بقلم: جولييت أَنوين

بوصفي باحثًا في علم الأوبئة، عادةً ما ينطوي عملي على دراسة موجات العدوى بالأمراض، وقياس ما يطرأ على معدلات الوفاة من صعودٍ وهبوط، وفي حين تتراوح معدلات الوفاة بين الآباء والأجداد من جرَّاء الإصابة بفيروس «كوفيد-19» صعودًا وهبوطًا، فإن معدل تيتُّم الأطفال لفقدانهم القائمين على رعايتهم يأخذ مسارًا مختلفًا تمام الاختلاف؛ فأعدادهم في دول العالم كافةً تشهد زيادةً مستمرة، شهرًا تلو الآخر؛ فوفاة الأم، أو الأب، أو الجد القائم على رعاية الطفل، أو غيره من الأقرباء القائمين على رعايته أضحت واقعًا دائمًا وثابتًا، والطفل الذي فقد أحد والديه في بدايات تفشي الجائحة ما زال يتيمًا حتى وقتنا هذا.

وفي رسالةٍ نشرتها مجلة «جاما بيدياتركس» JAMA Pediatrics التي تصدر عن الجمعية الطبية الأمريكية، أوردتُ -بالتعاون مع مجموعةٍ من الزملاء- تقديراتٍ لأعداد الأطفال الذين فقدوا أحد القائمين على رعايتهم من جرَّاء الإصابة بمرض «كوفيد-19»* خلال الفترة ما بين يناير 2020 ومايو 2022، سواءٌ أكان الفقيد هو القائم على رعاية الطفل بصفةٍ أساسية أم ثانوية، وذكرنا أن هذه الأعداد بلغت 10.5 ملايين طفل، ويواجه هؤلاء الأطفال محنةً شديدة؛ فقد تنتابهم مشاعر الحزن والأسى على مَن فقدوا، وقد يعانون من ضعف الاهتمام وقلة الرعاية، كما قد يواجهون مصير الانفصال عن بقية أفراد أسرتهم، بل ربما يجدون مشقةً في الحصول على الطعام والدعم والمأوى، هذا فضلًا عن أنهم يصبحون أكثر تعرُّضًا لمخاطر العنف والاعتداء.

واستنادًا إلى الأبحاث التي أُجريت حول الوباء الذي سبَّبه فيروس نقص المناعة البشرية، بمقدورنا أن نهتدي إلى طريقةٍ نمد بها يد العون لهؤلاء الأطفال، ونكفل الحمايةَ لغيرهم، فأولًا، يجب أن نسعى جاهدين للحد من أعداد الوفيات في صفوف الآباء والقائمين على رعاية الأطفال، عبر إتاحة برامج التطعيم العادلة، واحتواء المرض وعلاجه، وثانيًا، نحن بحاجةٍ إلى توفير رعايةٍ أسريةٍ حانيةٍ وآمنةٍ للأطفال عبر صلة القرابة، والتبني والرعاية، ثم علينا -ثالثًا- توفير الحماية للأطفال اليتامى باستخدام إستراتيجياتٍ قائمة على الشواهد تتصدى لمخاطر تعرُّض الأطفال للضرر والعنف على نحوٍ متزايد، ونعتقد أنه يتعين دمج هذا النوع من الرعاية المقدمة للأطفال على الفور ضمن جميع خطط الاستجابة التي تهدف إلى التصدي لجائحة «كوفيد-19» وغيرها من نوبات تفشِّي الأمراض المُعدية.

وبالفعل شرعت بعض البلدان في تلبية النداء؛ ففي مارس من عام 2021، أعلنت بيرو عن خطة من المزمع أن تدفع بمقتضاها مبلغًا شهريًّا يزيد قليلًا على 50 دولارًا أمريكيًّا للأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما من جرَّاء الإصابة بمرض «كوفيد-19»، وهو مبلغ يغطي تكلفة سدِّ احتياجات الطفل من الأغذية الأساسية، وأطلقت المنطقة الشمالية الشرقية بالبرازيل في أغسطس 2021 برنامجًا مماثلًا من أجل توفير الدعم للأسر ذات الدخل المنخفض، ومنذ ذلك الحين اتسع نطاق هذا الجهد ليشمل المزيد من المناطق، وتمنح المكسيك بعثاتٍ دراسيةً للأطفال الذين تسبَّبت جائحة «كوفيد-19» في يُتمهم، وفي وقتٍ سابقٍ من العام الجاري، وافق مجلس أمناء مقاطعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا الأمريكية بالإجماع على إطلاق برنامجٍ يهدف إلى البحث عن الشباب الذين فقدوا القائمين على رعايتهم، وتوفير سُبُل الدعم لهم، والآن أصبحنا بحاجةٍ إلى جهودٍ عالميةٍ تدعم هذه المبادرات الأولية.

وقد عكفنا على دراسة تقديرات الوفيات الزائدة في كل بلدٍ من بلدان العالم بهدف معرفة أعداد الأطفال الذين تيتَّموا من جرَّاء جائحة «كوفيد-19»، ويمكن تعريف الوفيات الزائدة بأنها حالات الوفاة التي تزيد عن أعداد الوفيات المتوقعة خلال فترةٍ زمنيةٍ معينة، ومن المعروف عنها أنها تستعصي على التقدير، وتجدر الإشارة إلى أن دراساتٍ عديدةً حاولت تقييم ما إذا كانت أعداد الوفيات المُبلَغ عنها من جرَّاء جائحة «كوفيد-19» على مستوى العالم تعبر عن الأعداد الحقيقية أو تقل عنها، وقد أظهرت تقديرات منظمة الصحة العالمية أن أعداد الوفيات الزائدة ذات الصلة بجائحة «كوفيد-19» في عامَي 2020 و2021 بلغت 14.9 مليون حالة.

يُشار إلى أننا اعتمدنا في بحثنا التعريف الذي وضعته منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» لليُتم، والذي يُفيد بأن اليتيم هو الطفل الذي فقد واحدًا من والديه أو كليهما، وبناءً على ذلك، فإن الطفل الذي فقد أحد والديه دون الآخر يدخل في تعريف اليتيم، نظرًا إلى أن فقدان أحد الوالدين يكون له تأثيرٌ كبيرٌ على رفاه الطفل وسعادته، وثمة عاملان يُحدِّدان احتياجات الطفل عقب وفاة أحد والديه أو القائم على رعايته: عمر الطفل، وجنس الوالد المُتوفَّى؛ فقد أظهر بحثٌ أجريناه آنفًا ونشرته دورية «لانسيت تشايلد آند أدولسينت هيلث» Lancet Child and Adolescent Health أن أعداد الأيتام في صفوف المراهقين من جرَّاء جائحة «كوفيد-19» تفوق أعداد أقرانهم من الأيتام الذين يصغرونهم سنًّا، ووفقًا لتقديراتنا، تراوحت أعمار طفلين من كل ثلاثة أطفال أيتام بين 10 أعوام و17 عامًا.

لا ريب في أن احتياجات الأطفال الأصغر سنًّا أشد وضوحًا؛ لأنهم بحاجة إلى رعاية مباشرة وكاملة من أجل تنشئتهم التنشئةَ السليمة، لكن المراهقين يواجهون مجموعةً مختلفةً من المخاطر، بدءًا من العنف والاستغلال الجنسي، ومرورًا بمشكلاتٍ تتعلق بصحتهم النفسية ومخاطر الانتحار، والحمل في سن المراهقة، واختلال الثقة بالنفس وتقدير الذات، ووصولًا إلى الانفصال عن مجتمعاتهم، بل قد يُضطرون أحيانًا إلى الاضطلاع بمسؤوليات رعاية أشقائهم الأصغر سنًّا، ويشعرون بحاجةٍ إلى البحث عن عمل على حساب تعليمهم.

إن سوء الرعاية يمكن أن يؤثر تأثيرًا بالغًا على الصحة النفسية والجسدية ومستويات النمو لدى جميع الأطفال، كما يمكن أن يزيد من مخاطر إقدامهم على الانتحار، وإصابتهم بأمراض مزمنة ومُعدية بعد عقودٍ لاحقةٍ من الزمان.

وفي بحثنا السابق، وجدنا أن ثلاثةً من كل أربعة أطفال يتامى قد فقدوا آباءهم دون أمهاتهم بسبب «كوفيد-19»، غير أنه بصرف النظر عن النوع الجنسي، يمكن الربط بين الوفاة والصعاب الاقتصادية الأسرية المفاجئة والمستديمة لدى الأسر التي تفقد عائلها الأساسي، في حين أن فقدان الشخص الذي يقوم على رعاية الطفل ويدعمه عاطفيًّا واجتماعيًّا قد يُفضي إلى زعزعة الترابط الاجتماعي، وتتفاوت هذه الآثار تبعًا لتفاوت البِنى الأسرية ما بين أسرة أحادية الجيل، وثنائية الجيل، ومتعددة الأجيال، فضلًا عن تفاوت النُّهُج الثقافية مثل لجوء بعض الأسر إلى تزويج أطفالهم في مواجهة الفقر المُدقِع.

لم تُكتَب النهاية بعدُ لجائحة «كوفيد-19»، ولا يزالُ الأطفال حول العالم يفقدون آباءهم والقائمين على رعايتهم، وتوفير الرعاية الأسرية التي تكفل لهم رعايةً أسريةً آمنةً ومستقرة، وتَوافُر التنشئة السليمة لهم على نحوٍ يراعي اختلاف أعمارهم ومراحل نموهم، من شأنه أن يدعمهم ويعينهم على تجاوُز كروبهم، كما يمكن أن يمنحهم الحماية الضرورية من المخاطر المستقبلية، ومن ثم يُجنِّبهم مصير الإيداع في مؤسسات الرعاية.

بدأت بلدانٌ حول العالم تدرك واقعَ اليُتم الأليم الذي يتسبب فيه مرض «كوفيد-19»؛ ففي كلمةٍ ألقاها الرئيس الأمريكي جو بايدن في قمةٍ عقدتها إدارته لمناقشة جائحة «كوفيد-19» في مايو الماضي، أتى على ذكر الأطفال الذين واجهوا مصير اليُتم نتيجة الجائحة؛ فالأطفال الذين حكمت عليهم الجائحة باليُتم، أيًّا كانت أعمارهم، وبصرف النظر عن جنس والديهم الذين راحوا ضحيتها، وبعيدًا عن أيِّ موجاتِ العدوى تسبَّبت في إزهاق أرواحهم، فإنهم لا يزالون أطفالًا ضِعافًا في حاجةٍ إلى أن نمد يد العون لهم.

اضف تعليق