إن الشرط المسبق لإنقاذ الديمقراطية ليس مكافحة الفساد، بل وجود ديمقراطيين حقيقيين يقودون هذه المهمة. فإذا تحقق هذا الشرط، أصبحت مكافحة الفساد بدايةً لاستعادة ثقة المواطنين، أما إذا غاب، فإن الفساد قد يتراجع في مكان ليعود في مكان آخر، بينما تستمر أزمة الثقة، ويستمر عزوف الناخبين عن المشاركة السياسية...
يُطرح اليوم سؤال مهم: هل يبدأ إنقاذ العملية الديمقراطية من مكافحة الفساد، أم أن عزوف الناخبين أصبح أعمق من أن تعالجه الإجراءات الحكومية؟
يبدو للوهلة الأولى أن الجواب واضح، فاستشراء الفساد هو أحد أهم أسباب فقدان ثقة المواطنين بالعملية السياسية. لكنني أعتقد أن هناك شرطًا يسبق مكافحة الفساد نفسها، وهو أن يكون القائمون على هذه المهمة ديمقراطيين حقيقيين.
فمكافحة الفساد ليست مجرد إجراءات إدارية أو قضائية، بل هي فعل سياسي وأخلاقي. وإذا لم يؤمن من يتولاها بالديمقراطية، وبسيادة القانون، وباستقلال القضاء، وبالمساواة بين المواطنين، فإن مكافحة الفساد قد تتحول إلى وسيلة لتصفية الخصوم السياسيين، أو إلى أداة لتعزيز نفوذ السلطة، بدلاً من أن تكون مشروعًا لبناء الدولة.
لهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل نكافح الفساد أولًا؟ وإنما: من الذي يكافح الفساد؟ وما هي القيم التي تحكم هذه العملية؟
إن الديمقراطي الحقيقي لا يرى السلطة غنيمة، وإنما مسؤولية. ولا يستخدم القانون ضد خصومه، بل يخضع له قبل غيره. وعندما يقود مثل هذا الإنسان مشروع مكافحة الفساد، فإنه يعيد بناء ثقة المواطن بالدولة، ويجعل الانتخابات وسيلة حقيقية للتغيير، لا مجرد آلية لإعادة إنتاج النخبة نفسها.
أما إذا بقيت عقلية إدارة السلطة هي الحاكمة، فإن أكثر حملات مكافحة الفساد صخبًا قد تتحول إلى جزء من الصراع السياسي، ولن تؤدي إلى استعادة ثقة الناخبين، لأن المواطنين يميزون بين العدالة وبين الانتقائية، وبين الإصلاح الحقيقي وبين استخدام شعار مكافحة الفساد لتحقيق مكاسب سياسية.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، وإنما منظومة قيم ومؤسسات وسلوك سياسي. ولذلك فإن إنقاذ العملية الديمقراطية يبدأ بوجود نخب تؤمن حقًا بالديمقراطية، ثم تجعل من مكافحة الفساد تطبيقًا لهذه القيم، لا وسيلة للهيمنة.
إن الشرط المسبق لإنقاذ الديمقراطية ليس مكافحة الفساد، بل وجود ديمقراطيين حقيقيين يقودون هذه المهمة. فإذا تحقق هذا الشرط، أصبحت مكافحة الفساد بدايةً لاستعادة ثقة المواطنين، أما إذا غاب، فإن الفساد قد يتراجع في مكان ليعود في مكان آخر، بينما تستمر أزمة الثقة، ويستمر عزوف الناخبين عن المشاركة السياسية.



اضف تعليق