لا تبدأ الدولة العميقة عند لحظة واحدة يمكن تحديدها بسهولة، بل تنشأ عبر انتقالات متراكمة. تبدأ برشوة تختبر ضعف النظام، ثم تتكرر حتى تنتج قواعد غير مكتوبة، وتتوسع عبر وسطاء يقسمون العمل، وتحتمي بعلاقات سياسية وإدارية، وتعيد استثمار المال في النفوذ، ثم تسيطر على التعيينات والعقود والمعلومات، قبل أن...

تبحث هذه السلسلة في العلاقة بين الفساد والدولة العميقة، وفي الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الفساد من مخالفة فردية محدودة إلى منظومة منظمة تمتلك القدرة على التأثير في مؤسسات الدولة وقراراتها. وقد تناول المقال الأول المدخل العام إلى تشكّل السلطة الموازية، موضحًا أن الدولة العميقة لا تظهر دفعة واحدة، بل تنشأ غالبًا من تراكم علاقات النفوذ والحماية والمصالح داخل المؤسسات الرسمية وحولها. ثم بحث المقال الثاني مفهوم الدولة العميقة ونشأته ومصادر قوتها، وميّزها من الإدارة الدائمة التي تحتاج إليها كل دولة لضمان الاستمرارية والاستقرار.

أما المقال الثالث، فقد ناقش الدولة العميقة بين الحقيقة والوهم، ووضع مؤشرات تساعد على التمييز بين وجود نفوذ خفي يمكن إثباته وبين استخدام المفهوم بوصفه تفسيرًا شاملًا لكل عجز سياسي أو مقاومة إدارية. وتناول المقال الرابع المسافة الفاصلة بين الفساد المنظومي والاستحواذ على الدولة، موضحًا الفروق بين الفساد الفردي والمنظم والكبير والمنظومي، وبين الاستحواذ التنظيمي والاستحواذ على السياسات والدولة، ومبينًا أن وجود فساد واسع لا يعني تلقائيًا وجود دولة عميقة، ما لم يتحول هذا الفساد إلى قدرة مستدامة على التحكم في القرار وحماية الشبكة وإعادة إنتاجها.

ينتقل المقال الخامس إلى سؤال الآلية: كيف تبدأ الرشوة بوصفها معاملة بين طرفين، ثم تتحول مع الوقت إلى شبكة نفوذ تتوزع فيها الأدوار بين مسؤولين وموظفين ووسطاء ورجال أعمال وجهات حماية؟ وكيف تنتقل هذه الشبكة من استغلال قرارات الدولة إلى المشاركة في صنعها، ومن الخوف من القانون إلى التأثير في تطبيقه، ومن البحث عن الحماية إلى امتلاك سلطة موازية تستطيع مقاومة التغيير؟

الرشوة ليست دولة عميقة

تبدأ كثير من حالات الفساد بصفقة محدودة: مواطن يدفع مبلغًا لتسريع معاملة، أو شركة تقدم منفعة للحصول على عقد، أو موظف يتقاضى رشوة مقابل تجاوز شرط قانوني. في هذه المرحلة يبقى الفساد مرتبطًا بقرار معين وفاعل محدد وفرصة مؤقتة. وقد ينتهي بانتهاء المعاملة أو انتقال الموظف أو اكتشاف المخالفة. لذلك لا تكفي الرشوة الفردية، مهما كانت خطورتها الأخلاقية والقانونية، للحديث عن شبكة نفوذ أو دولة عميقة.

لكن الرشوة تحمل في داخلها قابلية للتوسع عندما تكشف لأطرافها عن ثلاثة أمور: وجود مورد عام يمكن تحويله إلى منفعة خاصة، ووجود ثغرة تسمح بذلك، وغياب رقابة قادرة على اكتشاف الفعل أو معاقبة مرتكبيه. وإذا تحولت هذه المعرفة إلى ممارسة متكررة، لم تعد الرشوة حادثة عابرة، بل أصبحت مدخلًا إلى بناء علاقة مستمرة بين طالب المنفعة وصاحب القرار.

تتغير طبيعة الفساد عند الانتقال من الصفقة المنفردة إلى العلاقة المتكررة. ففي الصفقة الأولى يدفع الطرف المستفيد مقابل قرار واحد، أما في العلاقة المستمرة فإنه يبدأ بشراء الوصول إلى الموظف أو المسؤول نفسه. ولا يعود السؤال متعلقًا بإنجاز معاملة فقط، بل بكيفية ضمان استمرار القدرة على تمرير معاملات جديدة. هنا تنتقل المنفعة من شراء القرار إلى شراء الصلة بصانع القرار، وتبدأ أولى حلقات شبكة النفوذ.

