مع أنّ الذكاء الاصطناعي منتشر منذ سنوات وحتى عقود في المجال التكنولوجي وخارجه أيضاً، سلّط إصدار "تشات جي بي تي" في تشرين الثاني/نوفمبر الضوء على ما يسمى بالذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنشاء محتوى أو نص أو رمز أو صورة أو صوت، استناداً إلى البيانات المُتاحة له.

وتشكل "مايكروسوفت" و"غوغل" و"ميتا" و"أمازون بين أبرز اللاعبين في مجال الذكاء الاصطناعي التي تخصص هذه الشركات استثمارات ضخمة له.

وفي نهاية كانون الثاني/يناير، أعلنت شركة "مايكروسوفت" التي تجمعها شراكة بـ"أوبن ايه آي"، مبتكرة "تشات جي بي تي"، أنّها ستستثمر "مليارات عدة من الدولارات"، نحو 10 مليارات بحسب وسائل إعلام أميركية عدة، لتعزيز تعاونها مع الشركة الناشئة.

ورأت وسائل إعلام أميركية عدة أنّ إطلاق "تشات جي بي تي" كان بمثابة خضّة لـ"غوغل" التي صحيح أنها كانت تحوز "لامدا"، إلا أنها انكبّت على العمل لابتكار أداة مشابهة لـ"تشات جي بي تي" في غضون مواعيد نهائية ضيقة.

غوغل تطلق روبوتها المنافس

أعلنت غوغل إطلاق الروبوت "بارد" للمحادثة الخاص بها ضمن مرحلة تجريبية، بعد أشهر قليلة من إطلاق برنامج "تشات جي بي تي" الذي ابتكرته شركة "أوبن ايه آي" الناشئة الأميركية.

وأوضح سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لـ"ألفابت"، الشركة الأم لـ"غوغل"، في بيان، أنّ الروبوت يهدف إلى الجمع بين اتساع نطاق المعرفة في العالم من جهة وقوة برامجنا اللغوية وذكائها وقدرتها على الابتكار من جهة أخرى".

وأشار إلى أنّ البرنامج "سيستند إلى المعلومات الموجودة عبر الانترنت لتوفير إجابات حديثة وذات نوعية عالية". وتختلف طريقة عمل "بارد" هذه عن تلك الخاصة بـ"تشات جي بي تي"، إذ يعتمد الأخير على قاعدة بيانات لجمع معلوماته لا على الانترنت. وسيكون "بارد" تالياً أشبه بمحرك بحث تقليدي كمحرك "غوغل".

ويتمتع روبوت المحادثة الخاص بـ"غوغل" بالقدرة على "شرح أحدث اكتشافات التلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لطفل يبلغ تسع سنوات".

ويستند "بارد" إلى "لامدا" (LaMDA)، وهو برنامج حاسوبي صمّمته "غوغل" لتشغيل روبوتات المحادثة (تشات روبوتس)، وأعلنت مجموعة "ماونتن فيو" إطلاق أول نسخة منه عام 2021.

ومع أنّ الذكاء الاصطناعي منتشر منذ سنوات وحتى عقود في المجال التكنولوجي وخارجه أيضاً، سلّط إصدار "تشات جي بي تي" في تشرين الثاني/نوفمبر الضوء على ما يسمى بالذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنشاء محتوى أو نص أو رمز أو صورة أو صوت، استناداً إلى البيانات المُتاحة له.

وليس "تشات جي بي تي" البرنامج الأول من نوعه، إلا أنّ ما أثار المفاجأة فيه هو جودة الإجابات التي يوفّرها، سواء من خلال كتابة نصوص تتمحور على موضوع معين، أو شرح مسألة معقدة بطريقة مفهومة، أو حتى تأليف قصيدة أو كلمات أغنية.

ومن المتوقع أن تعرض "مايكروسوفت" ما أحرزته من تقدّم في مشاريع عدة، فيما توقّعت وسائل إعلام أميركية أنّ الذكاء الاصطناعي سيكون الموضوع الأبرز وقد يخصّ محرك البحث "بينغ".

وغرّد سانتياغو بومبو من شركة "ثوتسبوت" لتحليل البيانات، عبر تويتر، "إطلاق +بارد+ اليوم، بانتظار برنامج +مايكروسوفت+ غداً، هذا مشابه للسباق إلى الفضاء"، مشيراً إلى "حرب محركات البحث 2,0".

