الحسد مرضُ القلب لا العين، كثيرون يظنّون أنّ الحسد مجرّد شعورٍ عابر، أو غيرةٍ طبيعية، لكن الإمام (ع) يكشف أنّه مرض قلبيّ عقائديّ السقوط. فالحسد: يبدأ فكرة ثم يتحوّل شعورًا ثم موقفًا ثم سلوكًا ثم خرابًا داخليًا وقد يحسد الإنسان وهو يصلّي، أو يصوم، أو يخدم الدين، فيجتمع العمل الصالح مع قلبٍ ملوّث...

رُوِيَ عن الإمام علي الهاديّ (عليه السلام) أنّه قال: )الحَسَدُ مَاحِي الحَسَنَاتِ). ليست كلّ الخسائر مرئية، فبعضها يقع في الأعماق، حيث لا يُسمَع صوتُ الانهيار، لكن أثره يكون مدمّرًا. والحسد من أخطر هذه الخسائر الصامتة؛ لأنّه لا يسرق من الآخرين بقدر ما يسرق من صاحبه، لا يأخذ من أرزاقهم، بل يمحو من رصيده هو… يمحو الحسنات.

بهذه الكلمات القليلة والعميقة، يضعنا الإمام علي الهادي (عليه السلام) أمام حقيقة مرعبة: أنّ الإنسان قد يتعب في الطاعة، ويجتهد في العبادة، ثم يأتي الحسد فيمحو كلّ ذلك كأن لم يكن.

 ما معنى ماحي الحسنات. المحو ليس نقصًا عابرًا، بل إزالة للأثر. أي أنّ الحسد لا يُضعِف العمل الصالح فحسب، بل قد يذهِب بأجره بالكامل، لأنّه: اعتراضٌ خفيّ على قسمة الله، سخطٌ قلبيّ على نعمٍ لم يملكها الإنسان وموقفٌ نفسيّ يضع صاحبه في خصومة مع حكمة الله وعدله فالحاسد يقول بلسان حاله: لماذا أُعطي غيري وحُرِمت؟

وهذا السؤال في جوهره طعنٌ في التدبير الإلهي، وإن لم يُنطَق به.

 الحسد… مرضُ القلب لا العين، كثيرون يظنّون أنّ الحسد مجرّد شعورٍ عابر، أو غيرةٍ طبيعية، لكن الإمام (عليه السلام) يكشف أنّه مرض قلبيّ عقائديّ السقوط. فالحسد: يبدأ فكرة ثم يتحوّل شعورًا ثم موقفًا ثم سلوكًا ثم خرابًا داخليًا وقد يحسد الإنسان وهو يصلّي، أو يصوم، أو يخدم الدين، فيجتمع العمل الصالح مع قلبٍ ملوّث، فيكون الحسد كالنار التي تأكل الحطب مهما كان نافعًا.

 لماذا يمحو الحسد الحسنات؟ لأنّ الحسنات لا تُقاس بالشكل، بل بالنيّة وصفاء القلب. والحسد يفسد النيّة من جذورها، إذ يُدخل: الكِبر والأنانية والاعتراض والبغضاء، وقد ورد في المعنى عن أهل البيت (عليهم السلام) أنّ: الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب، فكيف تبقى الحسنات مع قلبٍ يحترق؟ 

الحسد في ميزان القرآن والعترة

القرآن الكريم حذّر من الحسد، وجعله دافعًا لأعظم الجرائم، كما في قصّة قابيل وهابيل، حيث كان الحسد أوّل دافع لسفك الدم، وأهل البيت (عليهم السلام) شدّدوا على خطره، لأنّ الحسد لا يقف عند حدود القلب، بل ينعكس: كلامًا جارحًا، تشويهًا، شماتة، أو فرحًا بزوال النعمة وهنا يتحوّل من ذنبٍ قلبيّ إلى ذنوبٍ سلوكية مضاعفة، فتتسارع عملية محو الحسنات.

آثار الحسد على صاحبه

الإمام الهادي (عليه السلام) حين حذّر من الحسد، كان يرحم الإنسان من نتائجه، ومنها: القلق الدائم: لأنّ نعم الناس لا تنتهي، عدم الرضا: فلا يذوق طعم الشكر، العمى عن النِعم: يرى ما عند غيره ولا يرى ما عنده، سقوط الروح: لأنّ الحسد يعيش على المقارنة لا القناعة، الفقر المعنوي: ولو ملك الدنيا.

كيف نعالج الحسد؟ العلاج ليس بالكتمان فقط، بل بالتزكية: تذكّر أنّ الأرزاق مقسومة بحكمة

اليقين بأنّ فضل الله واسع، لا ينقص بعطاء، الدعاء لمن تحسده (وهو أصعب الدواء لكنه أنجعه)، الاشتغال بإصلاح النفس بدل مراقبة الآخرين، الاقتداء بأخلاق أهل البيت (عليهم السلام) في الرضا والتسليم، قول الإمام علي الهادي (عليه السلام): (الحسد ماحي الحسنات) ليس تهديدًا فقط، بل إنقاذٌ مبكّر. إنّه يدعونا أن نحفظ قلوبنا، لأنّ الله لا ينظر إلى كثرة الأعمال، بل إلى سلامة الصدر. فطوبى لقلبٍ نظيف، يرى النعمة عند غيره فيحمد الله، لا يحترق. فالحسنات تُكتَب بالأعمال، لكنّها تُحفَظ بالقلوب.

اضف تعليق