جلنا يعرف تأثير العلاقات الاقتصادية بالنظرية الاقتصادية، ومن خلال استعراضنا للمتغيرات اطرنا هذه العلاقة بالنظرية الاقتصادية التي سنوجزها بالآتي:

اختلف الاقتصاديون في رؤيتهم للنمو السكاني المتمثل بالزيادة في أعداد المواليد على عدد الوفيات وهذه الزيادة تعتبر زيادة طبيعية، فيما تتمثل الزيادة الاخرى في انتقال الأفراد من الريف الى المدينة (الهجرة السكانية). وقد اهتم الاقتصاديون في موضوع الزيادة السكانية رغم اختلاف رؤيتهم فالمتفائلون يرون في النمو السكاني انه يقود الى تحقيق النمو الاقتصادي، فيما يرى المتشائمون في الزيادة السكانية انها أساس المشاكل الاقتصادية الفقر والمجاعة والبطالة...الخ.

وقد اعتبر الاقتصاديون الكلاسيك امثال ريكاردو ومالثوس من بعده أن الزراعة غير قادرة على تلبية حاجات السكان نتيجة للغلة الزراعية وبذلك تبرز مشكلة عدم تكافؤ معدل النمو لكل منهما، فيما اوعز مالثوس مشكلة محدودية الوصول الى الرفاهية من قبل الافراد بسبب الزيادة السكانية، وركز اهتمامه على احتمالية تلك الزيادة أن تواجه خطر تناقص الغذاء وصعوبة الحصول على التعليم.

وقد ظهر تحول كامل في مشكلة السكان مع مجيء (الكينزيون) إذ أثبت هانسن في نظريته وجوب تحقيق معدل مرتفع من الزيادة السكانية. وقد تطورت نظريات السكان في الثلاثينيات من القرن الماضي عندما اتجهت الزيادة السكانية الى التراخي بما يفيد الى أن السكان لم يعودا يشكلون عاملاً موثراً بل أصبحوا عاملاً تابعاً للنمو الاقتصادي.

وكان لبعض الاقتصاديين نظرة مغايرة بالنمو السكاني أمثال ارثر لويس إذ أشار الى وجود قطاعين: الأول زراعي كثيف السكان والاخر صناعي منخفض السكان ويمكن عن طريق التطور التكنولوجي أن تنسحب العمالة من القطاع الأول الى القطاع الثاني بإتجاه زيادة السكان بما يؤدي الى التحول الهيكلي وقد أخذ نموذجه حيز كبير من اهتمام الدول النامية. ولم يخالفه الاقتصادي كولن كلارك اذ بين أن مخاوف الكلاسيك والنيوكلاسيك مبالغ فيها وأخذ نماذج من دول مختلفة بالكثافة السكانية كالهند وأيطاليا وهولندا مع ذلك هي تختلف في معدل نمو الدخل، وبذلك رجح امكانية الدولة النامية في التغلب على مشكلة الزيادة السكانية. وفي الإتجاه نفسه أكد الاقتصادي السوفيتي (ريابسكين) على إمكانية ديناميكية السكان أن تزيد من حركة الانتاج.

وبذلك تختلف نظرة الاقتصاديين لنمو معدل السكان كما يختلف في الدول النامية عنه في الدول المتقدمة إذ ترتبط البطالة وزيادة حجم الاستهلاك وبالتالي تقليص فرص الادخار والاستثمار بزيادة معدل النمو السكاني في الدول النامية، فيما تبحث الدول المتقدمة على زيادة السكان لما يعنيه ذلك من زيادة القوة العاملة.

واذا ما تمعنا في الاقتصاد العراقي نجده يعاني من التزايد السريع في النمو السكاني، وهذا ما انتجته السياسة السكانية المتبعة في فترة التسعينات التي شجعت الأنجاب لأسباب إقتصادية وعسكرية هدفها تجاوز الخسائر البشرية الناتجة عن الحروب. واختلف الوضع عما هو عليه في المدة التي تلت عام 2003 إذ لم تكن هناك سياسات سكانية ولم تشرع قوانين لتنظيم أمور الأسرة فيما يتعلق بالخصوبة لتتوافق مع زيادة نصيب الفرد من الدخل القومي، ومع ذلك حصل تزايد في اعداد السكان الذي يعزى الى ارتفاع مداخيل الأفراد التي انعكست أيجاباً نحو تحسن القطاع الصحي والمعاشي، فضلاً عن ارتفاع معدل الزواج فارتفعت معه معدلات الولادات وانخفضت معدلات الوفيات الذي قاد الى التزايد في اعداد السكان بوتائر عالية اذ بلغ عدد السكان عام 2003 (26.3) مليون نسمة لتصل الى (42.2) مليون نسمة عام 2021 بمعدل نمو سكاني يبلغ (3%) سنوياً.

