ورقة دراسة موجزة: المهندس الدكتور فلاح صباح الكبيسي-معماري ومخطط مدن

تقــــديم:

يمكن تعريف التجديد الحضري Urban Renewal هو بالإنعاش الحضري أو برنامج لإعادة تطوير الأراضي والعقارات في المدن، من خلال إعادة إعمار المدينة على نفسها، وتدوير مواردها المبنية والأرضية لتتوافق مع المخططات العمرانية. بدأت أولى محاولات التجديد الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر في الدول المتقدمة، وشهدت مرحلة مكثفة في أواخر الأربعينيات بعد الحرب العالمية الثانية تحت مسمى إعادة الإعمار. كان لهذه العملية تأثير كبير على العديد من المشاهد الحضرية، حيث لعبت دورا هاما في تاريخ وديموغرافيات المدن في جميع أنحاء العالم.

تشمل عملية التجديد الحضري نقل الأعمال التجارية، وهدم الهياكل التالفة، نقل الأشخاص، واستخدام حق الدولة في الاستيلاء على الممتلكات للمنفعة العامة (شراء الحكومة للممتلكات لأغراض عامة إن كانت متمكنة) كأداة قانونية تأخذ الممتلكات الخاصة لاستعمالها في مشاريع تنمية وتجديد المدينة. يتم تنفيذ هذه العملية أيضا في المناطق الريفية، بحيث يشار إليها على أنها تجديد للقرية، على الرغم من أنها قد لا تكون هي نفسها تماما من ناحية الممارسة العملية. ولعل العديد من الأمثلة والتجارب الناجعة في هذا المجال خير دليل على ذلك. يمكن أن يؤدي التجديد إلى التمدد الحضري بطريقة عمودية أو افقية، تمكن من تقليل الازدحام بعد أن تستقبل مناطق المدينة ممرات وطرق سيارات.

تعاني المدن العربية بشكل عام والمدينة العراقية بشكل خاص من مشاكل كثيرة نتيجة للتغيرات التي شهدتها هذه المدن مما جعل ظاهرة التلف الحضري فيها غالبة وتزايد العشوائيات في مركز المدن والضواحي على حد سواء، ويمكن للتجديد الحضري أحيانا أن يلعب دور هاماً لا يمكن انكاره في مجال الارتقاء بوضعية الساكنين وتحسين ظروفهم. لذلك فمن شأن هذا إحداث آثار إيجابية ملموسة. حيث يعمل على تحسين نوعية المخزون السكني؛ وزيادة الكثافة وتجديد المساكن؛ يضاف لذلك فوائد اقتصادية تتعلق بتحسين القدرة التنافسية الاقتصادية العالمية لمركز المدينة. وقد يؤدي ذلك في معظم الحالات إلى تحسين المرافق الثقافية والاجتماعية للمدينة، وتحقيق فرص تعليمية وثقافية لم تكن من قبل، وقد يعزز كذلك من فرص الأمن والمراقبة.

والتجديد الحضري هو جزء مهم من مكونات التخطيط العمراني الذي ينشد الارتقاء بالحياة العمرانية والريفية، وإيجاد حلول هندسية للمشاكل العمرانية مثل التضخم السكاني، والعشوائيات، وأزمات المرور، وتنظيم الحركة بين السكان والخدمات. وهناك نظريات متعددة للتخطيط الإقليمي والعمراني تهدف إلى تنظيم الحياة العمرانية. ومع ان التجديد الحضري يهتم بالحالة العمرانية لمناطق المدن وهو جزء من التخطيط الحضري ومنتوجه (يكون ببعدين هندسيين مع أعداد كبيرة من الأرقام والجداول والحسابات)، والتجديد الحضري يحتاج أيضا إلى مستلزمات مساعدة قبل الشروع بوضع الاستراتيجيات والسياسات والمفاهيم في عملية التجديد، ألا وهي إجراء عمليات الإحصائيات والمسوحات والدراسات الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة الحالة العمرانية للمنطقة، وما يصاحبها من تغيير أو تعزيز للقيم الحضرية والتي يجب ان تستند على مبادئ الشفافية والتنافسية والعدالة الاجتماعية والمبدأ الأساس للتشريع بأنه (لا ضرر ولا ضرار). ولذلك فإن مكونات التجديد الحضري تحتاج إلى تميزها وتوضيح الاختلافات لكل منها، وربما بصورة مختصرة:

