تؤكد الموجة المتصاعدة من القيود القانونية والتشريعية عبر القارات، على اعتراف عالمي متزايد بالخطر الذي تشكله وسائل التواصل الاجتماعي على سلامة وصحة الأطفال. تتركز هذه الجهود التنظيمية على هدفين رئيسيين: حماية القاصرين من أضرار مباشرة مثل التنمر والاحتيال والاستغلال الجنسي والمحتوى الضار، والتصدي للآثار النفسية والسلوكية السلبية مثل اضطراب...

يشهد العالم في الآونة الأخيرة تحولاً جذرياً في فلسفة التعامل الحكومي مع الفضاء الرقمي، حيث انتقلت العديد من الدول من مرحلة التنظيم والرقابة إلى مرحلة الحظر المباشر وتقييد الوصول الفعلي للفئات العمرية الصغيرة. وتتصدر أستراليا هذا المشهد العالمي بوصفها الدولة الرائدة في سن تشريعات صارمة تهدف إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال والمراهقين، وهو توجه بدأ يجد صدى واسعاً في دول أخرى مثل ماليزيا والدنمارك وفرنسا، مدفوعاً بقلق متزايد حول الصحة النفسية والسلامة الرقمية للأجيال الناشئة.

تبدأ ملامح هذا المشهد الجديد من أستراليا، التي قررت اتخاذ خطوة غير مسبوقة ببدء تطبيق قوانين تحظر استخدام من هم دون سن السادسة عشرة لوسائل التواصل الاجتماعي. وقد حددت السلطات الأسترالية تاريخ العاشر من كانون الأول/ديسمبر موعداً لبدء إجبار منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، بما في ذلك فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، على حذف حسابات المستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً، وإلا ستواجه هذه الشركات غرامات مالية باهظة.

 ولضمان تنفيذ هذا القرار، بدأ تطبيق "سنابتشات" في أستراليا بالفعل في التحقق من أعمار مستخدميه المراهقين قبل سريان الحظر الرسمي. وتعتمد الآلية التنفيذية لهذا القانون على إجبار المستخدمين على تحديد أعمارهم لمواصلة استخدام التطبيقات، حيث أتاحت السلطات خيارات متعددة للتحقق تشمل استخدام حساب مصرفي أسترالي، أو بطاقة هوية حكومية، أو تقنية مسح الوجه التي تتيح لطرف ثالث تقدير الفئة العمرية للمستخدم. وفي حال عدم الامتثال، ستكون الشركات عرضة لغرامات تصل إلى 50 مليون دولار أسترالي. ومع ذلك، لا يزال هناك جدل تقني وقانوني حول هذا التوجه، حيث يرى بعض الخبراء أن هذا الحظر، الذي يُعد نظرياً من الأشد في العالم، قد يكون رمزياً فقط بسبب الصعوبات العملية المرتبطة بمراقبة تنفيذ التحقق من الأعمار عبر الإنترنت.

وفي سياق التحديات التي تواجه النموذج الأسترالي، برز خلاف حاد ومعقد بين هيئة الرقابة على الإنترنت في أستراليا ومنصة يوتيوب. فبينما كانت الحكومة تعتزم منح يوتيوب استثناءً من الحظر مستشهدة بفوائده التعليمية والصحية، اعترضت مفوضة السلامة الإلكترونية، جولي إنمان جرانت، بشدة على هذا التوجه، مطالبة بعدم منح أي استثناءات. واستندت المفوضة في اعتراضها إلى أبحاث تنظيمية أظهرت أن 37 بالمئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً قد تعرضوا لمحتوى ضار على يوتيوب، وهي النسبة الأعلى مقارنة ببقية المنصات. وفي المقابل، دافعت يوتيوب عن موقفها عبر مديرة السياسات العامة لأستراليا ونيوزيلندا، راشيل لورد، التي اتهمت المفوضة بتجاهل البيانات وأراء 69 بالمئة من الآباء الذين يعتبرون المنصة مناسبة لمن هم دون 15 عاماً. وقد أدى هذا النزاع إلى حالة من عدم اليقين بشأن القانون الذي تراقبه الحكومات وشركات التكنولوجيا حول العالم.

