بقلم: جيمس جالبريث

تاونشند، فيرمونت ــ إنه لأمر مزعج بعض الشيء أن يكتب أستاذ جامعي آمن مطمئن رخي البال أن آخرين يجب أن يفقدوا وظائفهم حتى يتسنى لنا احتواء التضخم. ويُـصـبِـح الأمر أشد إزعاجا إذا أوضح أن "الحل الوحيد... هو تقييد الطلب" من خلال رفع أسعار الفائدة ــ وهو حل جيد جدا لمن يتوفر لديهم أموال نقدية سائلة. لكن اسمحوا لي بالرد على ما استند إليه جيسون فورمان من مزايا وفضائل في دعوته الأخيرة إلى تبني هذا "الحل".

يقول فورمان: "في الولايات المتحدة، بصرف النظر عن أسعار الغذاء والطاقة، كان القسم الأعظم من التضخم راجعا في الأصل إلى الطلب". الواقع أن عبارة "بصرف النظر عن" شديدة الأهمية هنا. على مدار اثني عشر شهرا حتى يونيو/حزيران 2022، ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 40% -مع ارتفاع سعر البنزين بنسبة 60% ووقود الديزل بنسبة 100%- وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 10%. وارتفعت أسعار كل شيء آخر بنسبة 5.9% فقط، ويجب أن نسلم بأن أسعار الطاقة تؤثر على أسعار كل شيء آخر. يُـذَكِّـرُنا زعم فورمان بالنكتة القديمة: "بصرف النظر عن ذلك يا سيد لينكولن، كيف كانت المسرحية؟"

لا يوجد دليل فعلي يؤكد أن الطلب، وليس التكلفة، هو الذي تسبب في زيادة أسعار المواد غير الطاقة والمواد غير الغذائية ــ وهناك أسباب وجيهة للتشكك. التكاليف تتألف من الأجور والمواد الخام بالإضافة إلى الأرباح؛ ويُـدفَع ثمن كل هذا من خلال المبيعات، أو ما يُـعـرَف أيضا بالطلب. وعل هذا فإن الطلب والتكلفة لا يمكن الفصل بينهما تقريبا؛ فهما وجهان متعاكسان لذات الحسابات الاقتصادية، حتى أن فورمان ذاته كتب "التركيبة الدقيقة... لا سبيل إلى معرفتها".

في تحويل موقفه من الطلب إلى التكلفة، يكتب فورمان: "سوف تستمر الشركات على الأرجح في تمرير تكاليف الأجور الأعلى إلى المستهلكين". وهو هنا يكاد لا يذكر الأرباح. غير أن الأرباح مرتفعة للغاية، وتأتي الأرباح المرتفعة جزئيا من هوامش الربح المرتفعة ــ أي الأسعار. يركز فورمان على ديناميكية "دوامة الأجور-الأسعار" (التي أعاد تسميتها لتصبح "مداومة الأجور-الأسعار")؛ ويسكت عن التربح. ألم يسمع عن قوة السوق، أو القوة الاحتكارية، أو الشركات المفترسة النهابة؟

ثم ما علاقة أسعار الفائدة المرتفعة بما يسمى "مداومة الأجور-الأسعار"؟ الإجابة هي: لا شيء على الإطلاق، على الأقل في الأمد القريب. في مستهل الأمر، لا تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلا إلى إثراء الناس والمؤسسات (مثل البنوك أو جامعة هارفارد) التي تمتلك إمدادات جاهزة من الأموال النقدية. أما بالنسبة إلى المقترضين لأغراض الأعمال، فإن الفائدة مجرد تكلفة أخرى يـجري تمريرها إلى المستهلكين في هيئة أسعار أعلى.

لن تبدأ الأسعار تتجه نحو الانخفاض إلا عندما يتخذ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تدابير صارمة حقا، كما حدث عندما دفع رئيس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر أسعار الفائدة القصيرة الأجل إلى 20% في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. لكن هذه الآلية تعمل من خلال خفض النمو بشدة ودفع البطالة إلى الارتفاع، وزيادة حالات الإفلاس، وحبس الرهن، والانتحار، والجريمة. يـحزنني أن أقول إن هذا هو ما يسعى فورمان إلى استحثاث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحالي جيروم باول على القيام به.