ولا يسير هذا التحول وفق مراحل ثابتة في جميع الدول والمؤسسات، كما أنه ليس نتيجة حتمية لكل رشوة. فالرقابة الفاعلة وتدوير المسؤوليات وشفافية الإجراءات واستقلال القضاء يمكن أن توقف المسار في بدايته. لكن عندما تتكرر المخالفات في بيئة ضعيفة المؤسسات، يصبح تراكمها قادرًا على إنتاج بنية تتجاوز الأشخاص الذين بدأوا بها.

المرحلة الأولى: اكتشاف الفرصة والاختبار المحدود

تبدأ الشبكات غالبًا باكتشاف نقطة ضعف داخل المؤسسة: غموض في التعليمات، صلاحية تقديرية واسعة، احتكار موظف واحد للمعلومة، ضعف في تدقيق العقود، أو غياب الفصل بين من يطلب النفقة ومن يوافق عليها ومن يراقب تنفيذها. ولا يعني وجود هذه الثغرات أن المؤسسة فاسدة بالضرورة، لكنها تتيح اختبار حدود النظام وقدرته على الردع.

تكون العملية الأولى محدودة، لأن أطرافها لا تعرف بعد مستوى المخاطرة أو مدى استعداد الآخرين للتعاون. فإذا مرت المخالفة من دون مساءلة، فإنها تنتج معرفة عملية بطريقة تجاوز القواعد. أما إذا حققت منفعة كبيرة بكلفة منخفضة، فإنها تشجع على التكرار وتدفع الفاعلين إلى البحث عن فرص أوسع.

وهكذا يعمل غياب العقوبة بوصفه إشارة لا تقل أهمية عن الربح المالي. فحين يشاهد الموظفون أن المخالفة تنجح ولا يترتب عليها ضرر، تتراجع الهيبة الفعلية للقانون، حتى إن ظل نافذًا من الناحية الشكلية. ويبدأ بعضهم في النظر إلى الفساد باعتباره فرصة متاحة لا مخاطرة استثنائية.

لكن هذه المرحلة تظل هشة، لأن الفساد يعتمد فيها على شخص أو عدد محدود من الأشخاص. وأي تغيير إداري أو تدقيق مستقل قد ينهي العملية. لذلك لا تستطيع الممارسة الفاسدة أن تستمر طويلًا إلا إذا طورت لنفسها علاقات أوسع توفر المعلومات والتسهيل والحماية.

المرحلة الثانية: التكرار وتحول الاستثناء إلى قاعدة داخلية

عندما تتكرر الرشوة، تنشأ داخل المؤسسة معرفة غير مكتوبة: من الشخص الذي يمكن التفاهم معه؟ ما المبلغ المتوقع؟ ما الوثيقة التي يجب تجاوزها؟ وكيف يمكن إخفاء الأثر؟ تتراكم هذه المعرفة حتى تتشكل إجراءات موازية للإجراءات الرسمية. وتبقى اللوائح المعلنة قائمة، لكن إنجاز بعض المعاملات يبدأ بالاعتماد على قواعد أخرى يعرفها العاملون والمتعاملون مع المؤسسة.

عند هذه النقطة، لا يعود الفساد مجرد انتهاك للنظام، بل يتحول تدريجيًا إلى طريقة غير رسمية لتشغيل جزء منه. فقد تصبح الرشوة شرطًا للحصول على خدمة يفترض أن تكون حقًا، أو تتحول العمولة إلى نسبة شبه ثابتة في العقود، أو يصبح التعيين مرتبطًا بجهة راعية بدلًا من الكفاءة. وكلما استقرت هذه الممارسات، ارتفعت كلفة الامتناع عنها، لأن الموظف النزيه قد يجد نفسه معزولًا، والمتعاقد الرافض للدفع قد يخسر فرصته، والمسؤول الراغب في التصحيح قد يواجه تعطيلًا داخليًا.

ينتج التكرار أيضًا عملية تطبيع اجتماعي داخل المؤسسة. فالمخالفة التي كانت تُخفى باعتبارها استثناءً تصبح معروفة، ثم مبررة، ثم مقبولة بوصفها جزءًا من الواقع. وقد تظهر لها تفسيرات مثل ضعف الرواتب أو تعقيد الإجراءات أو حاجة الأحزاب إلى التمويل أو صعوبة العمل من دون وسطاء. ولا تلغي هذه التفسيرات الطبيعة القانونية للفساد، لكنها تخفف الشعور الفردي بالمسؤولية عنه وتتيح توسعه.

