بقلم: هدير الحضري

في أغسطس الماضي، كانت سكينة بيبي تعيش في منزلها بمنطقة "دادو" في إقليم السند في باكستان عندما ضربت الفيضانات القاسية بلدتها، فجأةً غمرت المياه منزلها وأصابها الفزع وهي تحاول التحرك ببطنها المتثاقل الذي يحمل جنينًا عمره ستة أشهر، أمسكت بيد ابنتها ذات العامين وزوجها وهُرعوا خارج المنزل في محاولة للنجاة.

شاركت سكينة وعائلتها عشرات العائلات الأخرى في مخيم خُصص للنازحين في "دادو"، ولم تعرف أيّهما يجب أن تحزن لأجله أكثر؟ غرق منزلها وتدمير حياتها أم اقتراب موعد ولادتها في ظل غياب الخدمات الصحية التي دمرتها الفيضانات وغياب الأطباء المدربين؟ وفقًا لحديثها مع "للعلم".

سكينة واحدة من آلاف الأشخاص الذين أصابتهم الآثار الصحية للكارثة المناخية التي ألمت بباكستان، ومنهم شارجيل بالوش، الذي يعيش في منطقة جيلماجسي في بلوشستان؛ إذ غرق منزله بعدما تعرضت المنطقة لأمطار غزيرة استمرت أسبوعًا.

بعد فترة وجيزة من الفيضانات، انتشرت الأمراض التي تصفها منظمة الصحة العالمية بأنها "حساسة لتغير المناخ"، مثل الملاريا والكوليرا، وبعد مرور أسبوع فقد شارجيل ابنه الأكبر "علي" بسبب الملاريا بعدما تعذَّر عليه الوصول إلى الخدمات الطبية بسبب انهيار المرافق الصحية، وفي نهاية سبتمبر الماضي فقد ابنه الأصغر "سميع الله" بسبب الملاريا أيضًا.

وفقًا للأمم المتحدة، توفي 1,700 شخص نتيجة الفيضانات المدمرة التي اجتاحت ثلث باكستان، حتى كتابة هذا التقرير، ولا يزال ملايين الأشخاص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، من بينهم 130 ألف سيدة حامل.

ووجد تقرير جديد نشرته مجلة "ذا لانسيت الطبية"، في 25 أكتوبر الماضي، بعنوان "الصحة تحت رحمة الوقود الأحفوري"، أن الظواهر المناخية المتطرفة في 2022 أحدثت دمارًا في العالم كله وزادت الضغط على الخدمات الصحية، وأن التمويل المخصص لدعم التكيف الصحي مع آثار تغير المناخ لا يزال غير كافٍ.

عمل على إعداد التقرير 99 باحثًا من 51 مؤسسة مختلفة، منها منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، بقيادة كلية لندن الجامعية، ورصد التقرير الذي أجرى تحليلًا في 103 من البلدان أن تأثر المحاصيل الزراعية بالتغيرات المناخية أثر بالتبعية على سلاسل التوريد، وزاد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وارتبط بزيادة قدرها 98 مليون شخص إضافي يعانون انعدام الأمن الغذائي في 2020، مقارنةً بالسنوات ما بين 1981- 2010، ووجد التقرير أيضًا أن الوفيات المرتبطة بالحرارة للأشخاص الأكبر من 65 عامًا زادت بحوالي 68٪ في الفترة ما بين عامي 2017 و2021 مقارنةً بالفترة 2000-2004، كما رصد انتشارًا للأمراض المعدية مثل الملاريا وحمى الضنك في بعض المناطق.

الدكتورة مارينا رومانيللو، المؤلف الرئيسي للتقرير، قالت في مقابلة مع "للعلم" إنهم استخدموا بيانات عديدة للخروج بنتائج التقرير، بعضها من دراسات الأمم المتحدة، وبعضها من المراكز البحثية للجامعات، والعديد من المؤسسات الأخرى.

وتابعت أن الدول ذات الدخل المنخفض كان لديها إمكانيات أقل للتعامل مع الآثار الصحية لأزمة التغير المناخي، وبالتالي كانت الأكثر هشاشةً وضعفًا في مواجهتها، ومع ذلك شملت الآثار الصحية كل دول العالم، إذ لم يفلت أحد.

وأضافت: "تغير المناخ يؤثر على الصحة بطرق مختلفة، الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والطعام الذي نتناوله، وظهور الأمراض الحساسة للمناخ، كما يؤثر على الصحة النفسية، لذا نحتاج في مؤتمر "كوب 27" إلى منح الأولوية للاستجابة للأزمات الصحية التي ينتجها تغير المناخ، والانتقال إلى الطاقة المتجددة ووقف تمويل الوقود الأحفوري، وتوجيه الدعم نحو العائلات التي تعاني من آثار تغير المناخ، وأيضًا يجب توجيه الدعم إلى قطاع الصحة في البلدان المختلفة، الذي يعاني بالفعل في مواجهة جائحة كوفيد- 19".

وتسببت الظواهر الجوية المتطرفة خلال عامي 2021 و2022 في حدوث أشكال متباينة من الدمار في كل قارات العالم، مما زاد الضغط على الخدمات الصحية التي تتصارع بالفعل مع آثار جائحة كوفيد- 19، تسببت الفيضانات في أستراليا والبرازيل والصين وأوروبا الغربية وماليزيا وباكستان وجنوب إفريقيا وجنوب السودان في مقتل آلاف الأشخاص وتشريد مئات الآلاف من الأشخاص، وتسببت في خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات، كما تسببت حرائق الغابات في أشكال متعددة من الدمار في كندا والولايات المتحدة الأمريكية واليونان والجزائر وإيطاليا وإسبانيا وتركيا، وسجلت درجات حرارة قياسية في العديد من البلدان، ومنها أستراليا وكندا والهند وإيطاليا وعمان وتركيا وباكستان والمملكة المتحدة.

في السياق ذاته، علّقت الدكتورة جيني ميللر، المدير التنفيذي للتحالف العالمي للمناخ والصحة، وهي جهة لم تشارك في التقرير، بقولها: "هذا التقرير يكشف أن الأزمة المناخية الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري تؤدي إلى تفاقُم آثار جائحة كوفيد- 19، وتُضاعف التحديات الاقتصادية العالمية الحالية، وتترك آثارًا مدمرة على صحة الناس في جميع أنحاء العالم".

وأضافت خلال مقابلة مع "للعلم" أن البلدان النامية هي الأكثر تأثرًا من تغير المناخ؛ لأنها تعاني من انخفاض الدخل ومستوى المعيشة في الوقت الذي تتسبب فيه موجات الحرارة في تقليل دخل الأسرة، لأنها تؤثر على إنتاجية العمال، وتؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتدمير المحاصيل الزراعية، كما تضر الفيضانات والعواصف بالمستشفيات ومرافق الرعاية الصحية الأخرى التي تمثل خطوط الدفاع الأولى للأوبئة وغيرها من القضايا الصحية، وتابعت: "هذه التأثيرات محسوسة بشدة في البلدان النامية، مع وجود أعداد كبيرة من العاملين في الهواء الطلق الذين قد يتعرضون لموجات الحر والتلوث، ومع وجود مخاطر أخرى يتعرض لها السكان مثل الجوع والمعاناة الصحية في ظل وجود نظم صحية هشة".

وتؤدي الخسائر الاقتصادية المرتبطة بتأثيرات تغير المناخ إلى زيادة الضغط على الأسر والاقتصادات التي تواجه بالفعل تحديات مع الآثار الناتجة عن وباء كوفيد -19 وأزمات ارتفاع تكلفة المعيشة وأسعار الطاقة، مما يزيد من تقويض المحدِّدات الاجتماعية والاقتصادية التي تعتمد عليها الصحة الجيدة، فقد أدى التعرض للحرارة إلى فقدان 470 مليار ساعة عمل محتملة على مستوى العالم في عام 2021، مع خسائر محتملة في الدخل تعادل 0.72٪ من الناتج الاقتصادي العالمي، وزيادة إلى 5- 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي في مؤشر التنمية البشرية، حيث يكون العمال أكثر تعرُّضًا لآثار التقلبات المالية، وفي الوقت نفسه، تسببت الظواهر الجوية المتطرفة في أضرار بلغت قيمتها 253 مليار دولار أمريكي في عام 2021، لا سيما في البلدان ذات مؤشر التنمية البشرية المنخفض حيث لم يتم التأمين على أيٍّ من تلك الخسائر تقريبًا.

وهو ما دعا "ميللر" لتؤكد أنه يجب على الحكومات في "كوب 27" إعادة الالتزام بالتخلص التدريجي والتام من الوقود الأحفوري؛ لوقف الاحتباس الحراري الكارثي والدمار الذي يحدث للناس في جميع أنحاء العالم، في حين يجب على البلدان ذات الدخل المرتفع تزويد البلدان النامية بالدعم المالي والتقني اللازم لتوفير الوصول العادل إلى الطاقة النظيفة التي تحتاج إليها شعوبهم، متابِعة: "التقرير وجد أن البلدان منخفضة الدخل لا تستطيع اللحاق بمسار التحول إلى الطاقة النظيفة، في الوقت نفسه تستغل شركات الوقود الأحفوري الوضع الحالي لتحقيق أرباح قياسية، في حين تحتاج البلدان النامية إلى الدعم المالي لتحسين قدرتها على الصمود في مواجهة تغير المناخ، والاستجابة للتأثيرات التي تعاني منها بالفعل".

وأضافت أن الدول المصدرة للانبعاثات عليها إنشاء عملية واضحة لتمويل "الخسائر والأضرار" في البلدان النامية، كما أن عليها الوفاء بهدف تمويل المناخ العالمي الذي طال انتظاره وهو 100 مليار دولار، وتعويض النقص في ما تم تسليمه بين عامي 2020 و2021، مع تخصيص نصف هذا التمويل للتكيف مع المناخ.

وعلّقت: "يجب على المفاوضين في كوب 27 دمج المقاييس الصحية ضمن الهدف العالمي للتكيف، هذا إجراء مناخي واضح وفوري يمكن للحكومات أن تتخذه لحماية صحة الناس ورفاههم".

أمّا بابا والي أوباياجو، أحد المسؤولين عن حملة "وقف تمويل الوقود الأحفوري" التي شاركت خلال مؤتمر كوب 27 بعدد من الفعاليات خلال الجناح المخصص لها، فقال: إن برنامج الأمم المتحدة للبيئة وجد في دراسة العام الماضي أن كل دولار تتعهد الدول المصدرة للانبعاثات بمنحه للدول النامية للتصدي لآثار تغير المناخ يقابله أربعة دولارات يتم إنفاقها على دعم الوقود الأحفوري الذي يُعد السبب الرئيسي لأزمة المناخ، ولكل الآثار الصحية المرتبطة بها، وتابع في تصريحات لـ"للعلم": "أنا أعيش في نيجيريا، وبسبب تمويل الوقود الأحفوري وتغيرات المناخ ينتشر الجوع والآثار الكارثية، ما من حل سوى إغلاق نافذة الوقود الأحفوري، إنه يقتل الناس ويفتك بالناس في المجتمعات الأشد فقرًا".

اضف تعليق