ولم يقتصر هذا الحراك التشريعي على أستراليا فحسب، بل امتد تأثيره إلى القارة الآسيوية، حيث تعتزم ماليزيا حظر وسائل التواصل الاجتماعي للمستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً بداية من العام المقبل، مستلهمة ذلك من النموذج الأسترالي. وقد صرح وزير الاتصالات الماليزي، فهمي فاضل، بأن الحكومة تراجع الآليات العالمية لحماية صغار السن من أضرار الإنترنت المتمثلة في التنمر، وعمليات الاحتيال المالي، والاستغلال الجنسي للأطفال. ولتعزيز سيطرتها، ألزمت ماليزيا منصات التواصل الاجتماعي وخدمات المراسلة التي يستخدمها أكثر من ثمانية ملايين شخص بالحصول على ترخيص حكومي بموجب قانون دخل حيز التنفيذ في يناير الماضي. ويحظى هذا التوجه بدعم شعبي وسياسي في ماليزيا، حيث أيد عدد كبير من النواب مشروع القانون، كما أظهر استطلاع محلي أن 72 بالمئة من المشاركين يوافقون على تقييد استخدام الأطفال لهذه المنصات.

اوربا ايضا

وعلى الضفة الأخرى في أوروبا، تتسارع الخطى نحو إجراءات مماثلة ولكن بآليات مختلفة. فقد أعلنت الحكومة الدنماركية عن اتفاق يهدف إلى منع الأطفال دون سن 15 عاماً من الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي. وتعد هذه الخطوة واحدة من أكثر المبادرات شمولاً داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تتضمن الخطط استخدام نظام هوية رقمية وطنية للتحقق من العمر. وعلى الرغم من صرامة القرار، إلا أن الدنمارك تركت هامشاً للمرونة يسمح للآباء بمنح أطفالهم إذناً بالوصول إلى المنصات اعتباراً من سن 13 عاماً بعد تقييم محدد. وقد لوحت وزيرة الشؤون الرقمية الدنماركية، كارولين ستايغ، بإمكانية فرض غرامات ضخمة عبر المفوضية الأوروبية تصل إلى 6 بالمئة من الدخل العالمي للشركات التي تفشل في إجراء تحقق فعلي من العمر. وتبرر الدنمارك هذه الإجراءات بأن 94 بالمئة من الأطفال الدنماركيين دون 13 عاماً يمتلكون حساباً واحداً على الأقل، مما يعرضهم لمخاطر العنف وإيذاء النفس واضطرابات النوم.

وفي فرنسا، اتخذ الرئيس إيمانويل ماكرون موقفاً أكثر حدة، مهدداً بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً في فرنسا خلال الأشهر المقبلة إذا لم يحرز الاتحاد الأوروبي تقدماً في هذا الملف. وجاءت تصريحات ماكرون في سياق مشحون بعد حادثة مقتل موظفة في مدرسة ثانوية، حيث ربط بين حظر التواصل الاجتماعي وإجراءات أخرى تشمل حظر بيع السكاكين للقاصرين عبر الإنترنت، مؤكداً أن المنصات قادرة على التحقق من العمر وأنه "لا يطيق الانتظار". وتتزامن هذه التحركات الوطنية مع توجه عام لقادة الاتحاد الأوروبي الذين أيدوا مبدأ تحديد سن للوصول إلى المنصات عند 16 عاماً، مع احترام الصلاحيات الوطنية لكل دولة، بينما تعمل المفوضية الأوروبية على وضع أسس تقنية وتطبيقات للتحقق من العمر لحماية القصر.

وبالتوازي مع المسار التشريعي، برز مسار قضائي في إيطاليا يعكس غضب الأهالي من ممارسات شركات التكنولوجيا. فقد رفعت مجموعة من العائلات الإيطالية دعوى قضائية ضد فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، متهمة إياها بالتقاعس عن تطبيق قيود السن واستخدام ميزات مسببة للإدمان تضر بالصحة النفسية للأطفال. وتسعى هذه الدعوى إلى إلزام المنصات باعتماد أنظمة أقوى للتحقق من السن لمن هم دون 14 عاماً وإزالة الخوارزميات المضللة. ويجادل المدعون بأن هناك أكثر من 3 ملايين حساب في إيطاليا يستخدمها أطفال دون السن القانونية، مما يؤدي إلى مشاكل صحية تشمل اضطرابات الأكل والاكتئاب.