وتشير دراسة «فهم الفساد المنظومي» الصادرة عن منصة أبحاث السلام بجامعة إدنبرة، إلى أن الفساد في الأنظمة ضعيفة المؤسسات قد لا يبقى سلوكًا اقتصاديًا لتحقيق الثراء فقط، بل يكتسب وظيفة سياسية في إدارة تحالفات النخب، وتوزيع الموارد، وشراء الولاءات، والمحافظة على التسويات القائمة. وهنا يبدأ الفرق بين فساد يستنزف الدولة من الخارج وفساد يدخل في طريقة اشتغال السلطة نفسها.

المرحلة الثالثة: تقسيم العمل وظهور الوسطاء

لا تستطيع الرشوة الفردية أن تتحول إلى نشاط واسع من دون تقسيم العمل. فكلما كبرت قيمة العقود أو تعددت الجهات المشتركة في القرار، أصبح من الصعب أن يدير شخص واحد العملية كاملة. لذلك تظهر أدوار جديدة: وسيط يصل بين طالب المنفعة والموظف، وخبير يعرف الثغرات القانونية، ومسؤول يضمن الموافقة، وموظف يعد الوثائق، وجهة مالية تنقل العائدات، وطرف يوفر الحماية عند انكشاف المخالفة.

يؤدي هذا التقسيم إلى تحول الفساد من علاقة شخصية إلى شبكة. ولا يشترط أن يعرف جميع أعضائها بعضهم بعضًا، بل يكفي أن يعرف كل طرف مهمته والشخص الذي يتعامل معه. وقد يكون بعض المشاركين غير مدركين للصورة الكاملة؛ فموظف يعد كتابًا إداريًا، وآخر يغير مواصفة فنية، وثالث يؤخر تقريرًا رقابيًا. لكن اجتماع هذه الأفعال الصغيرة ينتج قرارًا كبيرًا لا يستطيع أي طرف منفرد تحقيقه.

يقلل الوسطاء الاحتكاك المباشر بين المستفيد النهائي وصاحب القرار، وبذلك يخفضون مخاطر الإثبات. كما يساعدون على توسيع النشاط عبر مؤسسات متعددة، لأن الوسيط الذي يمتلك شبكة علاقات يستطيع نقل النموذج من دائرة إلى أخرى. ومع الوقت، قد يتحول الوسيط نفسه إلى مركز قوة؛ فهو يعرف المسؤولين والموظفين والشركات ونقاط الضعف، ويمتلك معلومات يمكن أن يستخدمها في التفاوض أو الابتزاز أو عقد صفقات جديدة.

ومن هنا تبدأ الشبكة في اكتساب ذاكرة مستقلة عن أعضائها. فهي تحتفظ بمسارات الاتصال وأساليب التحايل وطرق توزيع العائدات وأسماء المتعاونين، بحيث تستطيع الاستمرار حتى بعد خروج أحد أفرادها. وهذه القدرة على البقاء بعد تغير الأشخاص تمثل خطوة مهمة في الانتقال من فساد عابر إلى بنية مستدامة.

المرحلة الرابعة: بناء طبقة الحماية

تظل شبكة الفساد معرضة للانهيار ما لم تمتلك الحماية. فقد يكتشفها جهاز رقابي، أو يرفضها مدير جديد، أو يكشفها صحفي، أو يتقدم أحد المشاركين بشهادة ضدها. لذلك تدفع الحاجة إلى الاستمرار الشبكة نحو توسيع علاقاتها داخل المواقع القادرة على منع التحقيق أو تعطيله أو تقليل نتائجه.

لا تبدأ الحماية دائمًا بشراء القضاء أو أجهزة إنفاذ القانون مباشرة، بل قد تبدأ بأشكال أبسط: إخفاء الوثائق، نقل الموظف المعترض، تأخير الإجابة عن طلبات التدقيق، تسريب معلومات عن التحقيق، أو تحويل القضية من مسار جنائي إلى خلاف إداري. وإذا اتسعت القدرة، يمكن استخدام النفوذ السياسي لتغيير المسؤول الرقابي، أو حصر التحقيق في موظفين صغار، أو توفير غطاء قانوني لعقد صُمم أساسًا لخدمة مصلحة محددة.

