تُقدّمُ تجربةُ فرجينيا وولف إطاراً لفهمِ العلاقةِ بينَ الحربِ والبنيةِ الاجتماعيةِ؛ حيثُ تكشفُ أنَّ العنفَ نتاجُ منظومةٍ متكاملةٍ من العلاقاتِ المؤسسيةِ والثقافيةِ. إنَّ مواجهةَ العنفِ في الشرقِ الأوسطِ تتطلبُ تفكيكَ جذورِهِ البنيويةِ، وإعادةَ الاعتبارِ للإنسانِ كأداةٍ معرفيةٍ ونقديةٍ قادرةٍ على إعادةِ تشكيلِ الوعيِ الإنسانيِّ بعيداً عن دواليبِ الحربِ...

تُعدّ قضايا الحرب والسلام من أبرز الإشكاليات التي شغلت الفكر الإنساني المعاصر، ولا سيما في مناطق النزاع المستمر مثل الشرق الأوسط، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتنتج أنماطاً معقدة من عدم الاستقرار. ويقتضي تحليل هذه الظاهرة تبني مقاربات متعددة التخصصات تأخذ بعين الاعتبار البعد البنيوي للعنف، بدل الاقتصار على التفسيرات الحدثية.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الاستفادة من الرؤى الفكرية والأدبية التي تناولت إشكالية الحرب والإنسان، ومن بينها تجربة الروائية البريطانية الراحلة فرجينيا وولف، التي قدّمت عبر أعمالها تصوراً نقدياً للعلاقة بين الفرد والبنى الاجتماعية المنتجة للعنف. وعليه، تسعى هذه التأملات إلى توظيف منظور وولف في تحليل واقع الحرب في الشرق الأوسط، من خلال ربط البنية الاجتماعية بإنتاج العنف، وبيان دور الأدب كأداة معرفية ونقدية تسهم في إعادة تشكيل الوعي الإنساني.

إذ يمكن قراءة ظاهرة الحرب في الشرق الأوسط بوصفها نتاجاً لتراكمات تاريخية وبنيوية معقدة، تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية مع الهشاشة المؤسسية، فضلاً عن التنافس على الموارد الاستراتيجية. ويُظهر هذا الواقع أن العنف لا ينشأ بمعزل عن السياقات الاجتماعية، بل يتغذى على اختلالات في منظومات الحكم والتوزيع الاقتصادي. وفي هذا السياق، يمكن الاستئناس بالتحليل النقدي الذي قدمته وولف، والذي ينظر إلى الحرب باعتبارها امتداداً لبنية اجتماعية وثقافية تُعيد إنتاج نفسها عبر مؤسسات التعليم والسياسة والعسكرة، ما يجعل من العنف نتيجةً بنيوية أكثر منه طارئاً عابراً.

ادهشتني تلك النصوص التي كتبتها الأديبة العراقية المغتربة منى الظاهر، والتي جاءت تحت عنوان: “الرَّاسِبة في نَهْر زَمَنِها بِمعطفٍ حَجَريٍّ”، يتبدّى تأمل عميق في معنى الإنسان حين يُلقى في دوامة الحرب، وفي هشاشته أمام صراعات لا تبدو لها نهاية واضحة. ولاسيما عندما اتأمل بنفسي دواليب الحرب التي تسحق الإنسان في الشرق الأوسط، وهي تدور رحاها على ممرات المياه وبراميل النفط وفي البحث عن مجهول لا يُدرك معناه، حيث تتجلى صورة عالمٍ فقد كثيراً من معاييره الأخلاقية، وتتوالى الحروب وتتداخل المصالح دون أفقٍ حقيقي للسلام.