أما بالنسبة لشركات التكنولوجيا، فقد تباينت ردود أفعالها بين الامتثال الحذر والمعارضة المبطنة. فبينما بدأ "سنابتشات" في تطبيق التحقق من العمر، أعرب عن معارضته لإدراجه ضمن الحظر، محذراً من أن فصل المراهقين عن أصدقائهم قد يدفعهم إلى استخدام تطبيقات مراسلة "أقل أماناً وخصوصية". ومن جانبها، رحبت "تيك توك" بالمبادرات الأوروبية مشيرة إلى تطويرها ميزات أمان للمراهقين وأدوات للرقابة الأبوية. أما شركة "ميتا"، فقد دافعت عن نفسها بالقول إنها توفر حماية افتراضية للمراهقين وتدابير لمنع الكذب بشأن الأعمار، لكنها لم تعلق فوراً على القرارات الدنماركية الأخيرة. وتشترك معظم المنصات في الشعور بأن استثناء يوتيوب في أستراليا يمثل خطوة غير منصفة تخل بمبدأ العدالة التنافسية.

المخاطر التي تشكلها شبكات التواصل الاجتماعي على الأطفال

يشير القلق المتزايد على المستوى العالمي والإجراءات الحكومية المتخذة إلى مجموعة من المخاطر التي تشكلها شبكات التواصل الاجتماعي على الأطفال والقاصرين، وتشمل هذه المخاطر الجوانب التالية:

1. الأضرار المتعلقة بالصحة والسلامة النفسية والجسدية 

الأضرار العامة على الصحة والسلامة: تتخذ الدول إجراءات لفرض قيود على وصول القاصرين إلى المنصات الرقمية بسبب مخاوف تتعلق بسلامة الأطفال.

التنمر والاحتيال والاستغلال: أرجع وزير الاتصالات الماليزي قرار بلاده بحظر وسائل التواصل الاجتماعي على من تقل أعمارهم عن 16 عاماً إلى الحاجة لحماية صغار السن من أضرار الإنترنت مثل التنمر، والاحتيال المالي، والاستغلال الجنسي للأطفال.

يتمحور هدف الحظر حول حماية الأطفال من المحتوى الضار حيث كمية العنف وإيذاء النفس التي يتعرض لها الأطفال تمثل خطراً حقيقياً عليهم.

وجدت الأبحاث التي أجرتها هيئة الرقابة على الإنترنت في أستراليا أن 37% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و 15 عاماً أفادوا بمشاهدة محتوى ضار على يوتيوب، وهي أعلى نسبة بين جميع مواقع التواصل الاجتماعي.

مشاكل الصحة النفسية والنمو: 

يعاني الأطفال من اضطراب النوم وفقدان التركيز بسبب الضغط النفسي الناتج عن العلاقات الرقمية.

تُتهم المنصات باستخدام ميزات مسببة للإدمان تضر بالصحة النفسية للأطفال.

تشير الدعاوى القضائية المرفوعة إلى أن استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى مشاكل صحية تشمل اضطرابات الأكل، والحرمان من النوم، والاكتئاب.

مخاوف من تأثير الطبيعة "الإدمانية" لوسائل التواصل على جداول النوم وتعطيل الدراسة والحياة الأسرية.

هناك قلق بشأن تنامي تأثير المصالح التجارية في عالم الأطفال الرقمي المتسارع.

2. مخاطر على الأداء الأكاديمي والتعليم 

الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى ضعف الأداء الأكاديميحيث تؤدي الطبيعة "الإدمانية" لوسائل التواصل الاجتماعي إلى تعطيل الدراسة.