ولفت سوندار بيتشاي إلى أنّ استخدام "بارد" سيقتصر في المرحلة الراهنة على أشخاص "موثوق بهم، قبل إتاحته على نطاق واسع في الأسابيع المقبلة".

وتهدف مرحلة الاختبار خصوصاً إلى "التأكد من أنّ إجابات +بارد+ أصبحت على مستوى عالٍ من الجودة والأمان والتطابق مع المعلومات الفعلية"، بحسب بيتشاي.

وعلى غرار "تشات جي بي تي"، تُبهر روبوتات المحادثة مستخدميها بقدر ما تثير القلق لأنها رغم تجنيبها البشر مهاماً شاقة، تشكل تهديداً لوظائف عدة قد يعيد العاملون فيها النظر بفائدة هذه الأدوات.

ورداً بشكل غير مباشر على الأسئلة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، أكّد سوندار بيتشاي أنّ "غوغل" تعتزم "إنشاء أنظمة تنطوي على موثوقية".

وقال "ملتزمون بتطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة"، مشيراً إلى أن "غوغل" تلجأ إلى منظمات خارجية وهيئات حكومية وخبراء "لجعل أداتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي آمنة ومفيدة".

التركيز على الذكاء الاصطناعي

هذا وكانت شركة ألفابت المالكة لجوجل قد أعلنت سابقا أنها ستلغي نحو 12 ألف وظيفة، وهو ما يعادل ستة بالمئة من قوتها العاملة، مع تعرض قطاع التكنولوجيا لصدمات بسبب تسريح العاملين وتوجه الشركات للاعتماد في مستقبلها على الذكاء الاصطناعي.

وارتفع سهم ألفابت أربعة بالمئة تقريبا في تعاملات ما قبل افتتاح السوق.

يأتي قرار خفض العمالة في لحظة حساسة بالنسبة للشركة الأمريكية، التي كانت لفترة طويلة رائدة في المجالات الرئيسية لأبحاث الذكاء الاصطناعي.

وتواجه ألفابت الآن تحديا من مايكروسوفت في فرع من فروع التكنولوجيا يمكنه، على سبيل المثال، أن ينشئ افتراضيا أي محتوى قد يفكر فيه المستخدم ويكتبه في مربع النص.

وقالت مايكروسوفت هذا الأسبوع إن مخاوف الركود تجبرها على إلغاء عشرة آلاف وظيفة، أي أقل من خمسة بالمئة من قوتها العاملة، وستركز على تعزيز منتجاتها بمزيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي نقطة ذكرها ساندر بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة ألفابت في مذكرة للموظفين.

مايكروسوفت تتحدى غوغل

في الطرف الآخر من مواجهة الذكاء الاصطناعي قالت شركة مايكروسوفت إنها تعكف على تحديث محركها للبحث (بينج) ومتصفح الإنترنت (إيدج ويب) بالذكاء الصناعي، مما يشير إلى طموحها في استعادة الصدارة في أسواق التكنولوجيا الاستهلاكية التي تراجعت فيها.

وتراهن الشركة المصنعة لنظام التشغيل (ويندوز) على مستقبلها بالذكاء الصناعي من خلال استثمارات بمليارات الدولارات بينما ترفع راية التحدي لشركة جوجل التابعة لألفابت، والتي تفوقت على مايكروسوفت لسنوات في تكنولوجيا البحث والتصفح عبر الإنترنت.

والآن، تطرح مايكروسوفت روبوت دردشة ذكي ليكون مصاحبا لنتائج البحث الخاصة بالمحرك (بينج) مما يضع الذكاء الصناعي، الذي يمكنه تلخيص صفحات الإنترنت وتوليف المصادر المتباينة بل وإنشاء رسائل البريد الإلكتروني وترجمتها، تحت تصرف المزيد من المستهلكين.

وتتوقع مايكروسوفت أن تجني ملياري دولار أخريين من عوائد الإعلانات على شبكة البحث بكل نقطة مئوية ترتفع بها أسهمها.

ومن خلال العمل مع شركة (أوبن إيه.آي) الناشئة، تهدف مايكروسوفت إلى تخطي منافستها في وادي السيليكون وربما حصد عوائد هائلة من أدوات تسَرع بشكل عام إنشاء المحتوى وإنجاز المهام آليا، إن لم يكن الوظائف نفسها. وسيؤثر ذلك على المنتجات الخاصة بالأعمال، مثل الحوسبة السحابية وأدوات التعاون، كالبرامج والتطبيقات، التي تبيعها مايكروسوفت، بالإضافة إلى خدمات الإنترنت للمستهلكين.