لكن أسعار الفائدة المرتفعة "ليست الحل الوحيد". الواقع أن جمال بومان، عضو مجلس النواب الديمقراطي من ولاية نيويورك، اقترح للتو مشروع قانون يحمل أفكارا أفضل ــ من قبيل الأفكار الديمقراطية التي ساعدت أميركا على الانتصار في الحرب العالمية الثانية واجتياز الحرب الكورية. تتلخص استراتيجية بومان المقترحة ببساطة في تثبيت استقرار الأسعار من خلال زيادة الإنتاج، وليس تقليصه، مع اتخاذ خطوات لمنع التلاعب بالأسعار والإثراء غير المشروع. الواقع أن سياساته ستساعد في كسر ديناميكية "المداومة" ــ دون اللجوء إلى الركود والبطالة الجماعية.

أخيرا، لنتأمل قليلا في فرضية فورمان المركزية. هل من الصحيح، كما يَـدَّعي، أننا نمر بفترة من "المداومة"؟ كما كتبت شخصيا مرات عديدة، يعكس هذا المفهوم جزئيا وهما إحصائيا. بما أن التغيرات في الأسعار تُـعـلَـن عادة على أساس 12 شهرا، فإن أي قفزة في تكلفة رئيسية، مثل أسعار النفط، ستستمر في توليد عناوين رئيسية جديدة كل شهر لمدة عام. وهذا وقت طويل يوفر العديد من الفرص لعرض مقالات الرأي من جانب جماعات الضغط الـمُـناصِـرة لإحكام السياسات من خلال رفع أسعار الفائدة. لكن مداومة العناوين الرئيسية لا يعني أن زيادات الأسعار بحد ذاتها دخلت في حالة من المداومة. قد يكون الأمر كذلك، لكنه أيضا قد لا يكون.

اعتبارا من الرابع من أغسطس/آب، بلغ متوسط سعر البنزين الوطني 4.14 دولارا للجالون، أي بانخفاض بنسبة 17% عن الذروة التب بلغها في يونيو/حزيران (5 دولارات للجالون)، هذا يعني أن ضغوط التكلفة على المواد الغذائية وكل شيء آخر ستكون أقل قريبا. ولكن لماذا يحدث هذا؟ ربما يعود هذا جزئيا إلى حقيقة مفادها أن سيطرة المضاربة على أسواق النفط الأميركية غير مستقرة. تعلمنا هذا (ليس للمرة الأولى) في صيف عام 2008، عندما لامست أسعار النفط 148 دولارا للبرميل ثم انهارت. ولعل الأمر يتلخص في أن الذُعر من التضخم العظيم قد ولى بالفعل.

لا يزال المستقبل غامضا بطبيعة الحال. لكننا شهدنا بالفعل ربعين من انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، قبل أي توقعات معروفة من قِـبَـل الاحتياطي الفيدرالي: في الواقع، في أواخر العام الماضي، كان الاحتياطي الفيدرالي يتوقع نموا حقيقيا بنسبة 4% (بعد التعديل تبعا للتضخم) في عام 2022. وعلى هذا فمن الغريب أن يزعم بعض المراقبين أن الاحتياطي الفيدرالي يجب أن يواصل رفع أسعار الفائدة لمكافحة صدمة أسعار الطاقة التي بدأت تتلاشى بالفعل. صحيح أن هذه الحجة تلقى الترحيب بين المنتمين إلى الطبقات الثرية، لكن هذا لا يجعلها ذكية، أو حكيمة، أو صالحة.

* جيمس ك. جالبريث، أستاذ الحكومة ورئيس العلاقات الحكومية/ التجارية بجامعة تكساس في أوستن، هو خبير اقتصادي سابق في اللجنة المصرفية بمجلس النواب ومدير تنفيذي سابق للجنة الاقتصادية المشتركة للكونغرس. شغل منصب كبير المستشارين الفنيين لإصلاح الاقتصاد الكلي في لجنة تخطيط الدولة الصينية. مؤلف كتاب "عدم المساواة: ما يحتاج الجميع إلى معرفته" ومرحبًا بكم في الكأس المسموم: تدمير اليونان ومستقبل أوروبا
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق