غالباً ما تقرن مفردة (المدنية) بحسب الأفكار المعاصرة والمغلوطة بالابتعاد عن الدين وجوهره، إما لسوء قراءة المفاهيم وفق الرؤية الدينية، أو من أجل تحقيق غايات وأهداف ترتبط بالمشاريع والإيديولوجيات المختلفة، والتي تحاول أن تقفز على الحقائق، وتوهم العامة بأن الأديان تقف بالضد من المناهج التجديدية التي تزدهر فيها الحياة والحقوق المدنية، إذ أن أصحاب هذا التوجه يريدون تصدير المدنية وفق أمزجتهم بعد أن يحصروها بزوايا ضيقة.

ولقد تصدى علماء ومفكرون إصلاحيون لتصحيح تلك التوجهات، وكتبوا رؤاهم وتحليلاتهم المنطلقة من الرؤية الإسلامية في تنظيم الحياة، وفي مقدمتهم الإمام المجدد السيد محمد الشيرازي (قدس سره)، والذي كان يشدد على إدامة العلاقة مع الإسلام وتطويرها بما يناسب الحياة العصرية، وجعلها مرتكزاً للانطلاق نحو كل جديد، وصياغة الأنموذج الحضاري الضامن لارتقاء الإنسانية لمرتبتها التي تستحقها.

تأصيل الحرية

تعتبر الحرية في فكر الإمام الشيرازي أُسَّ المدنية، وهذه الرؤية إنما جاءت لكون الحرية من المفاهيم المؤصلة في الفكر الإسلامي الداي لنبذ الاستبداد والتفرد ومحاربة المختلف على مستوى العقيدة، أو في طريقة اختيار آليات التفكير المناسبة.

والإمام الشيرازي يقرن الحرية بالشورى، فالتداخل بين المفهومين كان نقطة لانطلاق الإمام الراحل في مشروعه الاصلاحي والتجديدي، ومحوراً لقناعته في ترسيخ مفاهيم الحقوق المدنية للفرد في ذهنية العامة؛ لأن الفردية عنده ــ رحمه الله ــ تمثل عبادة الذات التي تقود إلى الفساد والهلاك، وتعطل دور العقل والتفكير، وأن الفوضى الحياتية التي يشهدها العالم اليوم؛ ما هي إلا نتيجة طبيعية لانعدام معايير فهم الحرية، أو اختزالها بأنماط مؤدلجة لا تحقق الغرض الحقيقي الذي يخدم الإنسان وتطلعاته للعيش بكرامة.

يقول الإمام الشيرازي الراحل : "الحرية في النظام الإسلامي كالقلب بالنسبة للجسد، ففي الإسلام أوسع الحريات وأشملها، فالأصل في كل شيء الحرية"1.

ويؤكد على أن الأرضية المناسبة لتقبل فكرة الحرية موجودة في الفكر الإسلامي أكثر من وجودها في الفكر الغربي الذي حدد الحرية ــ كما قلنا ــ بأنماط سلوكية هي أقرب للشذوذ من العقل، بل أن الغرب نفسه بدأ يعيد النظر في طريقته لفهم المدنية التي ظل يعتقد أنه متفوقٌ بها على الآخرين، وهي التي أنتجت له أزمات متلاحقة على الصعيد الأخلاقي جعلت كثيراً من المواطنين يلجأ للانتحار وإنهاء الحياة؛ لاعتقاده بأن شيئاً مهماً مفقوداً، وهذا الشيء المهم هو الذي يراه الإمام الشيرازي موجوداً في الفكر الإسلامي، وهو أن الحرية مشروطة بعدم الإساءة إلى القيمة الإنسانية عبر إخضاعها لسيطرة المادة التي جعلت الإنسان الغربي يدور في حلقة مفرغة، من دون الوصول إلى هدفه وغايته، بينما يعتقد الإمام الراحل أن الحرية الحقيقية تأتي عبر مراحل متسلسلة وعبر جدولة زمنية تأخذ بنظر الاعتبار الظرف المرحلي، وإلا فإنها ستنقلب إلى فوضوية مربكة للحياة.

وهذه القاعدة يراها الإمام الشيرازي تطبق على المحكوم والحاكم على حد سواء، فلا أفضلية لطرف على طرف آخر، لذلك اعتمد مبدأ الشورى الذي أفاد منه الغرب كما يقول الإمام ــ ولو نسبياً ــ "وأوجدوا الأحزاب الحرة والمؤسسات الدستورية والانتخابات الحرة كل أربع سنوات ولذا استقامت بلادهم، وأخذ يأتي إلى الحكم الأفضل فالأفضل في نظرهم، وذلك نتيجة لممارستهم الديموقراطية والشورى، وتركهم للاستبداد النسبي"2

وهكذا يتبين لنا أن الحرية المقرونة بمبدأ الشورى الذي قال به الإمام الشيرازي؛ كفيلة بتنظيم الحياة، ووضعها في إطار مدني وعصري يكون فيه الإنسان حراً لا خاضعاً.

ولم يغفل الإمام الراحل على أهمية المؤسسات والعمل الجماعي الاذان يحققان تطلعات الإنسان نحو الحرية والمدنية

المدنية والعمل المؤسساتي

يُعرف المختصون والباحثون العمل المؤسسي بأنه ذلك التجمع المنظم حسب لوائح، حيث يتم توزيع العمل فيه على الإدارات المتخصصة بهدف تحسين الأداء وبلوغ الأهداف التي من أجلها أنشئت هذه المنظمات والمؤسسات.

ونعتقد بما لاشك فيه، أن التحديات التي تواجه الإنسان اليوم، والإنسان المسلم على وجه الخصوص كفيلة بأن تجعل التكاتف في الجهود ضرورة ملحة؛ لتأصيل مبدأ مهم من مبادئ ومقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء، وهو مبدأ التعاون والعمل الجماعي ما يضمن استقراراً عملياً بعيداً عن أي ضعف يتعرض له دائماً العمل القائم على نحو فردي، والذي دائماً ما يكون عرضة للتغيير والخلخلة وعدم الاستقرار فضلاً عن أن العمل الجماعي ضمن الإطار المؤسسي يضمن اجتهاد إدارته في اختيار المناسب من الموارد البشرية والتي تساهم بدورها في تحقيق التنمية المنشودة والوصول بالمؤسسة وأهدافها إلى شاطئ الأمان.

يرى الإمام الشيرازي في قضية العمل الذي يتسم بالطابع المؤسسي ضرورة أن يهتم الباحثون بشؤون الإصلاح بإنشاء مؤسسة عالمية كبيرة تمنع انتاج الأسلحة التي تسعى لتدمير البشرية وإبادتها من أجل تحقيق المصالح الضيقة للدول الكبرى والتي لاهم لها سوى تعزيز نفوذها وهيمنتها على العالم وإذكاء الفتن وتعزيز كل الجهود التي تعمل على إبقاء الإنسانية ساحة صراع وتوتر وحروب دائمة تنتعش من خلالها عمليات انتاج وبيع هذه الأسلحة الفتاكة.

فكرة الإمام هنا تعكس رؤية جديرة بالبحث والتأمل؛ كونها انطلقت من اتجاهاته الإسلامية المؤكدة دائماً على إحلال السلام في ربوع العالم وعدم اللجوء إلى العنف والعنف المضاد، إذ لا يمكن أن تترسخ المدنية مع العنف ومع انتاج مسبباته، فإنشاء مثل هذه المنظمات والمؤسسات من شأنه أن ينعش الأمل الإنساني بالسلم العالمي. ولا بأس أن تعاضد هذه الهيئات والمنظمات مؤسسات أخرى تتبنى اللاعنف كهدف رئيس لها فتتوحد جهود المؤسستين من أجل بلوغ الهدف الأسمى في السلام و الحفاظ على البشرية من الإبادة.

------------------
1: محمد طالب الأديب ، رحلة في آفاق الحياة، ألف كلمة وكلمة للمجدد الشيرازي الثاني (أعلى الله درجاته)، ص189
2: نفس المصدر السابق، ص184

اضف تعليق