عندئذ تتغير وظيفة الشبكة. فبعدما كان هدفها تحقيق منفعة غير مشروعة، يصبح جزء من مواردها مخصصًا لحماية القدرة على تحقيق منافع مستقبلية. وتظهر ميزانية غير معلنة للدفاع عن الشبكة، تشمل تمويل النفوذ والوساطة والإعلام والحملات السياسية والخبرات القانونية وربما شراء الصمت.

وتؤدي الحماية إلى إضعاف مبدأ المساواة أمام القانون. فالمخالف الصغير قد يتعرض للعقوبة، بينما يتمكن الفاعل المرتبط بالشبكة من تعطيل الإجراءات أو نقل المسؤولية إلى غيره. وتوضح منظمة الشفافية الدولية أن الفساد يستطيع خلق حواجز أمام الوصول إلى العدالة، وتمكين أصحاب المال أو العلاقات من تجاوز القانون والإفلات من المساءلة، وهو ما يسمح للأنماط الفاسدة بالاستمرار والتكرار.

المرحلة الخامسة: تحويل المال الفاسد إلى نفوذ سياسي وإداري

تكتسب الشبكة قوة أكبر عندما تعيد استثمار عائداتها في شراء النفوذ بدلًا من الاكتفاء بتوزيعها على أفرادها. فالمال الناتج من العقود أو المنافذ أو الاحتكارات يمكن أن يمول حملات انتخابية، أو وسائل إعلام، أو جماعات ضغط، أو شبكات رعاية اجتماعية، أو أنشطة حزبية. وبذلك يتحول الفساد من نتيجة للنفوذ السياسي إلى مصدر لتمويله.

تُنتج هذه الدورة علاقة تبادلية: النفوذ يمنح الشبكة الوصول إلى موارد الدولة، والموارد تمول توسيع النفوذ. ومع استمرار الدورة، يصبح من الصعب تحديد أين ينتهي الفساد المالي وأين تبدأ السلطة السياسية، لأن كلًا منهما يعيد إنتاج الآخر. وقد يظهر سياسي يعتمد على موارد الشبكة، أو رجل أعمال يعتمد على الحماية السياسية، أو مسؤول إداري يدين بتعيينه للجهة التي استفادت من قراراته.

هذه العلاقة لا تقوم دائمًا على اتفاق مركزي معلن، بل قد تتشكل من مصالح متقاطعة. فالحزب يريد التمويل، والشركة تريد العقد، والموظف يريد الحماية أو الترقية، والوسيط يريد حصته، والمسؤول يريد الولاء. ومع أن لكل طرف غاية مختلفة، فإن تعاونهم ينتج منظومة مشتركة تعمل على استمرار الوصول إلى المال العام.

تنبّه منظمة الشفافية الدولية إلى أن ضعف الرقابة والتوازن المؤسسي يسمح بتحول الفساد إلى ظاهرة منظومية تطمس الحدود بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وتحدد المنظمة ثلاثة منافذ رئيسية لتأثير المصالح الضيقة: اختيار شاغلي السلطة، وصناعة السياسات، والرقابة على قراراتهم. وعندما تسيطر شبكة واحدة على هذه المراحل أو تؤثر فيها مجتمعة، فإنها لا تعود مجرد مستفيد من قرار حكومي، بل تصبح طرفًا في إنتاج البيئة التي تصنع القرار.

المرحلة السادسة: السيطرة على التعيينات والمواقع الوسيطة

تحتاج شبكة النفوذ إلى أشخاص داخل المؤسسة يضمنون استمراريتها، ولهذا تتحول التعيينات إلى مورد استراتيجي. ولا يقتصر الأمر على المناصب العليا، لأن كثيرًا من القرارات الفعلية يمر عبر مواقع فنية وإدارية أقل ظهورًا: المدير العام، مدير العقود، رئيس اللجنة، المستشار القانوني، مسؤول المشتريات، المحاسب، مسؤول قاعدة البيانات، أو مدير الموارد البشرية.

تسمح السيطرة على هذه المواقع بالتحكم في تدفق المعلومات وفي ترتيب الأولويات وفي تفسير التعليمات. وقد يكون الوزير أو رئيس المؤسسة صاحب السلطة الرسمية، لكن قدرته على تنفيذ قراراته تعتمد على جهاز إداري يملك المعرفة التفصيلية والإجراءات اليومية. فإذا كانت المواقع الوسيطة مرتبطة بشبكات خارج التسلسل الرسمي، تصبح المؤسسة مزدوجة القيادة: قيادة ظاهرة تصدر الأوامر، وقيادة غير رسمية تحدد ما ينفذ منها وكيف ومتى.

