أو صراعات على الثروات، بل بدافع جنون مفترض يجعلهم خطراً على “العالم الحرّ”.
في كل مرة يُقرَع فيها طبل الحرب، تنطلق أبواق الإعلام لتنسج حول الخصم أسطورة جديدة: نظام متهوّر يريد إشعال حرب نووية، أو زعيم مختلّ يتعطش لسفك الدماء، أو جماعة تحمل كراهية فطرية في عروقها. هذه “وصمة الجنون” ليست مجرد وصف عابر، بل أداة ضرورية لتبرير كل صاروخ يُطلق، وكل حصار يُفرض، وكل اقتصاد يُدمَّر تحت لافتة “الدفاع عن الحرية.”
هكذا صُوِّر صدام حسين، لا كحاكم مستبدّ فقط، بل كطاغية خارج عن المنطق، يُقال إنه سيسعى لاستخدام أسلحة دمار شامل “في أي لحظة”، فكانت تلك المبررات مدخلًا لغزو العراق، بينما لم يُعثر على أسلحته إلا في تقارير الصحف لا في مخازن الأسلحة.
وفي ليبيا، صار معمّر القذافي شيطاناً منفلتاً، قيل إنه يوزّع الفياغرا على جنوده ليغتصبوا النساء جماعيًا، قبل أن تتحوّل البلاد إلى فوضى لا حدود لها بعد إسقاطه. ولم يتوقف سيل الجنون عند العرب. ففي أوكرانيا، صار فلاديمير بوتين فجأة مختلًا عقلياً يشن حرباً لمجرد كراهيته للحرية، رغم أن السياسة على مرّ التاريخ لا تعرف حربًا تنشأ من فراغ جنون.
حتى الصين، التي استضافت لعقود الشركات الغربية وأصبحت شريكاً اقتصادياً لكبار الأسواق، أُلصق بها خطاب جديد: دولة يحكمها زعيم يتوهم غزو العالم، فيما تُبرَّر عشرات القواعد الأمريكية المحيطة بها بأنها “إجراءات دفاعية.”
وهكذا إيران، لا تُمنح أبداً في الخطاب الغربي حق أن تكون خصماً سياسياً يحكمه حساب الردع والمصالح، بل يجري تصويرها دوماً وكأنها نظام عقائدي متعطش لحيازة سلاح نووي بهدف تدمير العالم بدافع “هوس شيعي”، لا لأسباب استراتيجية أو دفاعية.
الخيط الذي يربط بين هؤلاء جميعاً، هو كونهم خصوماً للهيمنة الأمريكية أو شركاء محتملين في تغيير موازين القوة. ومن هنا تأتي “وصمة الجنون”: لتجعل من كل خصومة سياسية أو اقتصادية حالة مرضية، وتحوّل أي نزاع مع واشنطن إلى صراع بين العقل واللاعقل، بين “الحرية” و”الهوس العدواني.”
الخطير في هذه السردية ليس فقط أنها تُشرعن الحروب، بل إنها تخنق أي محاولة للسؤال أو الشك. من يتساءل: لماذا تحاصر واشنطن إيران منذ عقود؟ أو لماذا تنتشر قواعدها حول الصين؟ أو لماذا تتواصل العقوبات التي أحرقت شعب سوريا وأتلفت اقتصاد فنزويلا؟ يصبح بدوره موصوماً بالجنون أو بالتآمر أو بمعاداة الديمقراطية. وكأن ثمة حظراً على مجرد التفكير خارج النسق المرسوم.
إن الإمبراطوريات التي تخشى خسارة هيمنتها تجد في “وصمة الجنون” سلاحاً نفسياً قوياً، لأنها تُخفي مصالحها خلف قناع الفضيلة والعقلانية. وكأن ملايين البشر عبر القارات تحرّكهم نزوات هستيرية، بينما تتحرك القاذفات الأمريكية بدوافع إنسانية نبيلة!
الجنون الحقيقي ليس فيما يُنسب إلى الخصوم، بل في ذلك الإصرار على تكرار الأساطير نفسها، مهما تغيّر الزمان والمكان. لأن كل الحروب تبدأ بكلمة، وكل قصف يبدأ بخبر عاجل عن “زعيم مختلّ” أو “حركة متطرّفة بالفطرة.”
العالم لا يحتاج إلى مزيد من الجنون يُلصق برؤوس الخصوم، بل إلى شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها. لأن من يوصم غيره بالجنون نهاراً، قد يراه في مرآته مساءً.



اضف تعليق