قال ساتيا ناديلا رئيس مايكروسوفت التنفيذي للصحفيين في إفادة بمقر الشركة في ريدموند بواشنطن “هذه التكنولوجيا ستعيد تشكيل كل فئة من فئات البرمجيات إلى حد بعيد”.

وتبلغ حصة الشركة في سوق البحث عبر الإنترنت حتى الآن نحو عشرة بالمئة. ومع ذلك، يرى العديد من المستثمرين أن التكنولوجيا الجديدة هي مكسب لجميع الأطراف. وأغلق سهم مايكروسوفت مرتفعا 4.2 في المئة يوم الثلاثاء، بينما صعد سهم ألفابت 4.6 في المئة.

وظهرت قوة ما يسمى بالذكاء الصناعي التخليقي، الذي يمكنه إنشاء أي نص أو صورة تقريبا، للجمهور العام الماضي مع إصدار (تشات جي.بي.تي)، وهو برنامج دردشة آلي من (أوبن آي.إيه). وأعطت ردوده الشبيهة بردود البشر على أي حديث أو سؤال الناس طرقا جديدة للتفكير في إمكانيات التسويق أو كتابة أوراق بحثية أو نشر الأخبار أو كيفية الاستعلام عن المعلومات عبر الإنترنت.

ويمكن لروبوت الدردشة في (بينج) إطلاع المستهلكين على الأحداث الجارية، وهي خطوة تتجاوز إجابات (تشات جي.بي.تي) التي تقتصر حاليا على البيانات حتى عام 2021.

وسيؤدي قرار مايكروسوفت بتحديث المتصفح (إيدج) الخاص بها إلى تكثيف المنافسة مع منافسه (كروم) التابع لجوجل. ومع ذلك، تتوقع الشركة التي تتخذ من ريدموند مقرا لها طرح (بينج) المحدث على متصفحات أخرى في نهاية المطاف.

وبالنسبة للربع المنتهي في 31 ديسمبر كانون الأول، أعلنت ألفابت عن تحقيق 42.6 مليار دولار من البحث عبر جوجل وعوائد أخرى، بينما سجلت مايكروسوفت 3.2 مليار دولار من إعلانات البحث والأخبار.

برنامج ينسخ أي صوت بعد الاستماع إليه لـ3 ثواني

وغب سياق متصل كشفت شركة مايكروسوفت الأمريكية عن "فال إي" وهي تكنولوجيا تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وقادرة على نسخ صوت أي شخص بناء على ثلاث ثواني فقط من تسجيلاته الصوتية.

ويعد مصمّمو البرنامج بأنه سيكون "وفياً لأبعد الحدود" لناحية تقليد صوت الشخص.

وخلال العمل على إنتاج البرنامج، اعتمدت مايكروسوفت على نحو 600 ألف ساعة من البيانات الصوتية باللغة الإنجليزية، بحسب ما يذكره الموقع الأمريكي المتخصص بالتكنولوجيا "آرس تكنيكا". وقد يكون نسخ صوت الأشخاص مع نغماتهم وعاطفتهم الصوتية أبرز ميزات "فال-إي".

ونشرت الشركة الأمريكية نسخاً من التجارب التي أنجزتها، على موقع خاص بالبرنامج.

وتقول الشركة إن البرنامج بحاجة على الأقل إلى ثلاث ثواني من صوت شخص كي يتمكن من تقليده، وإنه كلما طال التسجيل الصوتي، كلّما تحسنت نوعية المادة المقلدة التي يتم إنتاجها.

وكبرامج أخرى من الذكاء الاصطناعي، تطرح هذه التكنولوجيا الجديدة مسألة التزوير، حيث يتخوف البعض من استخدامها لغايات مشبوهة. في العالم المرئي، استخدمت تكنولوجيا "Deep Fake" لتركيب فيديوهات تخص بعض المشاهير.

ويمكن بفضل التكنولوجيا المتقدمة التي يؤمنها "فال-إي" استهداف سياسيين أو مشاهير أيضاً، ما قد يطرح مشاكل أمنية. ففي بعض دول العالم الغربي، تعتمد المصارف على سبيل المثال على صوت وكلائها عبر الهاتف من أجل الحصول على كلمات سرّ معينة.