1- التصميم الحضري Urban Design: وهو مفهوم لوضع وتصميم منطقة او مجموعة من المباني بأشكالها وارتفاعاتها وتصميم الفراغات ما بينها وعلاقتها ببعضها، ومخرجاتها Derivable تكون بالأبعاد الثلاثية، مع تقديم حلول واضحة للمرور والسابلة وتعيين مواقف السيارات واشتراطات ومعايير عمرانية مكتوبة. ويهتم التصميم الحضري بوضع دراسات البنية التحتية والارتقاء بالخدمات العامة. والتصميم الحضري هو حالة متخصصة أساسها الإبداع ووضع الحلول العمرانية لمجموعة من المباني والملامح الأرضية Landscape لها أو بينها، ويكون التصميم الحضري حالة وسطيه بترجمة الخطوط العريضة لأهداف التخطيط الحضري أو الأساسي، ووضع التصميم المعماري للمبنى المنفردArchitecture Design.

2- إعادة التأهيل والبناء Reconstruction & Rehabilitation: او ما يعرف بإعادة الإعمار، وتكون على المناطق المتضررة جراء الإهمال او الحروب او المنازعات، وتكون مختصرة على إعادة بناء الهياكل الإنشائية والوظائف لها من ناحية المظهر وبشكل حديث، وتعتبر من أحسن العمليات (في الوقت والكلفة)، والتي يمكن تطبيقها في المدن العراقية بالتعاون مع الساكنين والدولة في ضرورة توفير البنى التحتية، وتساعد في توفير فسحة للمستثمرين من خارج المنطقة.

3- الحفاظ العمراني التراثيHeritage Conservation: إعادة إعمار المباني أو المناطق التراثية المهدمة أو اصلاح الأجزاء المتضررة منها واحيانا يمكن تغيير الوظائف لاستعمالات جديدة وحديثة لها.

4- الإملاء الحضريUrban Infill: هو بناء أو إضافة معينة لمبنى او وضع تصاميم معمارية للأجزاء الفارغة ضمن النسيج الحضري للمنطقة بوظائف ضرورية تساعد في إضفاء اللمسات الجمالية لمجموعة المباني المحيطة بها او تحسين المشهد الحضري والإحساس البصري للشارع او المنطقة.

1. التجديد الحضري ضرورة حضارية للمدن العراقية:

كان العمران يتحرك بخطوات قصيرة ومدروسة في المدن التقليدية العراقية إلى فترة ست عقود ماضية، ويتطور الطراز العمراني في كل مدينة تبعا لمتطلبات الانسان الحياتية وتطور مواد البناء المحلية وما يتوفر من تقنيات وقسم منها مستوردة، والعمران يتطور بهدوء ومع المحافظة على مقومات المجتمع والبيئة الحضرية، ومع زيادة عوائد النفط والتطور المدني اضافة إلى العولمة وما جلبت من سلبيات، فقد أصبح التوجه نحو العالمية بوضع سياسات حضرية أثبتت فشلها بمفهوم الإزالة الحضرية السريعة بدون مخططات استراتيجية وسياسات واضحة وتهيئة المستلزمات الفنية والمالية لها، وكأن الغرض والأهداف بأن تظهر المدن عصرية بالأبراج الزجاجية ولكنها خالية من الحياة، واهمال مراكز المدن التقليدية ونزوح العوائل المحلية وتغيير الحالة الاجتماعية للأسوأ عند تركها للعوائل النازحة أو المنتقلة حديثا مع استقطابها لسكن العمالة المهاجرة لقلة ايجاراتها السكنية وتصبح عرضة لتهرؤ النسيج الحضري، حتى وصلنا إلى العشوائية العمرانية والتي ليس لها نهاية. أن وضع التجديد الحضري يأخذ جهدا كبيرا وطويلا في وضع الضوابط التشريعية، كما ان عملية التنفيذ لربما تأخذ أكثر من عقد في حالة شح الإمكانيات المالية.