ولا يعني ذلك أن كل موظف دائم يمثل جزءًا من دولة عميقة. فاستمرار الجهاز الإداري وحماية الخبرة المهنية من التقلب السياسي ضرورتان للدولة الحديثة. تبدأ المشكلة عندما تتحول الحيادية الوظيفية إلى ولاء لشبكة خاصة، أو عندما تصبح الترقية مكافأة على تمرير المصالح، أو يستخدم الموقع الإداري لتعطيل قرارات لا تنسجم مع مصالح الجهة الراعية.

وتكشف السيطرة على التعيينات عن تحول جوهري: الشبكة لم تعد تبحث عن موظف يمكن رشوته في كل مرة، بل تعمل على تعيين موظف تابع لها منذ البداية. وبذلك تنتقل من شراء القرار بعد نشوء الحاجة إليه إلى بناء الجهاز الذي سيصنع القرارات المطلوبة بصورة مستمرة.

المرحلة السابعة: الاستحواذ على العقد والموازنة والمعلومة

لا تنتشر شبكات الفساد بالتساوي داخل الدولة، بل تتركز عادة حول «عقد» مؤسسية مرتفعة القيمة: التعاقدات العامة، الجمارك، الضرائب، التراخيص، الطاقة، الأراضي، المصارف، التعيينات، والإعفاءات. وتكمن أهمية هذه المواقع في أنها تجمع المال والصلاحية والمعلومة، وتسمح لمن يسيطر عليها بالتأثير في قطاعات أوسع.

يمكن للشبكة أن تستخدم المعلومة قبل إعلانها، أو تصوغ مواصفات العقد لتناسب جهة محددة، أو تستبعد المنافسين، أو تضخم الكلفة، أو تقبل تنفيذًا ناقصًا. ثم تعاد دورة جزء من العوائد لتقوية الحماية السياسية والإدارية. وكلما سيطرت الشبكة على عقد متعددة، أصبحت أكثر قدرة على المبادلة: تسهيل عقد مقابل تعيين، أو تمويل مقابل حماية، أو معلومة مقابل حصة.

وتصبح الموازنة العامة في هذه المرحلة مجالًا لتوزيع النفوذ، لا مجرد خطة لتخصيص الإنفاق. وقد تُنشأ مشاريع لا تستند إلى أولوية عامة، أو توزع النفقات وفق توازنات القوى، أو تحمى بنود معينة من الرقابة. ويظل الشكل القانوني للموازنة قائمًا، لكن بعض القرارات التي سبقتها تكون قد اتخذت خارج المؤسسات المعلنة.

في هذه البيئة، لا تحتاج الشبكة إلى سرقة كل مورد حتى تصبح مؤثرة. يكفي أن تسيطر على نقاط محددة تستطيع من خلالها تعطيل القرارات أو رفع كلفتها أو فرض المرور عبرها. فقوة الشبكة لا تقاس فقط بما تستولي عليه، بل أيضًا بما تستطيع منعه أو تأخيره أو جعله مشروطًا بموافقتها.

المرحلة الثامنة: الانتقال من خرق القواعد إلى تشكيلها

تمثل القدرة على التأثير في القواعد نقطة فاصلة في مسار الفساد. فالموظف الفاسد يخرق قاعدة قائمة، أما الشبكة المتقدمة فتسعى إلى تعديل القاعدة أو تفصيلها أو تعطيل تنفيذها بحيث تصبح الممارسة التي تخدمها محمية بغطاء رسمي.

قد يحدث ذلك من خلال قانون يتضمن استثناءات واسعة، أو تعليمات تسمح بالتعاقد المباشر، أو شروط ترخيص تحد المنافسة، أو قرار ينقل صلاحية من جهة مستقلة إلى جهة خاضعة للنفوذ. وقد تكون القاعدة قانونية من حيث إجراءات إصدارها، لكنها مصممة لخدمة مصالح محدودة بدلًا من الصالح العام.

هنا يظهر الفرق الذي ركز عليه البنك الدولي في دراساته عن الاستحواذ على الدولة، الفساد الإداري يهدف عادة إلى التأثير في تطبيق القوانين القائمة، بينما يستهدف الاستحواذ على الدولة تشكيل القوانين والسياسات واللوائح نفسها لتحقيق منافع خاصة. ويمنح هذا التحول الشبكة حماية أقوى، لأن ما كان يحتاج إلى رشوة سرية قد يتحول إلى امتياز يسمح به تنظيم رسمي.

