بقلم: زيك هاوسفاذر، وفرانسيس سي. مور

سوف تتحدَّد تأثيرات التغير المناخي على الحضارة الإنسانية والعالم الطبيعي بمقدار الارتفاع في درجة حرارة الكوكب، خلال الفترة المتبقية من القرن الحالي بصفةٍ خاصة. وهذا المقدار يعتمد على مسألتين مبهمَتين مرتبطتين به: كيف يستجيب النظام المناخي الطبيعي لغازات الدفيئة؟ وما حجم غازات الدفيئة التي سوف تُبَثُّ في الغلاف الجوي من جرَّاء الأنشطة البشرية؟ وفي بحثٍ نُشِر مؤخرًا بدورية Nature، أفاد الباحث ميلته ماينسهاوزن وزملاؤه1 بأنَّ التعهدات التي قطعتها دول العالم للحد من الانبعاثات على المدى الطويل يمكن أن تحد من مقدار الزيادة في درجة حرارة الكوكب عن معدلات ما قبل الثورة الصناعية، بحيث لا تتجاوز الزيادة حاجز الدرجتين المئويتين. لكن علينا أن نتريَّث في التعامل مع هذه التوقعات المتفائلة، حتى تُدعَّم تلك التعهدات بتدابير قصيرة الأجل، تتسم بقدرٍ أكبر من الصرامة.

قبل عقدٍ من الزمن، بدا أن العالَم مُقبِل على مستقبلٍ مناخي حالِك؛ إذ رأى كثيرٌ من الباحثين أنَّ استمرار الوضع القائم من المحتمل أن يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة في عام 2100، قياسًا إلى معدلات ما قبل الثورة الصناعية، بأربع أو خمس درجات مئوية2. لكنَّ العالم صار اليوم مكانًا مختلفًا؛ فقد تباطأت الزيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بدرجةٍ ملحوظة على مدار العقد الماضي3، ومن المتوقَّع أن تثبُت مستويات الانبعاثات خلال السنوات القادمة، في ظل السياسات والتعهدات الحالية4.

وبينما تفترض سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة أنَّ الفحم سيتصدَّر مصادر إنتاج الطاقة في القرن الحادي والعشرين، يُلاحَظ أنَّ استخدامه على مستوى العالم لم يَزِد منذ عام 2013؛ بل وترجِّح الوكالة الدولية للطاقة انخفاض معدلات استخدامه على مدار الفترة المتبقية من القرن الحالي4. وإضافةً إلى هذا، أصبحتْ مصادر الطاقة النظيفة رخيصة التكلفة؛ إذ انخفضتْ تكاليف الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة في البطاريات إلى أقل من ثُمن ما كانت عليه عام 20105.

تزامنتْ هذه التطورات في أسواق الطاقة وتقنياتها مع ارتفاع سقف الطموحات فيما يتعلق بالسياسات المناخية: المُطبَّقة بالفعل، أو المُزمع تطبيقها. فبموجب اتفاقية باريس للمناخ، الموقَّعة عام 2015، بدأتْ دول العالم في إعلان السياسات المناخية التي تعتزم تنفيذها، والتي تُعرَف باسم المساهمات المُحدَّدة وطنيًا (NDCs). ورغم أنَّ الجولة الأولى من تلك المساهمات قَصَرَتْ دون الوفاء بهدف الاتفاقية، المتمثِّل في الحد من الاحترار العالمي بحيث يبقى مقدار الزيادة في الحرارة دون حاجز الدرجتين6، فقد قصدَتْ الاتفاقية دائمًا إلى التدرُّج في رفع سقف الطموحات، عن طريق جولاتٍ متتالية من تلك المساهمات التي تحدِّثها البلدان كل خمس سنوات.