لقد تُركت المباني في مراكز المدن العراقية مهملة ومهجورة أو متهرئة وأجزاء منها مهدمة، ولتصبح ضرورة لوضع حلول عمرانية لها لتمتعها بمركزية موقعها وضرورة توفير خدمات البنى التحتية فيها، إن فكرة عملية إزالتها وتطوير الموقع المركزي الذي تحتله على مبدأ الإستملاك والتعويضات قد أثبت فشلها بامتياز، ويكون باهظ التكاليف ويأخذ مدة طويلة، ويسبب في تمزيق النسيج الإجتماعي المكون لتلك المجمعات. وما سيكون شكل المنتج الجديد؟ إلا عبارة عن كتل خرسانية بكلف عالية ومغلفة بالزجاج، وربما طرزها المعمارية غير مقبولة محليا، وبالتأكيد غير معتمدة على عناصر اللاستدامة البيئية ومستهلكة بزيادة الطاقة المشغلة لها. ان الهياكل الإنشائية للمباني القائمة مازالت قوية وتشكل ما لا يقل عن ربع التكلفة الإنشائية، ولذلك يكون النهج بإعادة تهيئة هذه المباني بأن تكون عصرية المظهر وتخدم الوظائف التي وجدت من اجلها ومن دون نزوح سكانها.

إن معظم المدن العراقية قد فقدت هويتها وأصبحت عاجزة عن التجديد فيها، لا هي حافظت على موروثها الحضاري، وما زالت تتخبط في طرز معمارية تتغاير من وقت إلى آخر معتمدة على النسخ والاستنساخ من الغرب بدون فهم للأشكال التي أصبحت تتدافع للظهور وبغوغائية حضرية لم يسبقها أحد فيها، فاذا كانت هذه المباني المنفردة الجديدة في حالة سيئة من أول ظهورها لا تمتلك مقومات النجاح البيئي ولا تعبر عن هوية المدينة او المجتمع فلم الهرولة لها، وبالمقابل يترك النسيج الحضري في مراكز المدن عرضة للإهمال والتهرؤ من زيادة السكان الفقراء فيها وقلة الاستثمار في توفير الخدمات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية.

إن كل جزء من مراكز المدن العراقية يحتاج إلى دراسات وافية من وضع السياسات والاستراتيجيات إلى وضع الضوابط العمرانية والاشتراطات التعميرية، بحيث تكون بعيدة عن مفهوم الإزالة الحضرية الواسعة (والتي أثبتت فشلها في كل مدن العالم وخصوصا العربية، فليس من المعقول إعادة أخطاء الآخرين!)، وضرورة تبني مفهوم التجديد الحضري لها، وذلك من حفظ المباني التي تحتوي على عناصر تراثية وتأهيل تلك المباني المتهرئة لتكون أكثر استدامة في تصاميمها وباستعمالات جديدة ذات مردود اقتصادي وتسمى أحياناً بـ(الاقتصاد الأخضر في حالة الحفاظ التراثي).

إن مفهوم التجديد الحضري يعمل على المحافظة على روحية المكان في بقاء الساكنين بدون نزوحهم الى مناطق أخرى، وتنفيذ عملية التجديد الحضري تكون من قبل الساكنين وتشغيل الأيدي العاملة في المنطقة، وأن يتطور بشكل تدريجي وبشكل يستجيب للتكنولوجيا الحديثة ومنها الاستدامة الحضرية، ومتطلعة الى العصر الرقمي من جهة أخرى في وضع البنية التحتية المتطورة في مد اسلاك الكهرباء والنت وأهمها تمديدات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.

2. أسباب التلف الحضري:

إن التلف الحضري ظاهرة مألوفة تعاني منها معظم المناطق التاريخية والتقليدية في مدن العراق، خاصة التي تقع في مراكز المدن أو القريبة منها، والتلف الحضري في صيغته الأساس يعرف "بأنه اضطراب اقتصادي تنعكس تأثيراته المربكة في صيغ معينة من التغيير في شخصية وكثافة استعمالات الأرض".[1] ويمكن التعرف عليه من مظاهر التلف الفيزياوي نتيجة الفشل في صيانة العقارات وإدامتها، وعدم مقدرة المنطقة على استبدال موجوداتها من الوحدات السكنية التي تتعرض على التلف عبر الزمن، يضاف إلى ذلك الإهمال قبل الأوان لهذه الوحدات نتيجة هجرة السكان من ذوي الدخل المرتفع والمتوسط نحو الضواحي لذلك فإن هذه المناطق تصبح بالضرورة إسكاناً لذوي الدخل المنخفض والمهاجرين القادمين من الريف بتأثير التحضر السريع، إضافة إلى مظاهر الاكتظاظ السكاني وانخفاض المستوى النوعي فيها، والبحث في أسباب التلف الحضري ومصادره يدخل في دراسة نوع معقد من (علاقات السبب-الأثر) وأن فهم طبيعة هذه العلاقات يعتبر أساساً بين معالجة الأسباب ومعالجة التأثيرات.

