جيفري د. ساكس

 

نيويورك ــ إن استراتيجية العمل الحالية التي تنتهجها شركة إكسون موبيل تعرض مساهميها والعالم للخطر. وقد ذُكِّرنا بهذا مرة أخرى في تقرير صادر عن لجنة القطب الشمالي التابعة لمجلس البترول الوطني، الذي يترأسه ريكس تيلرسون المدير التنفيذي لشركة إكسون موبيل. يدعو التقرير حكومة الولايات المتحدة إلى المضي قدماً في التنقيب عن النفط والغاز في القطب الشمالي ــ من دون أن يورد أي ذِكر للعواقب المتعلقة بتغير المناخ.

وفي حين بدأت شركات نفطية أخرى تتحدث صراحة وبشكل مباشر عن تغير المناخ، يستمر نموذج عمل شركة إكسون موبيل في إنكار الواقع. وهذا النهج ليس باطلاً من الناحية الأخلاقية فحسب؛ بل إنه محكوم عليه بالفشل مالياً أيضا.

كان عام 2014 هو الأكثر سخونة على الإطلاق في التاريخ المسجل بالأدوات، وهذه تذكرة كئيبة بالمخاطر التي تحيط بمفاوضات تغير المناخ هذا العام، والتي ستتوج في باريس في ديسمبر/كانون الأول. فقد اتفقت حكومات العالم على إبقاء الارتفاع في درجات الحرارة نتيجة لأنشطة بشرية عند مستوى أقل من درجتين مئويتين. ومع هذا فإن المسار الحالي يشير ضمناً إلى ارتفاع في درجات الحرارة يتجاوز هذا الحد كثيرا، بل وربما يصل إلى أربع إلى ست درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن. والحل، بطبيعة الحال، يتلخص في التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المنخفضة الكربون مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وإلى السيارات الكهربائية التي تعمل بالكهرباء المنخفضة الكربون.

الواقع أن العديد من أكبر شركات النفط في العالم بدأت تعترف بهذه الحقيقية. وتدعو شركات مثل توتال، وإيني، وستات أويل، وشِل إلى تحديد سعر للكربون (مثل ضريبة أو نظام للتصاريح) للتعجيل بالانتقال إلى الطاقة المنخفضة الكربون، كما بدأت الإعداد داخلياً لذلك. وقد زادت شركة شِل من استثماراتها في تكنولوجيا احتجاز الكربون وتخزينه، لاختبار إمكانية جعل استخدام الوقود الأحفوري أماناً باحتجاز ثاني أكسيد الكربون الذي كان لينبعث إلى الغلاف الجوي لولا ذلك.

ولا يعني هذا أن كل شيء متفق عليه مع هذه الشركات؛ فقد وعدت بعرض مواقفها وسياساتها في التعامل مع قضية المناخ قبل انعقاد قمة المناخ هذا العام. ولكنها على الأقل تتحدث عن تغير المناخ وبدأت في مواجهة ظروف السوق الجديدة البعيدة الأمد. ولكن من المؤسف أن الأمر مختلف في حالة إكسون موبيل.

إن إدارة الشركة، التي أعمتها سلطتها السياسية الهائلة، تتصرف بتجاهل متعمد للواقع العالمي المتغير. فهي تعيش في شرنقة جماعات الضغط في واشنطن والمستشارين السياسيين الذين أقنعوا قادة الشركة بأن مخاطر العمل المترتبة على تغير المناخ أُبطِلَت بعض الشيء بشكل أو آخر لأن مجلس الشيوخ الأميركي الحالي أصبح بين أيدي الجمهوريين، وأن العالم لن يتغير بدونها أو على الرغم منها.

ومن ناحية أخرى، فإن إكسون موبيل ليست فاعلاً هامشياً في الدراما الكوكبية. فهي واحدة من الأطراف الرئيسية في هذا الأمر. فوفقاً لدراسة ترجع إلى عام 2013، تأتي إكسون موبيل في المرتبة الثانية بين شركات العالم، بعد شيفرون فقط، من حيث مجموع مساهماتها في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. بل إن الدراسة توصلت إلى أن هذه الشركة منفردة ساهمت بأكثر من 3% من إجمالي الانبعاثات العالمية منذ بداية عصر الوقود الأحفوري.