في بحثهم، يوضح ماينسهاوزن وفريقه أنَّ هذا المقصد قد تحقق، جزئيًا على الأقل؛ فقد ارتفع سقف طموحات أهداف خفض الانبعاثات باطراد مع مرور الوقت. شهد العامان الأخيران تعهُّدَ عددٍ كبير من الدول على المدى الطويل بخفض صافي انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون أو غازات الدفيئة وصولًا إلى الصفر (أي تعمل تلك البلدان على الخصم من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، أو إزالتها، بمقدارٍ يساوي كمية الانبعاثات الناجمة عن النشاط البشري لديها) بحلول عام 2050، أو 2060، أو 2070. وهكذا، أصبحتْ تلك التعهدات، التي قطعتها 76 دولة، تغطي 75% على الأقل من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية1.

درس المؤلفون في بحثهم التعهدات قصيرة الأجل وطويلة الأجل، التي قطعتها الدول العامَ الماضي في الجولة الثانية من المساهمات المُحدَّدة وطنيًا، قبل المؤتمر السادس والعشرين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، المعروف اختصارًا بمؤتمر «كوب26» COP26، الذي انعقد في مدينة جلاسجو بالمملكة المتحدة عام 2021. خلَصَ التحليل الذي أجراه الباحثون إلى أنَّه إذا نُفِّذَتْ تلك التعهدات بالكامل، فسوف تتيح فرصةً جيدة للحد من الزيادة في درجات الحرارة العالمية عن معدلات ما قبل الثورة الصناعية، بحيث لا تتجاوز تلك الزيادة درجتين مئويتين. وعند الجمع بين تلك التعهدات وبين التقديرات الصادرة على مدار السنوات الثلاث الماضية6-16 (التي نستعرضها في الشكل 1)، فإنَّها تعطينا صورةً أوضح كثيرًا لما يمكن أن يكون عليه مستقبلنا المناخي.

لنا، بالطبع، أن نستبشر بالطموح الذي تحمله تلك التعهدات طويلة الأجل (بتصفير صافي الانبعاثات) التي قطعتها الدول في السنوات الماضية، لكن ما زالت هناك شكوكٌ فيما إذا كانت الحكومات تُحقِّق التقدم اللازم لتنفيذ هذه التعهدات. فمن السهل أن نضع أهدافًا مناخية طموحة، تتحقَّق بعد ثلاثين عامًا، أو أربعين أو حتى خمسين، لكنَّ الصعوبة كلَّ الصعوبة في تنفيذ سياساتٍ يمكنها أن تسهم في تحويل دفَّة أنظمة الطاقة، بما يجعل مستقبلنا أكثر استدامة. لنا، بعبارةٍ أخرى، أن ننظر بعين الرِّيبة إلى مثل هذه الأهداف طويلة المدى، إذا لم تَكُن مؤيَّدةً بتعهداتٍ قصيرة الأجل، تضع الدول على المسار اللازم لتحقيق تلك الأهداف في العقد القادم.

إذا وضَعْنا التقديرات الحالية في مقارنةٍ مع سيناريوهات الاحترار لعام 2100، لوجدنا سببًا وجيهًا للتعامل بحذر مع تلك التعهدات المناخية طويلة الأجل. فالقيم الوسيطة لتقديراتنا لمعدلات الاحترار لعام 2100 ما زالت أعلى كثيرًا من هدف الدرجتين المئويتين، سواءٌ أكانت تقديرات مبنية على السياسات الحالية (تبلغ حوالي 2.6 درجة مئوية، ويتراوح مداها بين درجتين مئويتين و3.7 درجة)6-14، أم تقديرات مبنية على التعهدات قصيرة الأجل الخاصة بالمساهمات المُحدَّدة وطنيًا لعام 2030 (تبلغ حوالي 2.4 درجة، ويتراوح مداها بين 1.8 و3.4 درجة)9،8،6، 11-13. كما أنَّ العوامل غير المحسومة، أو الخاضعة للتغيُّر، في النظام المناخي تُصعِّب علينا أن نستبعد تمامًا احتمالية ارتفاع درجات الحرارة العالمية بأربع درجات مئوية أو أكثر خلال القرن الحالي، ما لم ننجح في خفض الانبعاثات6.