تعاني كثير من المناطق التقليدية القديمة في المدن العراقية في الوقت الحاضر من ظاهرة التهرؤ الحضري Urban) Blight)، بسبب المشاكل والضغوط الناتجة عنها تعرضت له من تغيرات أدت إلى تحول المدينة القديمة من كيان طبيعي متكامل إلى أجزاء ومناطق متفرقة تفصل بينها ما استحدث من شوارع عريضة وارتفاع للمباني التجارية الحديثة في أجزاء مختلفة منها، مخلفة وراءها اعداداً كبيرة من الوحدات السكنية التقليدية المتدهورة والمكتظة بالسكان، والتي أصبحت ملجأُ سكنياً لذوي الدخل المنخفض كنتيجة للنمو الحضري السريع وبذلك تحولت هذه الأجزاء إلى خلايا مفصولة غير متكاملة مع الأجزاء الحديثة للمدينة بالاضافة إلى انحدار المستوى النوعي فيها، باستمرار من الناحية الإنشائية، وهذا ما يفرض كلف اجتماعية مهمة تمتد بتأثيراتها لتشمل المجتمع الحضري بكامله.

إن المعاني التقليدية للتلف الحضري والمناطق المتهرئة التي تكون العشوئيات SLUMS تتعلق عادة بالخصائص الفيزياوية للوحدات السكنية وطبيعة أشغالها وأول تعريف رسمي للمناطق المتهرئة كان قد طرح عام 1937، فالمنطقة المتهرئة هي " المنطقة السكنية التي تسود فيها الوحدات السكنية التي بسببها يظهر التدهور DILAPIDATIONوالاكتظاظ OVER-CROWDING ويتبعها التصميم الخطأ وقلة الإضاءة والتهوية والخدمات الصحية غير الكافية، أو أية مجموعة من هذه العوامل تكون ضارة للأمان والصحة والأخلاق بحيث أنها لا توفر إسكاناً لائقاً أميناً وصحياً".[2] ومن الواضح أن ما ورد من هذا التعريف من مفاهيم تتعلق بالجانب الفيزياوي لظاهرة التلف الحضري، يعتمد على التقييم وعلى أي نوع من السكان وهل هو لائق وأمين وصحي؟. ويعتبر تدخل الدولة عاملاً حاسماً وجوهرياً في محاولات معالجة التلف الحضري بالفعل المناسب والمساعدات العامة حيث تعتبر ضرورية ولا غنى عنها في هذا المجال، وترجع أسباب ذلك إلى ما يعرف بالنظرية الاقتصادية للمناطق المتهرئة التي تتضمن ما يحدث على مستويين:

أولا: المستوى الاقتصادي الأكبر الذي يتعلق بظاهرة الانحدار التراكمي للدخل في مراكز المدن حيث أن التلف الحضري يترافق عادة مع انخفاض الدخل في المناطق المركزية من المدن ويميل هذا الانحدار إلى أن يكون تراكمياً.

ثانياً: المستوى الاقتصادي الأصغر الذي يتعلق بكل من سلوك المالكين للوحدات السكينة المنفردة التي يمكن أن يصيبها الانحدار والتلف إذا ما كان مالكوها الذين يفسحون المجال لذلك بسبب وجود ما يعرف بالوفورات الخارجية EXTERNALITIES المتعلقة بالتأثيرات المتشطبة بالعقارات المتجاورة على قرارات المالكين بإجراء الإدامة أو عدمها.[3]

كما أن إعادة التطوير تترافق معه وتؤدي إلى مجموعة من المشاكل التي يجب مواجهتها لكي يحقق برنامج التجديد أهدافه، وأهمها: الأعباء التي تسلطها إعادة التطوير على الفقراء وبطء عملية التجديد والتأثير على الشخصية البصرية والاجتماعية للمدنية، والواقع أن التحدي الرئيسي لسياسة إعادة التطوير لا يأتي فقط من المشاكل التي تسببها والانتقادات التي توجه لها، ولكن أيضاً من البرامج والسياسات البديلة التي يمكن أن تحقق معظم أهداف التجديد، وتعتبر سياسة إعادة التأهيل أهم صيغة بديلة، فبعد أن شهدت الدول التي تركز على موضوع تجديد المناطق المتدهورة فيها على تطبيق سياسات إعادة التطوير ذات المقياس الكبير والتي شهدت النتائج السلبية بسبب قصور السياسات اجتماعياً واقتصادياً، وبعد تصاعد الاهتمام بالحفاظ على المناطق التاريخية والذي أصبح موضوعاً مهماً في الفكر التخطيطي وبدء محاولات إيجاد الحلول لتلك المشاكل على شكل ثلاثة اتجاهات رئيسية تتضمن حلولاً تؤكد على:

1- أدنى فعل للتجديد وعلى المدى الطويل

2- محاولة التقليل من تأثيرات الإبعاد والتهجير للسكان

3- إحداث أقل تأثيرات ممكنة على النسيج الحضري ككل للحفاظ على الشخصية البصرية والبيئية للمنطقة.

أما بالنسبة للجدوى الاقتصادية لإعادة التأهيل، فإن التجارب والمشاريع المؤثرة التي تم إجراؤها في أوروبا مؤخراً بدأت تفنيد النظريات التي تؤيد هدم الوحدات السكنية وإعادة بنائها باعتبار أن إعادة تأهليها وفقاً للمعايير المعاصرة ستكون مكلفة جداً وفي إحدى هذه الدراسات في ألمانيا أشارت إلى أن تحديثاً شاملاً للمساكن قد كان ممكناً عند 62% فقط من كلفة الإزالة وكلفة البناء ولا يتضمن ذلك كلفة الهدم والإزالة والتعويضات، وهي تقترح بأن القرار سيكون في صالح الهدم فقط عندما تتجاوز كلفة إعادة التأهيل 70% من كلفة الإزالة إعادة البناء. [4]

3. جدلية شكل المنتوج العمراني - الإبداع صعبٌ:

عند وضع سياسات التجديد الحضري يحصل جدال يؤخر القرارات والبدائل الموضوعة في المشروع، وهي في تحديد المباني التراثية ويدخل العامل النفعي لمالك العقار في الإزالة العمرانية وبين من يدافع بروح العاطفة للحفاظ على الموروث التراثي، بينما يمكن فض الإشتباك بعمل مسح تراثي موضوعي، يتوصل بالضرورة إلى أنه عندما لا يوجد شيء من الخصائص التراثية في المبنى أو مجموعة من المباني التي يمكن المحافظة عليه! والتي تحتاج إلى موازنة عقلانية بين ما يمكن الحفاظ عليه أو إزالته لكل حالة بشكل منفصل. ومن جهة أخرى توجد مباني متهرئة وخطر سكناها، فسوف يكون هدمها وتطبيق مفهوم الإملاء الحضري(Infill Concept) الملائم للمجاورات كجزء من التجديد الحضري، وما هو شكل المباني وطرزها؟؟ وهنا يكمن الخلاف بين المطور والحفاظي (وخصوصا الحفاظي بخلفية الآثاري)، في ايجاد الحل العقلاني في ملء الفراغات المتهرئة التي تضعف النسيج الحضري لأجزاء المدينة القديمة بحيث يكون ملبياَ للبيئة الحضرية والطابع العمراني التراثي للمنطقة. وهل يمكن اللقاء بينهما بوضع تصاميم معمارية مستلهمة العناصر العمرانية من تراث المدينة وملبية للحاجات الحياتية ومتطلعة إلى المستقبل؟ وليس باستنساخ الماضي أو إلغائه!. إن الإبداع صعب ولكنه يبقى حالة متقدمة للمستقبل تأخذ العناصر الأساسية وتطورها بطريقة محاكات واستلهام التراث وليس استنساخه. ولتكوين الحالة الإبداعية في الإنتاج العمراني يمكن الاستفادة من مفهوم تطور تصاميم صناعة السيارات الرصينة التي تبعث الروح في تصاميم تحاكي الشخصية والتفرد التصميمي وتعطي الشكل العصري كحالة متقدمة ومبدعة.

الدولة في كثير من الحالات لا تملك من الأراضي داخل النسيج الحضري إلا القليل (عدا الشوارع والطرق وما تحتويه من بنى تحتية وربما بعض المباني الرسمية والخدمية)، ولا تستطيع تقديم المساعدات او الاستثمار إلا بوجود قوانين وضوابط تعميرية تصدر للغرض نفسه، وتكون الاستملاكات الحكومية مستحيلة في الظروف الحالية، كما أن المنطقة أو المناطق المراد تطويرها تكون محتويةَ على عدد كبير من السكان ذوي الدخل المحدود، ومتكونة من قطع أراضٍ وعقارات صغيرة الحجم معظمها متهالك في حالتها البيئية والإنشائية. إن مفهوم التجديد الحضري المقترح يجب ان يعطي المالكين بعض الحوافز التخطيطية الحضرية في تسهيل الإجراءات وتغيير تصنيف المباني لكي يكون الاستثمار مجدياً، ويمكن جذب مستثمرين من خارج المنطقة يساعد على تحسين البيئة الحضرية للمنطقة.

تمتاز المباني التقليدية في المناطق التي تحتاج إلى مشاريع التجديد الحضري بكونها من طابق او طابقين وبمساحات صغيرة وذات هياكل إنشائية ضعيفة إحيانا متهالكة، ولكنها تمتلك الأرض ذات الموقع المركزي والمهم في المدن. إن ضرورة وضع نظام للضوابط والاشتراطات التعميرية لغرض الاستثمار والتطوير وتحفيز المالكين بالوصول إلى القروض العقارية المناسبة وتوفير بيئة مشجعة من الاهتمام من الدولة في تنفيذ البنى التحتية والارتقاء بها. ومن اهم تلك الاشتراطات أن يسمح للمالكين او المستثمرين في دمج العقارات وانشاء مبانٍ حديثة في روحية الطرز التراثية ومتطلعة للمستقبل، مع المرونة في الاستعمال التجاري الاستثماري وزيادة الطوابق إلى ثلاث طوابق فقط للمباني السكنية التي يسمح في بيع الوحدات السكنية الجديدة فيها، والتي سوف تستقطب المواطنين المحليين من ذوي الدخل المحدود على السكن في هذه الأجزاء. ويكون مفهوم إعادة الإعمار بأسلوب مجرب في مناطق كثيرة من العالم وهو البناء منخفض الارتفاع وعالي الكثافة البنائية (Low Rise and High Density).

4. ما شكل المنتوج العمراني للمدن المستقبلية في العراق؟

لقد أصبحت معظم أجزاء المدن العراقية متشابهة، وفاقدة الهوية العمرانية وندرة شواخصها العمرانية، بسبب الأنماط المستوردة من عمارة الغرب والشرق، ولأن هذه التوجهات والاساليب الجديدة آخذة بالازدياد بدون حدود مستقبلية لتحديد ممارساتها، حتى تجاوزت تصاميم المباني التجارية والاستثمارية إلى المباني التي كانت يجب أن تكون ذات رمزية حضارية للمدن وفريدة مثل المتاحف والمسارح القومية والمراكز الثقافية والمكتبات. إن ما يحدث في بعض المدن العراقية من عمارة حديثة ومحاولة إزالة مناطق واسعة لغرض تجديدها تبدأ بمبدأ الإزالة الحضرية وتحت مسميات التطوير والتوسعة وإعادة الإعمار وتخصص مبالغ طائلة في غير محلها تساهم في الكسب الغير مشروع ويكون الفساد جليا عند موضوع الإستملاكات. وفي الحقيقة تكون هذه المشاريع تحت مسمى (النصب العمراني)، وهنالك نماذج كثيرة من الممارسات السيئة في المدن العراقية، عندما لا يمكن التوقف عن تصريحات حماية النسيج العمراني للمناطق الحضرية وتحسين أحوال الساكنين والفقراء وتحفيز النشاط التجاري والذي يعيد الذاكرة إلى الممارسات الخاطئة والفوضى في النسيج العمراني بقرارات تحويل الشوارع السكنية إلى شوارع تجارية. كما وضع مخططات زاهية المنظر يطلق عليها مشاريع بما يسمى بالصرح الحضارية وبطرز معمارية ليس فيها علاقة بالعمران المحلي المستدام لا من قريب ولا بعيد، وإنما عبارة عن كتل صماء من الخرسانة والزجاج.