3. التهديدات الناشئة عن الذكاء الاصطناعي وسلطة الشركات 

بالرغم من أن هذه المخاطر لا تخص الأطفال بشكل حصري، إلا أنها تزيد من التحديات الحقوقية والأخلاقية التي تؤثر عليهم:

الذكاء الاصطناعي وتشويه الواقع: وسائل التواصل الاجتماعي المعززة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون "مخادعة للغاية" و "تضلل الآراء" و "تُشوّه الواقع".

استغلال البيانات: تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى بيانات المستخدمين، بما في ذلك الأطفال، "ويعرفون كيف يستغلوننا".

سلطة الشركات: تراكم السلطة الهائلة لدى عدد قليل من عمالقة التكنولوجيا يشكل تحديات حقوقية عالمية، وما لم تُقيَّد سلطة الشركات بالقانون والمعايير الحقوقية الدولية، ستمثل "مشكلة ضخمة".

الابعاد القانونية لحظر شبكات التواصل الاجتماعي

ويمكن تلخيص الأبعاد القانونية لسياسات حظر وتقييد وسائل التواصل الاجتماعي في النقاط التالية:

1. الإطار التشريعي وآليات التنفيذ الإلزامي

تشريع الحظر: انتقلت الدول من التوجيهات إلى سن قوانين ملزمة، كما فعلت أستراليا بإقرار قانون يجبر المنصات على حذف حسابات من هم دون 16 عاماً. وكذلك ماليزيا التي تدرس حظر الاستخدام لمن هم دون 16 عاماً بموجب مقترح حكومي.

إلزامية التحقق من العمر: يفرض القانون على الشركات استخدام آليات محددة للتحقق من هوية وعمر المستخدم، مثل الحسابات المصرفية، بطاقات الهوية الحكومية، أو تقنيات تقدير العمر عبر مسح الوجه.

نظام التراخيص: في ماليزيا، أصبح العمل القانوني للمنصات وخدمات المراسلة مشروطاً بالحصول على ترخيص حكومي بموجب قانون جديد.

2. نظام العقوبات والمسؤولية المالية

الغرامات المغلظة: يتضمن البعد القانوني فرض عقوبات مالية ضخمة لردع الشركات عن المخالفة. في أستراليا، تواجه المنصات المخالفة غرامات تصل إلى 50 مليون دولار أسترالي.

العقوبات عبر الوطنية: لوحت الدنمارك بإمكانية فرض غرامات تصل إلى 6% من الدخل العالمي للشركات عبر المفوضية الأوروبية في حال عدم الالتزام بالتحقق الفعلي من العمر.

عقوبات مالية مباشرة: هدد الرئيس الفرنسي بفرض عقوبات مالية وحظر شامل مشابه لما يُطبق على بيع السكاكين للقاصرين.

3. المسؤولية المدنية والتقاضي (الدعاوى القضائية)

دعاوى الإهمال والضرر: يواجه عمالقة التكنولوجيا دعاوى قضائية (كما في إيطاليا والولايات المتحدة) تتهمهم بالتقاعس عن تطبيق قيود العمر واستخدام ميزات تضر بالصحة النفسية.

المسؤولية عن "الإدمان": تسعى الدعاوى لإلزام الشركات قانونياً بإزالة الخوارزميات المضللة وتوفير شفافية حول الأضرار المحتملة للإفراط في الاستخدام.

دعاوى جماعية: يتم الإعداد لدعاوى جماعية (Class Action) مفتوحة للآباء الذين تضرر أطفالهم.

4. النزاعات التنظيمية ومبدأ المساواة

الاستثناءات القانونية: تبرز إشكاليات قانونية حول "الاستثناءات"، مثل النزاع في أستراليا حول استثناء "يوتيوب" من الحظر، وهو ما اعتبرته منصات أخرى (مثل فيسبوك وتيك توك) غير منصف قانونياً وتجارياً.

سلطة الهيئات الناظمة: تتصادم الشركات مع الهيئات الرقابية (مثل مفوضة السلامة الإلكترونية في أستراليا) التي تمتلك سلطة تقديم توصيات ملزمة للحكومة.