ماذا تستطيع شركة إكسون موبيل أن تقول إذن عن الواقع المناخي الجديد؟ وكيف توفق بين سياساتها الشركاتية وبين احتياجات كوكب الأرض؟

ومن المؤسف أن الشركة تتفادى هذه القضية بشكل أساسي. فعندما يُطلَب منها من قِبَل محللين مستقلين مثل كربون تراكر أن تصرح بخططها بشأن المواءمة بين عمليات الحفر التي تجري على قدم وساق وبين الحدود الكوكبية المفروضة على استخدام الوقود الأحفوري للحفاظ على عتبة تغير المناخ التي تقضي بعدم تجاوز الارتفاع في درجات الحرارة لمستوى الدرجتين المئويتين، فإنها تتجاهل الحدود. وهي تعتقد بابتهاج أن حكومات العالم لن تحترم ببساطة التزاماتها (أو أنها قادرة على ممارسة الضغوط للإفلات من ضرورة الوفاء بها).

ولهذه الأسباب، فإن أفضل البحوث العلمية الأخيرة، بما في ذلك الدراسة المهمة التي نشرت في مجلة الطبيعة هذا العام، تقدم رسالة واضحة لا لبس فيها: ضرورة الإبقاء على نفط القطب الشمالي تحت الأرض والبحار العميقة؛ إذ لن يتمكن النظام المناخي العالم من استيعاب هذا النفط بأمان.

إن العالم لديه أكثر من كفايته من احتياطيات النفط والغاز بالفعل؛ ونحن الآن في احتياج إلى التحول نحو الطاقة المنخفضة الكربون، وهجر قسم كبير من الاحتياطيات المؤكدة، بدلاً من تطويرها وفرض المزيد من التهديدات على كوكب الأرض. وعلى حد تعبير مجلة الطبيعة فإن "تطوير الموارد في القطب الشمالي، وأي زيادة في الإنتاج غير التقليدي للنفط، لا يتفق مع الجهود المبذولة للحد من ارتفاع درجات الحرارة نتيجة للانحباس الحراري العالمي بما لا يتجاوز درجتين مئويتين.

وكان هذا الموضوع ليصبح مناسباً لدراسة القطب الشمالي الصادرة عن مجلس البترول الوطني. ولكن التقرير لم يتناول قط القضية الخاصة بتحديد ما إذا كانت موارد النفط والغاز في القطب الشمالي متوافقة مع سلامة المناخ.

إن تبجح شركة إكسون موبيل لابد أن يكون شديد الإزعاج لمساهميها. إذ تخطط إدارة الشركة لإنفاق مبالغ ضخمة ــ وربما عشرات المليارات من الدولارات ــ لتطوير احتياطيات النفط والغاز في القطب الشمالي والتي لا يمكن استخدامها بأمان. وتماماً كما ساهم التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة في انخفاض كبير في أسعار النفط بالفعل، فإن سياسات المناخ التي سوف يتم تبنيها في سنوات المستقبل سوف تجعل الحفر الجديد في القطب الجنوبي إهداراً هائلاً للموارد.

إن صناديق التقاعد، والجامعات، ومجمعات التأمين، وصناديق الثروة السيادية في مختلف أنحاء العالم تتصارع مع المخاطر المتزايدة، سواء الأخلاقية أو المالية، المترتبة على امتلاك أسهم في شركات النفط والغاز والفحم. وكما شرحت أنا وليزا ساكس مؤخرا، فإن المستثمرين المسؤولين لابد أن يستعلموا على وجه السرعة عن توافق خطط المشاريع التي تتبناها هذه الشركات مع حد الدرجتين المئويتين لارتفاع درجات الحرارة.

إن خطط المشاريع التي تتضمن استثمارات في القطب الشمالي، والبحر العميق، والرمال النفطية قبالة سواحل كندا لا مكان لها في عالم يتسم بمناخ آمن. ويتعين على المستثمرين في شركة إكسون موبيل أن يستعلموا على وجه السرعة من إدارة الشركة عن استراتيجية العمل التي تتناقض مع الاحتياجات العالمية والاتفاقات السياسية. وإذا أصرت شركة إكسون موبيل على استراتيجيتها المحفوفة بالمخاطر، فينبغي للمستثمرين في الشركة أن يستنتجوا على الفور أن الوقت حان لسحب استثماراتهم والمضي قدما.

* أستاذ التنمية المستدامة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا، والمستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأهداف الإنمائية للألفية. ومن مؤلفاته كتاب نهاية الفقر والثروة المشتركة

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق