علينا أن نسعى من أجل العمل الجاد بقوة، ونقف أمام المصاعب ونصرخ في وجهها دون خوف أو تردد بأننا قادرون على النجاح. إن الخيال لا يصنع شيئاً، إننا إذا أردنا أن نصنع حضارة بالتمنيات فإننا سنكون واهمين لأن صنع الحضارة ليس بالحلم والتمني، وإنما يكون صنع الحضارة وبناء الحكم الصحيح بالمساعي والعمل الجاد...
(علينا أن نقف أمام المصاعب ونصرخ في وجهها دون خوف أو تردد بأننا قادرون على النجاح).
الإمام الشيرازي
لطالما كان العمل الجاد هو المحرك الأساسي الذي ينقل المجتمعات من حالة البدائية والشتات إلى طور الاستقرار والبناء، وهو بمثابة الحجر الأساس الذي تنهض عليه الأمم وتُشيد به القلاع والصروح، إن الإجابة عن سؤال ما إذا كان العمل الجاد يصنع الحضارة تتطلب منا النظر إلى التاريخ البشري كقصة كفاح مستمرة، حيث لم تظهر حضارة على وجه الأرض نتيجة للمصادفة أو الخمول، بل كانت دائمًا نتاجًا لجهود تراكمية وعرق مبذول من ملايين البشر الذين واجهوا قسوة الطبيعة وتحديات البقاء بالعمل الدؤوب والمستمر.
الزراعة التي شكلت فجر الحضارة الإنسانية لم تكن لتنجح وتؤمن الغذاء المستدام لولا العمل المضني في شق القنوات وتطويع الأرض، وبناء المدن العظيمة التي تطلّبت طاقات بشرية هائلة عملت ليل نهار لتحويل الحجارة الصماء إلى شواهد حية على عظمة الإنسان.
ومع ذلك، فإن العمل الجاد بمفرده، إذا كان مجرد مجهود عضلي مكرر وخالٍ من الفكر، قد لا يكفي لبناء حضارة مستدامة ومتطورة؛ إذ يجب أن يقترن بالتنظيم العقلاني والمعرفة العلمية، لأن الحضارة تنشأ عندما يوجه العمل الجاد نحو الابتكار والإبداع، وتوظيف الأدوات، وإدارة الموارد بكفاءة. فالجهد الذي يبذله العامل في الحقل أو المصنع يصبح لبنة في جدار الحضارة عندما يندمج مع رؤية المفكر، وتخطيط المهندس، وعدالة المشرّع.
بالإضافة إلى ذلك، يغرس العمل الجاد في نفوس أفراد المجتمع قيم الانضباط، والمسؤولية، والتعاون، وهي القيم الأخلاقية والاجتماعية التي تشكل الروح الحقيقية لأي حضارة. فالأمم التي تعلي من قيمة العمل وتحترم الجهد المبذول تؤسس لبيئة جاذبة للمبدعين ومحفزة للإنتاج، بينما يؤدي التراخي والاتكال إلى أفول نجم الحضارات وانحدارها مهما بلغت من الثراء المادي أو القوة العسكرية في السابق.
لذلك فإن الأمم والحضارات لا تُبنى بالخيال وحده، وإنما بالعمل الجاد الدؤوب المتواصل، حتى تبلغ الأمة أهدافها التي لا يجب أن تنحصر في المجال المادي وحده.
الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام):
(إن الخيال لا يصنع شيئاً، إننا إذا أردنا أن نصنع حضارة بالتمنيات فإننا سنكون واهمين لأن صنع الحضارة ليس بالحلم والتمني، فالإنسان لا يستطيع أن يصنع حضارة أو دولة عبر الخيال، وإنما يكون صنع الحضارة وبناء الحكم الصحيح بالمساعي والعمل الجاد من أجل بلوغ الأهداف).
حياة الإنسان سلسلة من المصاعب
ولا يمكن لشعب أو أمة أن تصنع حضارتها، وهي لا تغادر أماكن سكناها إلى حياض العمل، فالسكون يؤدي إلى التراخي، والأخير يصبح طبعا يتلبّس الإنسان، بحيث يتحول من كائن فاعل ومنتج وطَموح، إلى كائن حيادي خامل يتطيّر من أي شيء يمتّ بصلة إلى العمل والإنتاج.
نعم توجد مصاعب كثيرة وكبيرة وقد تكون لا حصر لها، تواجه الإنسان وهو في طريقه إلى الإنجاز والعمل، وقد قيل إن الحياة عبارة عن سلسلة من المصاعب المتواصلة، ما أن تحل مشكلة وتنتهي منها حتى تظهر لك مشكلة جديدة، وهكذا تستمر حياة الإنسان وهو يخوض في خضمّ سلسلة المصاعب والمشاكل، ومن يتمكن من مواجهتها هو الذي يفوز أخيرا.
يقول الإمام الشيرازي:
(أما أن نجلس في بيوتنا ونقول: بأننا نستطيع تحقيق أهدافنا، فإن ذلك ما لا يقبله العقل ولا ينتهي إلى نتيجة جيدة، فعلينا أن نسعى من أجل العمل الجاد بقوة، ونقف أمام المصاعب ونصرخ في وجهها دون خوف أو تردد بأننا قادرون على النجاح).
ولا يختلف اثنان على أن الأمة التي توظّف قيمها ومبادئها من أجل الله تعالى، هي التي تصل بالنتيجة إلى المبتغى، ولا يمكن لأمة أن تحقق أهدافها الحضارية، إذا لم تجعل قيمها ومبادئها في السبيل الصحيح، وفي طريق الاستقامة، حيث لا يمكن لعمل أن يستمر ويؤتي أُكُلُه، إذا لم يكن من أجل الله تعالى.
ويجب أن يكون هناك تركيز واضح وبائن يتعلق بطبيعة التفكير، فالأمة التي تبحث عن المغانم المادية، لا يمكنها أن تمضي قُدُما في طريق بناء الحضارة الخالدة، لأن الاعتماد على المضمار المادي وحده لا يؤدي في نهاية المطاف إلى صنع الحضارة الحقيقية الفاعلة والراكزة.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(يجب على الأمة أن تبذل جهودها في سبيل انتصار قيمها ومبادئها وتكوين حضارتها من أجل الله والله فقط، على أن لا يكون تفكيرها مادياً يبحث عن المغانم).
تثبيت أركان الحضارة وديمومتها
من هنا وجب الانتقال من مرحلة التعاطي العاطفي مع الأهداف، إلى مرحلة التعاطي الواقعي حيث يجب أن تتحول الشعارات من (مسار العاطفة)، إلى مسار الإعداد النفسي والتنظيمي لشخصية الأمة والأفراد معا، لأن الشعارات وحدها لا تقود الأمة إلى نتيجة تُذكَر.
كذلك ينبغي أن نربي أنفسنا في نفس الوقت على القيم الصحيحة، لأن الطريق الوحيد الذي يقودنا نحو أهدافنا الصحيحة، هو تربية النفس على القيم الصالحة، على أن يكون العمل في هذا الاتجاه نوعي وجدّي وحقيقي، وليس تربية شكلية لا فائدة منها.
الإمام الشيرازي يؤكد هذه النقطة قائلا:
(إن الأناشيد والشعارات والعواطف لا تكفي، فمرحلة الشعارات والأناشيد يجب أن ترافق مرحلة الإعداد النفسي والجسدي والتنظيمي لشخصية الفرد والأمة. ولو أننا ربينا أنفسنا ومجتمعنا على القيم الصحيحة، فإننا سوف نجني ثمرة هذه التربية في القريب العاجل إن شاء الله تعالى).
لذلك فإن العمل يبقى هو السبيل الأهم لبناء الحضارة، والنهوض بالمجتمع، وتغيير عقلية الفرد، وبالتالي ستكون النتائج كما مخطط لها، لاسيما إذا كان هنالك إعداد مستمر يواكب المرحلة الصعبة التي تواجه الأمة، فمن يواصل العمل في الاتجاه الصحيح، من أجل الله تعالى لا يخيب عمله وجهده أبدا.
ولهذا دائما يكون الكادحون العاملون لوجه الله تعالى، أولئك الذين يكدحون في طريق الله، هو الفائزون دائما، لأنهم يعملون ويكدحون ويواصلون جهودهم في الاتجاه الذي يرضي الله أولا، لهذا يكونوا هم المنتصرين الذين يحققون أهدافهم بدعم من الله تعالى، كونهم آمنوا بأن العمل من أجل الله هو سبيلهم نحو تحقيقي غاياتهم السامية.
هنا يقول الإمام الشيرازي:
(إننا بعملنا الجاد وإعدادنا المستمر لمرحلة المواجهة سوف لن تخيب آمالنا وطموحاتنا، والله عز وجل مع الذين يعملون الصالحات لوجهه ومع الذين يكدحون في هذه الدنيا من أجل عزتهم وكرامتهم وتحكيم مبادئهم الخيرة. (إن ينصركم الله فلا غالب لكم) (آل عمران: 160).
إذن يمكن أن نصنع حضارتنا، وفق المقومات التي تم ذكرها، وأول هذه المقومات هو العمل الحقيقي الجاد، وليس الاعتماد على التخيّل المجرد، فهذا النوع من التفكير أو أسلوب العمل لا يمكن أن ينتهي بنا إلى أهدافنا، كذلك لابد من الانتقال من صفحة الشعارات البراقة ذات الأسلوب العاطفي المكشوف، إلى صفحة الفعل والعمل والإنتاج، بمعنى الانتقال من صفحة الشعارات المجردة، إلى منطقة الإنجاز وتحويل الشعار إلى عمل يساعد على صنع الحضارة وتثبيت أركانها.



اضف تعليق