تبرز رواية "ثلاث جنيهات" (Three Guineas) لفرجينيا وولف بوصفها نموذجاً تحليلياً مهماً لفهم العلاقة بين السلطة والمعرفة وإنتاج العنف. إذ تدور الرواية حول رسالة من رجل يطلب من الكاتبة التبرع لصندوق لدعم التعليم والتوظيف للنساء. ترد الكاتبة بثلاث جنيهات، كل منها مخصصة لقضية مختلفة: التعليم، والتوظيف، ومكافحة الحرب. إذ يعكس هذا العمل نقداً منهجياً للبنية الأبوية للمجتمع، ويُظهر كيف تتكامل المؤسسات الاجتماعية في ترسيخ أنماط من الهيمنة وإقصاء الآخر. فقد تناولت وولف قضايا التعليم والعمل والحرب باعتبارها مجالات مترابطة تسهم في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية ذاتها، مؤكدة أن مواجهة العنف تتطلب إعادة النظر في هذه البنى من جذورها. ومن هذا المنظور، يندرج طرحها ضمن إطار النقد النسوي الذي يربط بين السلطة والمعرفة، ويعتبر أن تفكيك علاقات الهيمنة يشكّل شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية.

وعلى مستوى آخر، يعكس تصور وولف للزمن إدراكاً فلسفياً لهشاشة الوجود الإنساني في مواجهة العنف. فالزمن في أعمالها لا يُقدَّم كإطار محايد، بل كعنصر ديناميكي يتأثر بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية، ويُعاد تشكيله في ظل الأزمات. ويُسهم هذا التصور في إبراز أثر الحرب على التجربة الإنسانية، حيث لا يقتصر تأثيرها على البعد المادي، بل يمتد إلى البنية النفسية والوعي الذاتي للفرد، ما يجعل من الكتابة وسيلة لإعادة تنظيم التجربة الإنسانية وفهمها ضمن سياقها المتشظي.

وقد تأثرت وولف بشكل مباشر بالحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث انعكست آثارهما في رؤيتها النقدية للحضارة الغربية، التي واصلت مسارها رغم الخسائر البشرية الهائلة. كما تأثرت بالحرب الأهلية الإسبانية، التي عمّقت من قناعاتها الرافضة للعنف، وأسهمت في ترسيخ موقفها الفكري تجاه قضايا الحرب والسلام. ومع تصاعد القلق خلال الحرب العالمية الثانية، وما رافقه من تهديدات وجودية، ازدادت حالتها النفسية اضطراباً، ما انعكس في كتاباتها الأخيرة وفي رؤيتها للعالم.

وفي 28 آذار 1941، أنهت فرجينيا وولف حياتها بإلقاء نفسها في نهر أوز في إنجلترا، بعد أن ملأت جيوب معطفها بالحجارة، تاركة رسالة شخصية عبّرت فيها عن شعورها بالعجز أمام حالتها النفسية المتدهورة. وقد جاءت وفاتها نتيجة تداخل عوامل نفسية مزمنة، يُعتقد ارتباطها باضطراب ثنائي القطب، مع ضغوط الحرب والظروف الاجتماعية المحيطة. وتمثل هذه النهاية تعبيراً مأساوياً عن التفاعل المعقد بين الفرد والبنية الاجتماعية في سياق الأزمات.

ختاماً، يمكن القول إن تجربة فرجينيا وولف تقدم إطاراً تحليلياً مهماً لفهم العلاقة بين الحرب والبنية الاجتماعية، حيث تكشف أن العنف ليس مجرد ظاهرة عسكرية، بل نتاج منظومة متكاملة من العلاقات المؤسسية والثقافية. كما تؤكد أن الأدب يمكن أن يؤدي دوراً معرفياً ونقدياً يتجاوز البعد الجمالي، ليصبح وسيلة لإعادة التفكير في أسس التنظيم الاجتماعي، وتعزيز قيم السلام والعدالة. وفي ظل استمرار الأزمات في الشرق الأوسط، تبرز أهمية تبني مقاربات فكرية متعددة الأبعاد تسهم في تفكيك جذور العنف، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه محور أي مشروع حضاري يسعى إلى الاستقرار والتنمية.

اضف تعليق