ولا يعني ذلك أن كل قانون يخدم فئة معينة دليل على الاستحواذ؛ فالسياسات العامة توزع المنافع والأعباء، وقد تستفيد منها قطاعات محددة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية مشروعة. يظهر الاشتباه حين تقترن المنفعة الخاصة بغياب الشفافية، وتضارب المصالح، وضعف التشاور، ومنع المنافسة، وتعطيل الرقابة، وتكرار القرارات لصالح الجهات نفسها.

المرحلة التاسعة: تعطيل البدائل ومقاومة الإصلاح

بعد أن تتسع الشبكة، لا يكفيها حماية أفرادها؛ فهي تحتاج إلى حماية النظام الذي يسمح لها بالعمل. لذلك تبدأ في مقاومة الإصلاحات التي تهدد قدرتها على الوصول إلى الموارد، حتى لو لم تستهدف أشخاصًا محددين. فقد تعارض رقمنة العقود، أو نشر بيانات الموازنة، أو تدوير الموظفين، أو توحيد قواعد الجباية، أو إنشاء سجل للمستفيد الحقيقي من الشركات، لأن هذه الإجراءات تقلل المساحات التي تعمل فيها.

وقد لا تكون المقاومة صريحة. يمكن أن تظهر في شكل تأخير فني، أو اعتراض قانوني، أو نقص في التمويل، أو تغيير متكرر للجان، أو تنفيذ جزئي يبقي الثغرات الأساسية. وهكذا تتحول القدرة على التعطيل إلى أداة سلطة. فالشبكة قد لا تملك حق إلغاء القرار، لكنها تستطيع منع تنفيذه حتى يفقد أثره أو تتغير الظروف السياسية التي أنتجته.

في هذه المرحلة، يصبح الإصلاح نفسه موضوعًا للصراع على السلطة، لا مجرد عملية إدارية لتحسين الأداء. فالإجراءات التي تبدو تقنية، مثل أتمتة الجمارك أو إعادة تنظيم العقود، يمكن أن تعيد توزيع موارد كبيرة وتلغي وظائف غير رسمية كانت تؤديها الشبكة. ولذلك قد تواجه مقاومة تتجاوز حدود المؤسسة المعنية وتمتد إلى السياسة والإعلام والقضاء.

متى تتحول الشبكة إلى سلطة موازية؟

لا يكفي حجم الأموال المسروقة وحده لاعتبار شبكة الفساد سلطة موازية. فقد تقع سرقات كبيرة تنفذها مجموعة محدودة ثم تنتهي بانكشافها. المعيار الأهم هو تحول المال والعلاقات إلى قدرة مستدامة على التأثير في وظائف الدولة.

تقترب الشبكة من تكوين سلطة موازية عندما تستطيع تحديد من يُعيّن في المواقع الحساسة، وتوجيه بعض العقود والموارد، والحصول على المعلومات قبل غيرها، وتعطيل القرارات التي تهدد مصالحها، وتوفير الحماية لأعضائها، والتكيف مع تغير الحكومات، والتأثير في القوانين أو في طريقة تطبيقها. وعندما تجتمع هذه القدرات، تصبح الشبكة قادرة على ممارسة سلطة لا تستمدها من التفويض القانوني، وإن كانت تستخدم مواقع الدولة وأدواتها.

لكن وجود سلطة موازية لا يعني بالضرورة وجود قيادة واحدة تدير كل شيء. فقد تتكون الدولة من شبكات متعددة تتنافس وتتعاون وفق المصالح. وربما تسيطر شبكة على قطاع اقتصادي، وأخرى على مؤسسة أمنية، وثالثة على التعيينات أو المنافذ، من دون أن تخضع جميعها لمركز موحد. ويكون النظام الناتج أقرب إلى توازن متحرك بين مراكز نفوذ، لا إلى حكومة سرية واحدة.

وهذا التفريق ضروري لتجنب التصورات التبسيطية. فالدولة العميقة ليست غرفة مغلقة يجتمع فيها أشخاص مجهولون لاتخاذ كل القرارات، بل قد تكون نمطًا من العلاقات المتداخلة التي تضمن بقاء نفوذ معين خارج المساءلة، وتسمح له بالعمل عبر مؤسسات رسمية وغير رسمية.

