فموزمبيق وغيرها من البلدان الفقيرة لا تمتلك سوى اسواق ناقصة غير كفوءة ومقيدة وتعاني في الوقت نفسه من عجز في قطاع النقل والاتصالات والمعلوماتية، فضلاً عن تعاظم الحاجة الى الائتمان المصرفي حتى يمكنها اذا ما تجاوزت تلك النواقص ان تتوافر لها المرونة العالية في انتقال العمل...

استوقفني بحث اقتصادي مهم تصدر واحداً من اعداد مجلة المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة الاميركية في العام 2002 والذي جاء تحت عنوان: «عندما يتخذ الاصلاح الاقتصادي مسارات خاطئة»، وقد تصدى كاتب البحث داني رودرك استاذ السياسات الحكومية في جامعة هارفرد مع زميليه الى قضية انتاج ثمار جوزة البلاذر (الكازو) في جمهورية موزمبيق وتصنيعها على وفق الرؤية المنهجية للمدرسة النيوكلاسيكية في تحرير تجارة المواد الخام، والتي تأتي نقيضتها مدرسة الحماية الصناعية المُعظمة للقيمة المضافة في تصنيع المنتج الزراعي قبل الشروع بتصديره.

الا ان مخزونات ذاكرتي سجلت زوايا حادة من احداث زيارتي لجمهورية موزمبيق بعد استقلالها في العام 1975 والتي حفرت ذكريات من انتصار جبهة التحرير الموزمبيقية (جبهة فروليمو) على بقايا الاستعمار البرتغالي الذي دام اربعة قرون، فعندما استقبلني مضيفي السيد مارسيل من وزارة المالية الموزمبيقية في العاصمة موبوتو في يوم ربيعي، امطرت فيه السماء بغزارة ليلمع الاسفلت عند مدخل الفندق وانا اتحسس تتابع وقع الاقدام وكيف انقلب وجه السماء في وقت الغروب حيث علق مُضيفي ان الليل بدأ ينذر بالمتاعب ولكن ستستقبل شجرة البلاذر كميات المياه المتساقطة بارتياح وهو شيء يُفرح مزارعينا، فتبسمنا انا ومضيفي ثم اردف قائلاً: ان زعيم جبهة فروليمو (المناضل اليساري) رئيس الجمهوية سومورو ميشيل قد اهدى اعضاء الوفد الفني العراقي الزائر عينة من انتاج موزمبيق الوطني من ثمار هذه الشجرة التي تم اعداد منتجاتها وتعبئتها لأغراض التصدير وهو ينوه الى عزم بلاده على تبني سياسة تصنيع المنتج الوطني من ثمار شجرة البلاذر بكونها واحدة من اهم المحاصيل الزراعية في البلاد التي تقبع في الجنوب الافريقي.

التفت مضيفي نحو النافذة الزجاجية وهو ينظر الى الخارج متابعاً العاصفة المطرية وهي تتلاطم في قلب الليل وتزداد عنفاً ليواصل حديثه بعد ان استرد الثقة وصفاء الذهن مردفاً: بدأت البلاد تواجه حركة تمرد يمينية مصدرها النظام العنصري الابيض في جنوب افريقيا حيث اشعلت وقت ذاك حرباً اهلية بدأت منذ العام 1975 ولم تنته الا في العام 1992 وأنهكت اقتصاد تلك البلاد وتركتها تتخبط بمشكلات الفقر والبطالة.

سألت مارسيل: كيف يمكن لكم مقاتلة المتمردين اليمينيين المنطلقين من قواعدهم في جنوب افريقيا؟ وهل من سلاح كافٍ لديكم؟ فأجابني وعلامات الحزن اخذت تزدحم على اخاديد جبينه الاسمر قائلاً: لقد رهنا الصيد البحري في خليج موزمبيق الغني بالسرطانات البحرية الغالية الثمن الى شركة صيد تعود لواحدة من شركات بلدان الاتحاد السوفياتي (السابق) لقاء مقايضة ذلك الرهن ببنادق الكلاشنكوف لكي نقاتل اعداء الثورة الموزمبيقية.

غادرت ذاكرتي واقفلتها عن موبوتو عاصمة موزمبيق في سبعينيات القرن الماضي لأعود الى بحث الاستاذ داني رودرك من جامعة هارفرد آنفاً والذي اثار في جوهر بحثه قضية رخص ثمن محصول البلاذر الخام المصدر خارج موزمبيق (قبل اجراء عمليات الصنع عليه)، مبيناً كيف يمكن ان يكون عرضة للنهب من قبل الشركات الاحتكارية الاجنبية، اذ يُعد انتاج محصول شجرة البلاذر (الكازو) احد اهم مصادر الدخل في البلاد ذلك منذ عهود الاستعمار البرتغالي، ففي العام 1975، وعلى غرار العديد من الستراتيجيات التي تتبعها البلدان النامية، فقد حظرت الحكومة الموزمبيقية تصدير جوزة البلاذر الخام كإجراء لتحفيز عملية معالجة وتعليب ذلك المنتج بدلاً من تصديره كمادة خام (منخفضة الثمن)، فإزاء موقف الحكومة الموزمبيقية المعارض لبديهيات المدرسة النيوكلاسيكية في الاقتصاد وتطبيقاتها واصرارها وتوجهاتها في تحرير تجارة الصادرات من المواد الخام بصورة مطلقة خالية من القيود منطلقين من ان الحظر على التجارة او حتى فرض الضرائب عليها يؤدي على حد قولهم الى تدهور اسعار المنتج ويعظم من مستويات الدعم الحكومي وعلى نحو مؤثر في عمليات التصنيع والاعداد المحلي للمنتج.