ومن الضروري أن ندرك أنَّ السياسات والتعهدات الحالية لا تعكس بالضرورة الحد الأقصى لمعدلات الانبعاثات المستقبلية. صحيحٌ أنَّ هناك أسبابًا يمكن أن نبني عليها في رفع سقف طموحات السياسات المناخية بمرور الوقت16، لكن، كما يتضح من الأحداث الجارية، من الخطأ أن نستبعد ظهور نعراتٍ قومية في المستقبل، تُصعِّب التعاون العالمي، وتؤدي إلى زيادة الاعتماد على موارد الوقود الأحفوري المحلية، وما يستتبع ذلك من زيادةٍ في الانبعاثات17.

زِد على ذلك أنْ ليس هناك ما يضمن أن تفي الدول بتعهداتها المتعلقة بالمساهمات المُحدَّدة وطنيًا لعام 2030. ففي تقديراتٍ نُشِرَت العام الماضي، توقَّع العلماء أنَّ مجموعة العشرين، التي تضم البلدان صاحبة أكبر 20 اقتصادًا على مستوى العالم، لن تقدر على تحقيق مساهماتها المبدئية لعام 2030، المقدَّرة بنحو 1.1 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا6. ورغم أنَّ سيناريو ارتفاع درجات الحرارة العالمية في عام 2100، عن معدلات ما قبل الثورة الصناعية، بواقع 2.4 أو حتى 2.6 درجة مئوية، يُعد أفضل كثيرًا من سيناريو ارتفاعها بمقدار 4 أو 5 درجات مئوية، فإن هذا السيناريو المتفائل بحد ذاته قد يجلب آثارًا كارثية على بعض النظم البشرية والطبيعية18.

ومما يدعو إلى الأسف أنه، بمرور الوقت، تتأكد صعوبة تحقيق هدف اتفاقية باريس (إبقاء معدلات الاحترار عند مستوى 1.5 درجة مئوية6). فقد ارتفعتْ درجات الحرارة العالمية بالفعل بنحو 1.2 درجة مئوية منذ أواخر القرن التاسع عشر19، وكما يوضح ماينسهاوزن وزملاؤه1، فإنَّ فرصة بلوغ هدف اتفاقية باريس، في حالة وفاء البلدان بتعهداتها الحالية، التي تستهدف الوصول بصافي الانبعاثات إلى مستوى الصفر، باتت لا تزيد على 6-10%.

وإذا قلَّبنا النظر في الدراسات الكثيرة التي تعتمد طرقًا مختلفة للنمذجة، لأمكن الاستناد إليها، مجتمعةً، في رسم سيناريوهات الاحترار المُرجَّحة لما تبقَّى من القرن الحادي والعشرين، لنخلُص منها بتوقعاتٍ أوضح لمستقبلنا المناخي. ومن شأن هذا أن يساعدنا على التفكير في استجاباتٍ عملية للتأثيرات المناخية. ورغم أنَّ هناك عوامل مهمة ما زالت مبهَمة، فإنَّ تكوين صورة أشمل وأعمق للسيناريوهات المناخية المستقبلية، والمفاضلة بينها من حيث مدى قابليتها للتحقُّق، يُساعِد صانعي السياسات، وكذا الجهات التي تقوم على وضع استراتيجيات التكيف المناخي، على أن يعدُّوا العُدَّة للتغيرات القادمة. وهذا قد يُعيننا أيضًا على تحديد الدرجة التي علينا أن نُعزِّز بها تعهدات الانبعاثات في المستقبل، والتي من شأنها أن تؤهلنا لتدارُك الاحترار الزائد، الناجم عن إخفاقنا في تحقيق هدف إبقاء الاحترار العالمي عند مستوى 1.5 درجة مئوية خلال هذا القرن، وهو الإخفاق الذي تتعاظم احتمالات تحقُّقه مع مرور الوقت.

اضف تعليق