5. السيادة الوطنية مقابل التشريعات الإقليمية

توزيع الصلاحيات: في الاتحاد الأوروبي، تم تأكيد البعد القانوني الذي يوازن بين التوجه العام للاتحاد (تحديد سن 16 عاماً) وبين احترام الصلاحيات التشريعية الوطنية لكل دولة عضو.

سد الثغرات القانونية: تسعى الدول (مثل الدنمارك) لصياغة لوائح قانونية دقيقة لا تتيح أي ثغرة للشركات الكبرى للالتفاف عليها.

6. حقوق الإنسان وسيادة القانون

تقييد السلطة: من منظور حقوقي دولي، يُنظر إلى هذه القوانين كأداة ضرورية لتقييد "السلطة الجامحة" لشركات التكنولوجيا وإخضاعها لسيادة القانون الدولي لمنع الانتهاكات.

الحق في الحقيقة: أشار مفوض حقوق الإنسان إلى أبعاد قانونية تتعلق بـ "الحق في الحقيقة" و"الحق في العلم" في مواجهة التضليل الرقمي

أوليغارشية تكنولوجية

وفي خضم هذا الصراع بين الحكومات والشركات، يرتفع صوت حقوقي دولي يحذر من أبعاد أعمق للأزمة تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فقد أكد المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، أن تراكم السلطة الهائلة لدى عدد قليل من عمالقة التكنولوجيا يشكل تحديات حقوقية عالمية. ووصف تورك هذه الشركات بأنها "أوليغارشية تكنولوجيا غير منتخبة" تمتلك بيانات دقيقة عن حياة البشر وأفكارهم وجيناتهم، وتعرف كيف تستغلهم. 

وحذر تورك بشكل خاص من الجانب المظلم للذكاء الاصطناعي التوليدي وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي المعززة به على الحملات الانتخابية والعمليات الديمقراطية، مشيراً إلى قدرتها على تضليل الآراء وصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية، مما يستنزف الطاقة السياسية اللازمة لمحاربة الاستبداد. وتظهر هذه التحذيرات أن المخاوف العالمية لا تقتصر فقط على سلامة الأطفال، بل تمتد لتشمل القلق من النفوذ السياسي والاجتماعي الهائل الذي باتت تتمتع به هذه المنصات في ظل غياب تنظيم دولي صارم.

في الختام، تؤكد الموجة المتصاعدة من القيود القانونية والتشريعية عبر القارات، على اعتراف عالمي متزايد بالخطر الذي تشكله وسائل التواصل الاجتماعي على سلامة وصحة الأطفال.

تتركز هذه الجهود التنظيمية على هدفين رئيسيين: حماية القاصرين من أضرار مباشرة مثل التنمر والاحتيال والاستغلال الجنسي والمحتوى الضار، والتصدي للآثار النفسية والسلوكية السلبية مثل اضطراب النوم وفقدان التركيز.

ومع ذلك، يظل تنفيذ هذه القيود يواجه تحديات معقدة. فالخبراء قلقون من أن تكون القوانين "رمزية فقط" بسبب صعوبة مراقبة تنفيذ التحقق من الأعمار عبر الإنترنت. كما تواجه هذه الإجراءات معارضة من شركات التي تحذر من أن فصل المراهقين قد يدفعهم إلى تطبيقات مراسلة أقل أماناً وخصوصية.

الأهم من ذلك، يربط القلق الدولي هذه القيود بالمشكلة الأوسع نطاقاً، وهي السلطة الهائلة التي حشدتها حفنة من عمالقة التكنولوجيا. والذكاء الاصطناعي غير المنظم يمكن أن يكون "مخادعاً للغاية" و"يُشوه الواقع" و"يضلل الآراء".

لذا، بات التوجه الحكومي حاسماً، حيث شددت الحكومات على أنها ستُمسك "بمقود القيادة" لحماية مستقبل أطفالها، بعد أن مُنحت شركات التكنولوجيا فرصاً كثيرة لمعالجة المشاكل "دون أن تفعل". وتراقب الحكومات وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم فعالية هذه القيود، في سعي لتحقيق التوازن بين الحماية من المحتوى المؤذي وتفادي "عزل الأطفال عن العالم الرقمي بالكامل".

اضف تعليق