يجب أن يكون للعقل دوره في تحقيق مهمة معرفة تفاصيل وأحداث القضية الحسينية، فهي مزيج من الفكر ومن التاريخ ومن الواقعيات، وهذه كلها تتطلب عقلا واعيا ذكيا مؤمنا وعارفا ببواطن الأمور، لكي يكون قادرا على فهم الحق وإن كان مخلوطا مع الزيف المعادي...
(إن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) قصة خالدة، ترتبط بواقع الكون الرحيب، وتتصل بعمق الحياة المليئة بالمعنويات) الإمام الشيرازي
تبدو قصة الإمام الحسين عليه السلام بأحداثها المعروفة تاريخية، ممكنة الحدوث في ظل واقع اجتماعي متدهور، غابت فيه القيم الأصيلة، وتم تشويه الرسالة النبوية من خلال حملات التحريف والتزييف التي اعتمدها يزيد واعتماده على زمر متخصصة بالتشويه والتضليل سواء عن طريق البدع الضالة التي أظهرها وروج لها المروّجون المرتزقون آنذاك، أو عن طريق إفساد العقائد الأصيلة واستحداث الدخيل منها والسعي لمنحها أسانيد فاشلة.
لذا فإن ما يمكن أن نفوز به كمسلمين من قصة الإمام الحسين أهداف كثيرة، حيث ساندت حملات التبليغ القرآني وجعلتها تستحصل النتائج الجيدة المتوخاة منها، بالإضافة إلى مساعدة عموم المسلمين على نشر القيم الإسلامية الصحيحة، ونشر العقائد البعيدة عن أي انحراف، مما جعل المسلمين على معرفة بدينهم وبالأحكام والتعاليم الصادرة عنه.
لذلك فإن قصة الحسين عليه السلام أسهمت بشكل كبير في نشر التقوى بين الناس، وأعطتهم التجارب والمعلومات والمواقف التي ساعدتهم على إمكانية الفرز بين ما هو خير وما هو شر، وإن كان أسلوب الأعداء يقوم على أساليب خبيثة تعتمد على خلط الأوراق وذر الرماد في العيون مما يجعل من كشف الحقائق أمرا في غاية الصعوبة، لهذا كان المسلمون بحاجة إلى من يضع أقدامهم على الجادة الصواب، وملحمة الحسين عليه السلام قامت بهذا الدور.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (رسالة عاشوراء 1):
(من المعلوم إن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) هي أهم قصة يتمكن المسلمون بسببها من تبليغ القرآن والإسلام، ونشر التقوى والفضيلة في ربوع الأرض عامة، وبين المسلمين خاصة).
ومما يجعل من قصة الإمام الحسين عليه السلام ذات عوامل مزدوجة تجمع بين العقل والعاطفة، أنها قصة واقعية حقيقية تحمل معها أصالة الأحداث وحقيقتها وإمكانية التعامل العقلي معها، ولكنها في الوقت ذاته، تعد من الوقائع ذات البعد العاطفي الكبير، بسبب المآسي الإنسانية الكبرى التي رافقت أحداثها، وهكذا فهي قصة يمتزج فيها العقل والعاطفة معا، مما أعطاها نوعا من التفرد الأصيل، حيث لا توجد في البشرية كلها قصة شبيهة بها.
التفاف الجماهير حول المنبر
وهذا الأمر من أهم الأسباب الذي دفع بالجماهير إلى الالتفاف حولها، والبحث في مكنونها وعمقها، وفي فهم غايتها ومعرفة تفاصيلها، ومن ثم استخلاص الدروس والعبر منها، وهذا ما حدث بالفعل منذ لحظة وقوعها وحتى يومنا هذا، حيث مضت عليها مئات السنين ومع ذلك ظلت بمثابة الشعلة الإيمانية العظيمة التي تفتح آفاق الوعي أمام الإنسان أينما كان.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) هي قصة حقيقية وواقعية، عقلانية بحتة، وفي نفس الوقت، عاطفية صرفة أيضاً، وليست هناك عند البشرية قصة مثلها، ولا قضية تضاهيها في الاستهواء والتأثير، والجذب والتسخير، واستقطاب الجماهير).
ولعل عظمة قصة الإمام الحسين عليه السلام هي التي أوجدت مناصريها بنفسها، واستحدثت وسائل وأساليب نشرها وتوصيلها إلى كمل من يحتاجها من البشر، ومن أعظم هذه الأساليب المناصرة والناشرة لها كما أثبت التاريخ هو (المنبر الحسيني)، وفي هذه المناسبة يكفي أن نشير إلى وقائع مقتل الإمام الحسين عليه الذي يتلوه الخطيب الخالد المرحوم (عبد الزهرة الكعبي) والذي يمزج فيه بين العقل والعاطفة وهو يرسم بالكلمات ما جرى من مصائب وويلات في ساحة معركة الطف التي دارت رحاها بين الخير والشر.
لذلك فإن قضية الإمام الحسين عليه السلام بقيت حية بتفاصيلها عمن خلال المنبر الحسيني، وبقيت أحداثها ووقائعها حية وكأنها تحدث اليوم رغم توالي القرون والعقود عليها، وبقي المسلمون في كل مكان وآن، يتفاعلون ويتعاطفون معها، بل حتى الأمم والمجتمعات الأخرى، غالبا ما اصطفت إلى جانب الحسين عليه السلام، ورفضت الظلم الذي تعرض له، وهذا ما يفسر تلك الرمزية الثورية العالمية للإمام الحسين.
يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:
من وسائل نشر النهضة الحسينية بين المسلمين وغيرهم، المنبر الحسيني والخطباء الأجّلاء، فقد (اثبت المنبر الحسيني على طول التاريخ وعلى مرّ العصور، بأنه من أفضل الوسائل، وأهم العوامل، التي تؤدي لحفظ قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام) وإبقائها حية طرية، تتفاعل مع القلوب والضمائر، والنفوس والأرواح، والعقول والعواطف).
وهنالك الكثير من الناس، وجدوا في قضية الإمام الحسين عليه السلام طريقا لهدايتهم، وهذا ما حدث مع أناس كثيرين كانوا بعيدين عن الإسلام وعن أحكامه وتعاليمه، بل غائصين في ومستنقع الجهالة والضلالة، ولا يعرفون من حياتهم وأيامهم غير الصراع والاقتتال من دون وازع من ضمير أو فطرة إنسانية.
فكل ما كانوا يلهثون وراءه المنافع، والابتعاد على الاستقامة وسواء السبيل، ولكن وجود المنبر الحسيني بين هؤلاء الناس، ودوره في توضيح الأمور والجوانب الخفية في قضية الإمام الحسين، ورسمها عبر المنبر بشفافية وبلا تضخيم أو تحريف، جعلهم يستفيقون من إيغالهم في دروب الحرام، وعودتهم إلى الحق ومن ثم توبتهم التامة وعودتهم إلى الرشاد.
حيث يقول الإمام الشيرازي حول ذلك:
(لقد شهد أحد المستفيدين من المنبر الحسيني قائلا: إنني توفقت للتوبة، واهتديت إلى طريق الأوبة، وأخذت جادة الصواب، وسرت في طريق التقوى والفضيلة، كل ذلك ببركة الخطيب الحسيني، ثمّ تحسنت حالتي، وتخلّصت من شقوتي وكآبتي، والحمد لله رب العالمين، لذا أرى نفسي مديناً لرجال الدين، وأرى لخطباء المنبر الحسيني حق الحياة عليّ، كما أرى على نفسي أن أجلّهم واحترمهم، وأن أكون لهم من الشاكرين دوماً وأبدا)ً.
قصة الحسين ترتبط بالكون الرحيب
ومما جعل منن قصة الإمام الحسين عليه السلام قصة خالدة، تمتد في عموم أصقاع الأرض وتنتشر تفاصيلها عبر الأزمنة والأمكنة على حد سواء، أنها ترتبط بالكون كله، فهي إذان ذات بعد كوني رباني، فضلا عن الجانب المعنوي الكبير الذي يلتصق بها كونها تخص أهل البيت عليهم السلام، ولهذا صارت هذه القضية وسيلة عظيمة من وسائل الإصلاح.
وهذا الإصلاح ليس مخصصا للمسلمين دون غيرهم، بل الإنسان أينما كان هو معني بهذا الإصلاح، ويمكنه الاستفادة من الطف وأحداثها لكي يعود إلى رشده إذا كان موهوما، أو ليزداد تشبثا بالحق حتى لو كان مؤيدا للحق ومؤمنا به، لهذا فإن قضية الحسين عليه السلام تقود الإنسان إلى حقيقة الدين وفضائله الكثيرة وصولا إلى الفوز بالدار الأخرى.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) قصة خالدة، ترتبط بواقع الكون الرحيب، وتتصل بعمق الحياة المليئة بالمعنويات، بحيث يمكن الاستفادة منها لإصلاح الدنيا في كل مجالاتها، واسعاد الإنسان في جميع الأبعاد، ونشر الدين بكل فضائله، واحراز الآخرة بجميع خيراتها).
لذا هنالك وراء قصة الإمام الحسين حقائق كبيرة وواقعيات بعيدة في عمقها، ولا يمكن معرفتها ما لم يتم التوغل فيها عميقا والغوص في تفاصيلها كافة، حتى يكون الإنسان قادرا على الاستفادة التامة منها، ولكن هذا لا يتحقق للإنسان إلا إذا استخدم فكره الخلاق بالطريقة الصحيحة والسليمة، لأن إدراك تفاصيل القضية الحسينية يستوجب حفرا عميقا واستجلاءً لما هو غائر في الأعماق.
كذلك يجب أن يكون للعقل دوره في تحقيق مهمة معرفة تفاصيل وأحداث القضية الحسينية، فهي مزيج من الفكر ومن التاريخ ومن الواقعيات، وهذه كلها تتطلب عقلا واعيا ذكيا مؤمنا وعارفا ببواطن الأمور، لكي يكون قادرا على فهم الحق وإن كان مخلوطا مع الزيف المعادي.
الإمام الشيرازي يؤكد هذه النقطة فيقول:
(إن وراء ما ظهر من قصة الإمام الحسين (عليه السلام) الخالدة، حقائق وواقعيات عميقة الغور، بعيدة المدى، لا ينالها الإنسان بفكره، ولا يدركها بعقله، إلا بعد تدبّرها وتحقيقها).
في النهاية هنالك جملة أمور تقف وراء القصة الحسينية، وهي ليست عصيّة على الاكتشاف والبحث والمعرفة، وما على الإنسان (مسلما كان أو سواه)، غير التبصّر العقلي، واعتماد الفرز الصحيح، والذهاب وراء الأدلة الساطعة والقاطعة، لكي يفهم ما يقف وراء قصة الإمام الحسين عليه السلام، وصولا إلى لحظة اليقين والإيمان القادر على تثبيت أركان الحق وتهديم أركان الباطل.



اضف تعليق