وقد رافق التزايد في نمو السكان انخفاض في عدد المساكن لإيواء الافراد إذ يوجد في العراق (1.5) مليون عائلة من دون سكن، التي انزوت غالبيتها في السكن في العشوائيات جراء عدم قابلية الوحدات السكنية على استيعاب تلك الاعداد المتزايدة بسبب السياسات الخاطئة التي ولدت تخطيط حضري لا يتوافق مع أسس توسع نطاق المدن، مع ضعف التنسيق بين الخطط التنموية والهياكل الحضرية المستندة الى التخطيط العمراني.

فضلاً عن الهجرة السكانية التي حدثت بعد تغير النظام السياسي نتيجة تراجع مهنة الزراعة التي يعتاش عليها السكان في الريف، تلك الأسباب ولدت ضغطاً كبيراً على المدن التي اكتظت بالسكان ولم تعد المساكن تستوعب تلك الزيادة، كما أن تزايد متوسط نصيب الفرد من الدخل نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتزايد الصادرات النفطية للخارج الذي أسهم في تزايد الطلب على العقار، إذ شهدت السنوات الاخيرة ارتفاعاً كبيراً في أسعار العقار مما حدا بذوي الدخل المحدود الذين لا يملكون عقاراً الى السكن في العشوائيات لعدم توافق قدرتهم على تأمين أسعار ايجار العقار، وأصبحت العشوائيات مكاناً جاذباً يستقطب عدداً كبيراً من ذوي الدخل المحدود في البلد.

ان المسار الخاطئ الذي انتهجته الحكومة في خططها التنموية جعلت العشوائيات ملاذاً أمناً للسكن نتيجة عدم كفاية دخل الافراد وتزايد عدد افراد العائلة الواحدة وافتقار غالبية المدن للخدمات وسبل العيش، فضلاً عن سيطرة داعش على بعض المحافظات وتشريد غالبية الافراد من مساكنهم.

كما أن القصور الذي تواجهه الدولة في التخطيط العمراني وشرذمة قراراتها انعكس سلباً على المشكلة، وبدلاً من ايجاد حلول دائمية اتجهت نحو ايجاد مشروع قانون (معالجة التجاوزات السكنية) الذي تضمن في مسودته تمليك المساكن لشاغليها بعد عام 2003 بأسلوب البيع بالأقساط وفق شروط محددة.

واننا بهذا الصدد، نشجب كل الاصوات التي تنادي بسن هذا القانون الذي لا يتوافق مع التخطيط العمراني لاسيما وان غالبية تلك المساحات هي اراضي زراعية تعود ملكيتها للدولة تمثل حزاماً طبيعياً يطوق المدن الذي سيقود الى تجريف الاراضي الخضراء الصديقة للبيئة وضعف الوصول الى التنمية المستدامة في البلد.

وعلى ذلك نرى ضرورة إيجاد حلول جذرية وليست مؤقتة لاسيما وأن البلد في أمس الحاجة الى توسيع نطاق حزام بغداد أو تطوير المحافظات، ونرى ضرورة قيام أصحاب القرار بإجراء مراجعة موضوعية شاملة للسياسات السكانية المتبناة وتشكيل لجنة وزارية من الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة (الامانة العامة لمجلس الوزراء، التخطيط، الاسكان والبلديات والاشغال العامة، المالية، الهيئة العامة للاستثمار) تستهدف وضع خطة للإسكان من خلال التمويل بالقروض كقرض الاتفاقية الصينية لغرض إنشاء وحدات سكنية توزع وفق النسب السكانية ذات الكثافة العددية على ان تشمل أكبر عدد من محدودي الدخل من اجل تقليل معدل الفقر في العراق.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق