العراق الذي كان عبر التاريخ أرض النخيل والبساتين، لا يليق به أن يستسلم للتصحر والقحط البيئي. وما نحتاجه اليوم ليس انتظار مشروع حكومي ضخم فحسب، بل إطلاق إرادة شعبية خضراء؛ فالأوطان لا تُبنى بالقوانين والموازنات وحدها، بل تبنى بأيدي مواطنيها، وبإيمانهم بأن غرس شجرة اليوم هو هدية محبة إلى العراق الذي نريده أكثر جمالاً وحياة...

لا يحتاج العراقيون اليوم إلى من يشرح لهم قسوة الصيف، ولا إلى من يصف لهم ما يتركه التصحر والغبار وارتفاع درجات الحرارة من آثار على حياتهم وصحتهم وبيئتهم. فهذه الوقائع أصبحت جزءاً من المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن في المدن والقرى على حد سواء. غير أن ما يحتاجه العراق حقاً هو أن تتحول هذه المعاناة إلى وعي بيئي عام، وأن يتحول هذا الوعي إلى سلوك اجتماعي دائم، تكون فيه زراعة الأشجار جزءاً من ثقافة المواطن وواجباً أخلاقياً ووطنياً تجاه بلده وأجياله القادمة.

لقد أصبح التشجير في العراق ضرورة وجودية، وليس مجرد عمل تجميلي أو نشاطاً ثانوياً يمكن تأجيله. فالأشجار ليست زينة للمدن فحسب، بل هي رئة للحياة، ومصدات طبيعية للغبار والعواصف الترابية، ومخففات لدرجات الحرارة، ومصدر لتحسين نوعية الهواء، ووسيلة لاستعادة شيء من التوازن البيئي الذي تعرض خلال العقود الماضية إلى أضرار جسيمة.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى تشجير العراق ينبغي ألا تبقى مقتصرة على المؤسسات الحكومية، على أهمية دورها، بل يجب أن تتحول إلى حملة مجتمعية وطنية واسعة يشارك فيها الجميع: الأسر، والطلبة، والموظفون، وأصحاب المحال التجارية، ومنظمات المجتمع المدني، والمدارس والجامعات، والعتبات الدينية، والبلديات، ووسائل الإعلام.

إن أبسط مساهمة يمكن أن يقدمها المواطن هي زراعة شجرة أو شجرتين أمام منزله، أو في الرصيف الملاصق لبيته، أو في قطعة أرض مهملة في حيه السكني، مع الالتزام بسقيها والعناية بها. ولو أن ملايين العراقيين قاموا بهذه المبادرة البسيطة، لتحولت مدن العراق خلال سنوات قليلة إلى فضاءات أكثر خضرة وجمالاً وقدرة على مقاومة آثار التغير المناخي.

وأستذكر في هذه المناسبة التجربة التي شهدها العراق عام 2011 عندما أطلقت، خلال فترة رئاستي لشبكة الإعلام العراقي، حملة وطنية للتشجير، فوجدت تجاوباً واسعاً من المواطنين والمؤسسات، وأظهرت تلك التجربة أن العراقيين يمتلكون استعداداً كبيراً للمشاركة في المبادرات التي تخدم الصالح العام متى ما شعروا بجدواها وصدق أهدافها.

إن العراق الذي كان عبر التاريخ أرض النخيل والبساتين والأنهار، لا يليق به أن يستسلم للتصحر والقحط البيئي. وما نحتاجه اليوم ليس انتظار مشروع حكومي ضخم فحسب، بل إطلاق إرادة شعبية خضراء، تؤمن بأن كل شجرة تُزرع هي استثمار في صحة الإنسان، وجمال المدينة، وراحة الأجيال القادمة.

فلنجعل من تشجير العراق مشروعاً وطنياً دائماً، ولتكن لكل عائلة عراقية شجرة تحمل اسمها، ولكل حيٍّ سكني مبادرة خضراء، ولكل مواطن إسهام، مهما كان متواضعاً، في إعادة اللون الأخضر إلى أرض الرافدين.

إن الأوطان لا تُبنى بالقوانين والموازنات وحدها، بل تبنى أيضاً بأيدي مواطنيها، وبإيمانهم بأن غرس شجرة اليوم هو هدية محبة إلى العراق الذي نريده أكثر جمالاً وحياةً وطمأنينة.

اضف تعليق