ولكن البرنامج يطرح مشكلة أخرى تتعلق بقطاع العمل والوظائف، إذ بإمكانه تقليد صوت أي ممثل من أجل الدوبلاج مثلاً في الأفلام والمسلسلات، أو حتى في إنتاج الكتب المسموعة وقصص الأطفال إلخ.

ووعدت مايكروسوفت بأنها ستطور أداة أخرى من أجل تنظيم استخدام "فال-إي" بحيث يصبح من الصعب جداً انتهاك حقوق الآخرين من خلاله، ولذا، فهي لم تطرحه حتى الآن في الأسواق.

ميتا لن تتخلف عن المواجهة

استقطبت ميتا، المالكة لخدمات فيسبوك وإنستغرام وواتساب، مجدداً المستخدمين والمستثمرين، لكنها خرجت ضعيفة من 2022، أول سنة تتراجع إيراداتها الإعلانية خلالها منذ دخول الشبكة الاجتماعية العملاقة البورصة سنة 2012. وتراجع رقم أعمال الشبكة السنوي بنسبة 1% ليسجل 116,61 مليار دولار، بحسب بيان نتائجها.

وفي مؤشر إيجابي آخر، بلغت فيسبوك، الخدمة الأساسية لدى الشبكة، عتبة ملياري مستخدم نشط يوميا، في مقابل 1,98 مليار نهاية أيلول/سبتمبر. وفي المحصلة، يستخدم حوالى 3,74 مليارات شخص على الأقل إحدى خدمات الشركة (شبكات اجتماعية وخدمات مراسلة) في كل شهر.

لكنّ هذه المفاجآت السارة لا تحجب حقيقة أن الشركة عاشت أياماً أفضل في مراحل سابقة. وفي الربع الرابع من سنة 2022، تراجع صافي أرباح "ميتا" إلى النصف مسجلا 4,65 مليارات دولار.

وقد تضررت إيرادات الشبكة وأرباحها بفعل تخفيض المعلنين ميزانيتهم جراء الأزمة الاقتصادية، والمنافسة مع تيك توك والتغييرات في قواعد آبل، وكلها عوامل تقلص قدرات الشبكات الاجتماعية على جمع بيانات المستخدمين لبيع إعلانات موجهة بدقة.

على غرار شركات أخرى كثيرة، وجيرانها الرئيسيين في سيليكون فالي باستثناء آبل، وضعت ميتا خطة اجتماعية كبرى في الخريف الفائت.

وقد استغنت المجموعة بموجب هذه الخطة عن 11 ألف وظيفة، أي حوالى 13% من إجمالي عدد موظفيها، وجمدت التوظيف حتى نهاية آذار/مارس 2023.

ولن يكون ذلك نهاية المطاف ربما، إذ تسعى ميتا لأن تكون 2023 "سنة الفعالية" بعد 18 عاما من "النمو السريع"، وترى أنه سيكون العمل مهمة "أكثر متعة" للموظفين لأنهم سيتمكنون من "إنجاز أمور أكثر". وتثير ميتا قلقاً في الأسواق منذ عام، عندما فقدت المجموعة للمرة الأولى مستخدمين على فيسبوك.

وقد حصل ذلك بعدما غيّرت الشبكة اسمها وأعلنت عن توجه جديد يتمحور حول عالم ميتافيرس الموازي، الذي يُسوّق له على أنه مستقبل الإنترنت والذي يمكن الولوج إليه خصوصاً من خلال اكسسوارات للواقعين المعزز والافتراضي.

غير أن "ريالتي لابز"، القسم المخصص لتطوير الميتافيرس لدى ميتا، عمّقت خسائرها إلى 4,3 مليارات دولار خلال الربع الفائت، بعدما فقدت 3,7 مليارات دولار في الربع الثالث، و2,6 مليار دولار في الربع الثاني.

وقالت ديبرا أهو وليامسون من شركة "إنسايدر إنتلجنس" إن على رئيس الشبكة مارك زاكربرغ أن "يتقبل الحقيقة المرّة، بأن الشركات والمستهلكين لم تعد لديهم شهية على العوالم الافتراضية في هذه اللحظة". وأشار الملياردير الأميركي الأربعاء إلى أن الميتافيرس يبقى أولوية للشبكة، لكنه يرتدي طابعا أقل إلحاحاً من الذكاء الاصطناعي.