الشروط التي تسرّع تشكّل الشبكة

تزداد قابلية الفساد للتحول إلى سلطة موازية عندما تجتمع عدة شروط. أولها ضعف المؤسسات، لأن غموض الصلاحيات وتداخل المسؤوليات يسمحان بنقل القرار من موقع إلى آخر وإخفاء الجهة المسؤولة عنه. وثانيها اتساع الاقتصاد الريعي، حيث تتركز موارد كبيرة بيد الدولة من دون ارتباط مباشر بين تحصيل الإيراد ومساءلة دافعي الضرائب. وثالثها ضعف استقلال أجهزة الرقابة والقضاء، بما يقلل احتمال العقوبة.

يسهم غياب الشفافية في تسريع المسار أيضًا، لأن احتكار المعلومات يمنح الشبكات القدرة على ترتيب العقود والتعيينات بعيدًا عن الجمهور والمنافسين. كما تؤدي المحاصصة الحزبية أو الشخصية، عندما تمتد من التمثيل السياسي إلى الوظيفة الإدارية، إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى مجالات موزعة بين الرعاة، بحيث يصبح ولاء الموظف للجهة التي عينته أقوى من التزامه بالتسلسل القانوني.

وتوفر الأزمات والحروب وحالات الطوارئ بيئة إضافية للتوسع، لأنها تزيد الإنفاق السريع، وتسمح بإجراءات استثنائية، وتضعف التدقيق المسبق. ولا تصنع الأزمة شبكة الفساد من الصفر بالضرورة، لكنها تتيح للشبكات الموجودة أن توسع نفوذها وتحوّل ترتيبات مؤقتة إلى مصالح دائمة.

الحالة العراقية بوصفها مؤشرًا على تعقيد المسار

سيخصص لاحقًا أكثر من مقال لتحليل جذور شبكات الفساد في العراق وبنيتها، ولذلك لا يقدم هذا المقال حكمًا نهائيًا بشأن وجود دولة عميقة واحدة فيه. لكن التجربة العراقية تساعد على فهم الكيفية التي يمكن أن يلتقي بها التعيين الحزبي مع التحكم الإداري والتمويل السياسي.

تشير دراسة توبي دودج وريناد منصور عن [الفساد المأذون به سياسيًا في العراق] إلى أن المنافسة على تعيين كبار الموظفين، ولا سيما ضمن ما يعرف بالدرجات الخاصة، أتاحت لأحزاب وقوى سياسية التأثير في العقود وتدفق الموارد داخل الوزارات. وتوضح الدراسة أن بعض الموظفين المرتبطين بجهات سياسية يمكن أن يتحولوا إلى نقاط تحكم تسمح بتمرير عقود أو منعها، بما يجعل السلطة الفعلية موزعة بين القيادة الرسمية وشبكات النفوذ داخل الجهاز الإداري.

لا يعني ذلك أن الإدارة العراقية كلها تعمل بهذه الطريقة، أو أن كل تعيين سياسي يمثل فسادًا، أو أن جميع القوى تتصرف بالدرجة نفسها. لكنه يبين أن الخطر يبدأ عندما يتحول التمثيل السياسي إلى سيطرة دائمة على مفاصل تنفيذية، وحين يصبح الموقع الوظيفي قناة لتمويل الجهة الراعية بدلًا من أداة لتنفيذ السياسة العامة.

وتكشف هذه الحالة أيضًا سبب قصور الإصلاح الذي يركز على ملاحقة موظف أو استبدال وزير فقط. فإذا كانت الشبكة موزعة عبر درجات متعددة، فإن تغيير رأس المؤسسة لا يضمن تغيير آلياتها. وقد يجد المسؤول الجديد أن قراراته تمر عبر موظفين يدينون بولائهم لجهات أخرى، أو أن المعلومات والعقود موزعة بطريقة تمنعه من ممارسة صلاحياته الفعلية.

كيف نعرف أن التحول قد وقع؟

يمكن رصد الانتقال من فساد متكرر إلى شبكة نفوذ من خلال مجموعة مؤشرات مترابطة، لا من خلال واقعة واحدة. يظهر المؤشر الأول عندما تتكرر المنافع للجهات نفسها رغم تغير المسؤولين. ويظهر الثاني عندما تتوزع الأدوار بين أطراف سياسية وإدارية وتجارية، بحيث لا يمكن تفسير العملية بوصفها مبادرة شخصية. أما الثالث فيتمثل في قدرة الشبكة على تعطيل التحقيق أو نقل الموظفين أو إخفاء المعلومات.

ويتجسد المؤشر الرابع في توجيه التعيينات نحو أشخاص يضمنون استمرار النفوذ، والخامس في تحويل جزء من العوائد إلى تمويل سياسي أو إعلامي أو اجتماعي. ويظهر السادس عندما تبدأ القوانين والتعليمات أو طريقة تطبيقها بالانحياز المتكرر إلى مصالح الشبكة، فيما يتمثل المؤشر السابع في قدرة النفوذ على الاستمرار بعد الانتخابات وتغير الحكومات.

كل مؤشر بمفرده قد يقبل تفسيرًا آخر، لكن اجتماعها واستمرارها يكشفان أن الفساد تجاوز مستوى المخالفة الفردية. وعندما تصبح الشبكة قادرة على التحكم في الوصول إلى الموارد والقرار والحماية، فإنها تقترب من تشكيل سلطة موازية داخل الدولة.

لماذا يصعب تفكيكها بعد اكتمالها؟

تزداد صعوبة التفكيك لأن الشبكة لا تقوم على المال وحده، بل على تبادل الحاجات. فالمسؤول يحتاج إلى التمويل، والموظف يحتاج إلى الحماية، ورجل الأعمال يحتاج إلى العقد، والحزب يحتاج إلى الموارد، والوسيط يحتاج إلى بقاء الأبواب غير الرسمية مفتوحة. ولذلك فإن إخراج شخص واحد لا ينهي المنظومة ما دامت الوظائف التي كان يؤديها مطلوبة ويمكن أن يتولاها شخص آخر.

كما أن الشبكة المكتملة تستطيع استيعاب بعض إجراءات الإصلاح وتحويلها إلى واجهات. فقد تدعم إنشاء هيئة جديدة ثم تؤثر في تعييناتها، أو توافق على قانون للشفافية مع الإبقاء على استثناءات واسعة، أو تسمح بمحاكمة شخصيات محدودة لحماية البنية الأكبر. وهكذا تصبح مكافحة الفساد انتقائية، وقد تستخدم أحيانًا في تصفية المنافسين بدلًا من تغيير القواعد.

لهذا لا يمكن فهم الفساد المنظومي من خلال عدد المعتقلين أو حجم الأموال المستردة فقط. فالمعيار الأعمق هو ما إذا كانت الإصلاحات قد غيرت طريقة التعيين والتعاقد والرقابة وتداول المعلومات، وقللت قدرة المصالح الخاصة على تعطيل الدولة أو توجيهها.

خلاصة: السلطة الموازية تبدأ قبل أن تظهر

لا تبدأ الدولة العميقة عند لحظة واحدة يمكن تحديدها بسهولة، بل تنشأ عبر انتقالات متراكمة. تبدأ برشوة تختبر ضعف النظام، ثم تتكرر حتى تنتج قواعد غير مكتوبة، وتتوسع عبر وسطاء يقسمون العمل، وتحتمي بعلاقات سياسية وإدارية، وتعيد استثمار المال في النفوذ، ثم تسيطر على التعيينات والعقود والمعلومات، قبل أن تنتقل من خرق القواعد إلى التأثير في صياغتها.

وتصبح الشبكة سلطة موازية عندما لا تعود محتاجة إلى التفاوض مع الدولة في كل مرة، لأنها أصبحت حاضرة داخل مفاصلها، وعندما تستطيع الاستمرار بعد تغير المسؤولين، وتعطيل القرارات التي تضر بمصالحها، وحماية أعضائها، وإعادة إنتاج مواردها ونفوذها. عند هذه النقطة يقترب الفساد المنظومي من المجال الذي يمكن أن تتشكل فيه الدولة العميقة.

لكن هذا المسار ليس حتميًا ولا متطابقًا في جميع الدول. فقد توقفه مؤسسات مستقلة ورقابة شفافة وقضاء فاعل وتوزيع واضح للصلاحيات. كما قد تنتج عنه شبكات متنافسة بدلًا من بنية موحدة. ولذلك ينبغي أن يبقى التحليل قائمًا على الأدلة: من يملك القرار الفعلي؟ كيف تنتقل الموارد؟ من يسيطر على التعيينات؟ وكيف تُحمى الشبكة عندما تُكتشف؟

يقود ذلك إلى موضوع المقال السادس من السلسلة: البيروقراطية والدولة العميقة.. متى تتحول الإدارة من جهاز لخدمة الدولة إلى شبكة نفوذ تحمي الفساد وتمنحه الاستمرارية؟

* المصادر: منصة أبحاث السلام بجامعة إدنبرة، البنك الدولي، منظمة الشفافية الدولية، تشاتام هاوس، المعهد الانتخابي للديمقراطية المستدامة في أفريقيا، دورية فرونتيرز في العلوم السياسية.

اضف تعليق