والسؤال الذي يطرح على المصمم ما هو شكل المنتج العمراني الواجب عمله؟ والذي يجب أن يستجيب للبيئة الحضرية المستدامة واقتصاديات الاستثمار من جهة وأن يعكس اصالة وقيم العمران المحلي لذلك المجتمع من جهة أخرى، لغرض الحصول على إنتاج عمران مستقبلي ذو جذور محلية وعناصر تراثية متطورة وليست متخلفة بالنقل والاستنساخ.

الخاتمـــة:

إن وجود التلف الحضري وكثرة المناطق المتهرئة في المدن العراقية يحدث كلفاً اجتماعية كبيرة إذ يؤدي الاكتظاظ السكاني وعدم كفاية الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية إلى أن تصبح بؤرة للأمراض، كما أن هنالك الأخطار الفيزياوية وتشجع الجريمة التي رغم أنها تنبع جزئيا من الفقر إلا أن المناطق المتهرئة تزيد من تأثير ومدى وقوعها. والواقع أن هذه الكلفة تأثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على المجتمع الحضري، لذلك يكون تدخل الدولة ضرورياً نظراً لما تتمتع به من سلطات تشريعية وإمكانات مالية تمكنها من معالجة وتخفيف حدة تأثيرات جميع تلك القوى أو حتى إزالتها المؤثرة على التجديد الحضري للمناطق في المدن العراقية، ويكون ذلك بوضع الضوابط والاشتراطات التعميرية لمساعدة الساكنين بصيانة وترميم مساكنهم وترك فسحة للاستثمار بوضع تشريعات تشجيع دمج العقارات وتخفيف الحصول على القروض، وإعطاء تحفيز للمالكين بتغيير تصنيف الاراضي إلى استثماري وتجاري في بعض الحالات. ويكون مفهوم إعادة الإعمار بالأسلوب المجرب عالميا وهو البناء منخفض الارتفاع وعالي الكثافة البنائية.

......................................................
المصـــــــــــادر References
[1] Chapin, F.S.” Urban Land Use Planning” 2nd.ed. University of Illinois Press,
Urbana, 1965. P.310.
[2] Rothenberg, J” Economic Evaluation of Urban Renewal”. The Bookings Institution,
Washington D.C. 1967, p.34
[3] Newman Oscar” Defensible Space: People and design in Violent City” New York Mac Millan.
The Architecture Press 1972, p. 106
[4] AlKubaisy, Falah” Urban Renewal in the Arab World " KDP amazon, p.p. 210-208
.................................
* تدعو الأمانة العامة للهيئة الاستشارية العراقية للإعمار والتطوير (ICADP)، التي تأسست عام 2010، الأخوات والإخوة الزملاء الأعزاء من الأكاديميين والخبراء العراقيين المختصين في مختلف المجالات والميادين العلمية والثقافية من داخل العراق وخارجه، لتقديم رؤيتهم لإصلاح الوضع في العراق، من خلال: تقييم تجربة الحكم والعملية السياسية وإدارة الدولة ما بعد عام 2003 وإيجاد الحلول الناجعة لإخفاقاتها، عِبرَ مشاركتهم بدراساتهم ومقترحاتهم العلمية كلٌ حسب اختصاصه، وتقييمها بالشكل التالي:
أولاً ـــ تحديد المشاكل والمعوقات فيما يتعلق بالموضوع الذي يتم إختياره.
ثانياً ـــ تقديم الحلول والمقترحات العلمية الواقعية لها دون الخوض في تفاصيلها.
وإرسالها عن طريق البريد الالكتروني: E- mail: icadp@ymail.com
د. رؤوف محمّد علي الأنصاري/الأمين العام

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1