وعلى غرار غوغل، كانت ميتا تعمل على ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي التوليدي. ويأمل مارك زاكربرغ خصوصاً بأن يتيح ذلك بسهولة إنشاء "فيديوهات وشخصيات افتراضية للمستخدمين (أفاتار) وصور بالأبعاد الثلاثية" لمنصات مختلفة.

كما يحتل الذكاء الاصطناعي مكانا في صلب جهود الشركة الثانية عالمياً في مجال الإعلانات، لتشجيع المستخدمين على تمضية وقت على تطبيقاتها وتحقيق إيرادات أكبر.

كذلك يُفترض أن تساعد الخوارزميات ميتا في تخطي المشكلة المطروحة منذ عام، جراء سياسة آبل بشأن حماية الخصوصية. ويتيح الذكاء الاصطناعي تحسين الاستهداف وتدابير الفعالية، من دون جمع بيانات إضافية. وتتوقع "إنسايدر إنتلجنس" أن تتراجع حصص ميتا في الاسواق العالمية إلى أقل من 20% هذا العام، بعدما بلغت 22% سنة 2021.

تشديد قواعد الذكاء الاصطناعي

قال تيري بريتون، المفوض المعني بالصناعة في الاتحاد الأوروبي إن قواعد جديدة مقترحة للذكاء الاصطناعي تهدف إلى معالجة المخاوف المتعلقة بمخاطر استخدام تطبيق (جي.بي.تي) وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

وهذا هو أول تعليق يصدر عن مسؤول كبير في بروكسل بشأن التطبيق، الذي صُنف بعد شهرين فقط من إطلاقه بأنه تطبيق المستهلك الأسرع نموا في التاريخ. وبإمكان التطبيق كتابة مقالات ومواضيع إنشائية ونكات وحتى شعرا وفقا لما يطلبه المستخدم.

وأثار بعض الخبراء مخاوف من أن الأنظمة التي تستخدمها مثل هذه التطبيقات يمكن أن يساء استخدامها في السرقة الأدبية والاحتيال ونشر المعلومات الخاطئة، فيما يصف مناصرو الذكاء الاصطناعي التطبيق بأنه طفرة تكنولوجية.

وقال بريتون إن المخاطر التي يشكلها التطبيق وأنظمة الذكاء الاصطناعي أكدت الحاجة الملحة للقواعد التي اقترحها العام الماضي في محاولة لوضع المعيار المرجعي العالمي للتكنولوجيا. ولا تزال هذه القواعد قيد المناقشة حاليا في بروكسل.

وقال بريتون في تصريحات مكتوبة لرويترز "كما أوضح تطبيق تشات جي.بي.تي، يمكن لحلول الذكاء الاصطناعي أن توفر فرصا رائعة للشركات والمواطنين، لكنها قد تشكل أيضا مخاطر. ولهذا السبب نحتاج إلى إطار تنظيمي قوي لضمان موثوقية الذكاء الاصطناعي استنادا إلى بيانات عالية الجودة".

ورفضت مايكروسوفت التعقيب على تعليق بريتون. ولم ترد شركة أوبن إيه.آي كذلك حتى الآن على طلب رويترز للتعليق لكنها تقول على موقعها الإلكتروني إنها تهدف إلى إنتاج ذكاء اصطناعي "يفيد البشرية جمعاء" في الوقت الذي تحاول فيه بناء ذكاء اصطناعي آمن ومفيد.

ووفقا لمسودة قواعد الاتحاد الأوروبي، يعتبر تطبيق تشات جي.بي.تي نظام ذكاء اصطناعي للأغراض العامة يمكن استخدامه لأغراض متعددة بعضها عالية المخاطر مثل اختيار المرشحين للوظائف والتقييم الائتماني.

ويريد بريتون من شركة أوبن إيه.آي أن تتعاون بشكل وثيق مع مطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر لضمان امتثالهم لقانون الذكاء الاصطناعي المقترح.

يعتري الشركات قلقا من تصنيف تقنياتها ضمن فئة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر، مما قد يؤدي إلى متطلبات امتثال أكثر صرامة وتكاليف أعلى، وفقا لمسؤولين تنفيذيين في العديد من الشركات المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي.

وأظهر مسح أجرته مبادرة آبلايد إيه.آي للذكاء الاصطناعي أن 51 بالمئة من المستجيبين يتوقعون تباطؤا في أنشطتهم لتطوير الذكاء الاصطناعي نتيجة للقانون المقترح.

وكتب رئيس مايكروسوفت براد سميث في مدونة أن لوائح الذكاء الاصطناعي الفعالة يجب أن تركز على التطبيقات الأكثر خطورة.

وأضاف "هناك أيام أشعر فيها بالتفاؤل ولحظات أشعر فيها بالتشاؤم حيال استخدام البشرية للذكاء الاصطناعي".

وقال بريتون إن المفوضية الأوروبية تعمل عن كثب مع مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي من أجل توضيح أكبر للقواعد الواردة في قانون الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الأغراض العامة.

وأضاف "سيتعين إبلاغ الأفراد بأنهم يتعاملون مع تطبيق دردشة وليس مع شخص. وتكتسب الشفافية أهمية أيضا فيما يتعلق بخطر التحيز والمعلومات الخاطئة".

وقال بريتون إن المناقشات التي ستعقد لاحقا مع مشرعين بخصوص قواعد الذكاء الاصطناعي ستغطي هذه الجوانب.

وحظرت بعض المدارس العامة الأمريكية ومعهد الدراسات السياسية بباريس استخدام تشات جي.بي.تي بسبب الخوف من استخدامه في السرقة الأدبية من قبل الطلاب.

استعانة قاض بروبوت "تشات جي بي تي"

وأثار قاض ضجة في كولومبيا مع إعلانه أنه استخدم برنامج الدردشة الآلي "تشات جي بي تي"، القائم على الذكاء الاصطناعي للحكم في قضية تتعلق بطفل مصاب بالتوحد.

وقال القاضي خوان مانويل باديلا في تصريحات لإذاعة محلية "هذا يفتح آفاقاً هائلة، اليوم قد يرتبط الأمر ببرمجية تشات جي بي تي، لكن في غضون ثلاثة أشهر يمكن الاعتماد على أي بديل آخر لتسهيل صياغة النصوص القانونية التي يمكن للقاضي الاستناد إليها". وشدد على أن "الهدف ليس استبدال القضاة".

وفي حكم صدر في 30 كانون الثاني/يناير، بتّ القاضي بطلب إحدى الأمهات لإعفاء ابنها المصاب بالتوحد من دفع تكاليف المواعيد الطبية والعلاج والنقل إلى المستشفيات، إذ تفتقر الأسرة إلى الموارد المالية اللازمة لتغطية هذه النفقات.

وحكم باديلا لصالح الطفل، مشيراً في حكمه إلى أنه استشار روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" لإصدار قراره.

وسأل القاضي "تشات جي بي تي" بحسب محضر قراره "هل القاصر المصاب بالتوحد معفى من دفع رسوم العلاج؟". فرد الروبوت، "نعم، هذا صحيح. وفقاً للقانون الحالي في كولومبيا، يُعفى القاصرون الذين تم تشخيص إصابتهم بالتوحد من دفع رسوم العلاج".

وعلق باديلا قائلاً "القضاة ليسوا حمقى، فليس لأننا نطرح الأسئلة على التطبيق نتوقف عن كوننا قضاة، وكائنات مفكرة".

وأشار إلى أن "تشات جي بي تي" يقوم اليوم بما كانت تتولاه سابقا "السكرتيرة"، "بطريقة منظمة وبسيطة"، ما "يمكن أن يحسن أوقات الاستجابة في مجال القضاء".

وأثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً.

وأوضح الأستاذ في جامعة روزاريو خوان دافيد غوتيريس، خصوصاً أنه تلقى إجابات مختلفة من "تشات جي بي تي" بعد طرح الأسئلة نفسها. وقال "كما الحال مع أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى في سائر المجالات، بحجة الكفاءة المفترضة، تتعرض الحقوق الأساسية للخطر".

ويُنتج الروبوت نصوصاً بناءً على طلب بسيط، يمكن استخدامها خصوصاً من المحامين أو المهندسين أو الصحفيين، مع خطر حصول تلاعب أو تضليل. وقال باديلا "أظن أن الكثير من زملائي سيبدأون في صياغة أحكامهم بشكل أخلاقي بمساعدة الذكاء الاصطناعي".

اضف تعليق