وهكذا دافعت النظرية النيوكلاسيكية في الاقتصاد على حرية التجارة ولا سيما في المواد الخام من دون قيود، موضحةً وفق رؤيتها المتشائمة بأن منتجي جوزة البلاذر خلاف ذلك سيتعرضون للاحباط وقد تنسحب عوامل الانتاج (العمل ورأس المال) الى المجالات الصناعية صوب المدن للتمتع بالحماية واللا كفاءة، عندها سينقسم الاقتصاد بين الريف والمدينة، اذ سيشهد العمل والدخل في المدن صعوداً ونشاطاً في حين يتعرض دخل المزارعين الى مزيد من التدهور والانكماش.

هنا تدخل البنك الدولي في رؤيته المؤيدة للمدرسة النيوكلاسيكية والقاضية بتحرير تجارة المحصول الخام، اي بتصديره كمنتج خام والتخلي عن اعداده محليا ضمن السلسلة التصنيعية التي اعتمدتها السياسة الحكومية في موزمبيق.

ومنذ العام 1991 رسم البنك الدولي مسارات اقتصاد تلك البلاد التي مزقتها الحرب الاهلية وهو يحمل الرؤية الاقتصادية للمدرسة النيوكلاسيكية، مؤكداً انه اذا ما ارادت الحكومة الموزمبيقية ان تكون مهنية في التعاون ومساعدة البنك وصندوق النقد الدوليين فان عليها تحرير تجارة الصادرات من جوزة البلاذر الخام خلافاً لرغبة الحكومة والصناعة المحلية.

وبناءً على ما تقدم، فقد رُفع الحظر على صادرات البلاذر في العام 1992 وخُفضت الضريبة المفروضة على البلاذر الخام المصدر تدريجياً من 60 بالمئة لتصبح بنحو 14 بالمئة في العام 1999. ونتيجة لهذا الاجراء أصبح العرض المتاح من منتوج البلاذر لأغراض الصناعة المحلية شحيحاً ومرتفع الثمن ما ادى الى انسحاب الموارد المحلية والاستثمارات المخصصة لمعالجة وتصنيع ذلك المنتج.

كما انخفضت استفادة المزارعين بسبب الكلفة العالية التي تتحملها عملية تصنيع جوزة البلاذر (اي من معالجة وتعبئة وتغليف)، فقد اظهرت التقديرات ان الدخل الاضافي الذي حصل عليه المزارعون جراء تحرير صادرات البلاذر الخام لم يتجاوز خمسة ونصف دولار اميركي للعائلة الواحدة سنوياً، في حين ابتلع الوسطاء والمضاربون في المدن 60 بالمئة من عوائد التصدير لوحدهم. وان العائد الضئيل للمزارعين بات شيئا لا يقارن بالعاملين الذين فقدوا فرصة عملهم في تصنيع منتوج البلاذر والذين زاد عددهم على 11 ألف عامل عاطل. ومع ذلك اصرت النظرية النيوكلاسيكية بالقول ان تحرير التجارة والمزايا النسبية التي تحصل عليها البلاد هي تفوق قيمة تلك الموارد التي جرى تخصيصها على نحو غير كفء في إعداد ذلك المنتج.

الا ان الادعاء النيوكلاسيكي اعلاه لم تدعمه اية نتائج من الواقعية الاقتصادية، فموزمبيق وغيرها من البلدان الفقيرة لا تمتلك سوى اسواق ناقصة غير كفوءة ومقيدة وتعاني في الوقت نفسه من عجز في قطاع النقل والاتصالات والمعلوماتية، فضلاً عن تعاظم الحاجة الى الائتمان المصرفي حتى يمكنها اذا ما تجاوزت تلك النواقص ان تتوافر لها المرونة العالية في انتقال العمل ورأس المال ومن ثم تحشيدهما مباشرة كاستجابة للتجارة الحرة.

هذا ما اشرته ظاهرة تزايد معدلات البطالة بين صفوف عمال المدن في موزمبيق نفسها. والاسوء من ذلك فإن تجارة صادرات الخام من جوزة البلاذر قد امست اقل تنافسيةً واقل عائداً ومنفعةً مقارنة بمعالجة منتج البلاذر وتصديره مصنعاً.

واخيراً، فمثلما احتكر اسطول الصيد البحري السوفياتي فرص الصيد في خليج موزمبيق لقاء بنادق الكلاشنكوف بعد اندلاع الحرب الاهلية منذُ العام 1975، فإن نصائح المدرسة النيوكلاسيكية في تحرير تجارة المواد الخام ولدت مُحتكرين جُددا لمحصول البلاذر الخام المصدر والحصول على فرص شرائه من المزارعين الوطنيين بأبخس الاثمان لا سيما بعد ان تخلت الحكومة الموزمبقية عن ستراتيجيتها في دعم الصناعة الناشئة والتي كانت تستهدف تحقيق عوائد أكبر جراء تعظيم القيمة المضافة لمنتج البلاذر المصنع بدلاً من تصديره كمنتج خام.

ختاماً، يلحظ ان عوالم الاقتصاد الفعلية هي اكثر تعقيداً مما تفترضه النظرية، وان النظرية الاقتصادية التي سوقها البنك الدولي للاقتصاد الموزمبيقي وقت ذاك قد جاءت مقيدة بما يسمى بإجماع واشنطن (او المنهج التعليمي للسياسات القائمة على مايسمى باقتصاديات العرض) وهي رؤية غائمة اخفت الكثير من التدابير والاجراءات المفترضة لكل قضية او مشكلة اقتصادية بعينها.

https://www.facebook.com/dr.mudhermohammedsaleh/

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق