أحد الأشخاص بدأ عمله في شركة لقطع الأشجار، في اليوم الأول قطع جذور عشرين شجرة، وبعد أن أنهى عمله جاء الى مدير العمل وقدّم له منجزه وما عملهُ في أول يوم، فرح المدير كثيرا وشكر سعيه، في اليوم الثاني سعى كي يكون أفضل من اليوم الأول ولكن لم يستطع أن يقطع سوى خمسة عشر شجرة، وعاد الى البيت حزيناً، وفي اليوم الثالث كان منجزه اقل بكثير من إنتاجه في الأيام الأولى لأنه لم يستطع ان يقطع سوى سبعة أشجار، عندئذ عاد الى صاحب العمل وقال له: إنني أريد أن أستقيل من العمل لأنني لا أستطيع أن أكمل الرحلة معكم، وشرح له سبب حزنه لأن إنتاجه بات يقل تدريجيا، في تلك اللحظة سأله المدير: هل قمت بشحذ فأسك؟.

في تلك اللحظة عضّ الرجل أنامله من شدة الندم، وقال: نسيت أن أقوم بشحذ الفأس، فكل تفكيري كان منْصبّاً على عدد الشجرات التي أقوم بقلعها وليس على أي شيء آخر.

ربما جميعنا نمر بهذه المرحلة حيث تتجمد جميع قوانا ولا نستطيع أن نكمل المسير، لأننا بالغنا في العمل أو لم نفكر في كيفية العمل بصورة أفضل وما علينا فعله أو لم ندرس النقاط الايجابية والسلبية في الموضوع، أو ربما نسينا بعض المبادئ والقيم كما ذكر "آرثر جوردن" في مقاله "انقلاب المد" حكايته الرائعة عن تجربة التجديد الروحي بعد مروره بحالة ضياع مخيفة.

فقد مرت عليه أيام فقد فيها الإيمان بنفسه، وأخذ يشعر ‏كأن كل شيء في الحياة تافه وبلا معنى، وعلى اثر ذلك تلاشى حماسه في أي عمل وباتت جهوده في الكتابة بلا نتيجة، وبعد أن ازدادت حالة الضياع عنده واخذ أمره يزداد سوءا، قرر مراجعة طبيب عام، ‏حينما فحصه الطبيب ولم يجده يشتكي من أي مرض عضوي، فسأله أن كان مستعدا لإتباع تعليماته لمدة يوم واحد فقط، أجابه جوردون بالإيجاب، فطلب منه الطبيب أن يقضي اليوم التالي في المكان الذي قضى فيه اسعد أيام طفولته كما طلب منه ‏ألا يتكلم مع ‏أي شخص في ذلك اليوم، ولا يكتب أي شي ولا يستمع إلى الإذاعة مع السماح له بأن يأخذ معه بعض الطعام، ثم كتب له أربع وصفات وضع كل واحدة منها في ظرف خاص وأغلقه وأخبره بأن يفتح الظرف الأول في الساعة التاسعة صباحا، وأن يفتح الثاني في الساعة الثانية عشرة، ‏والثالث في الساعة الثالثة بعد الظهر، أما الرابع فيفتحه في الساعة السادسة مساءً، على أن يلتزم بالتعليمات الواردة فيها بدقة.

فسأله جوردون هل أنت جاد؟ فقال الطبيب بلا شك وسوف تكتشف ذلك عندما تستلم فاتورة الحساب!، وهكذا ذهب جوردون في صبيحة اليوم التالي إلى شاطئ البحر، وهو المكان الذي كان يرتاح فيه ‏عندما كان طفلا، وفتح المظروف الأول في الموعد المحدد، ليجد فيه الجملة التالية "استمع بانتباه وأصغِ" ولا شيء غير ذلك، في البداية شكَّ في الأمر، فكيف يستطيع أن يبقى يصغي لثلاث ساعات إلى أن يحين وقت فتح المظروف الثاني في الساعة الثانية عشرة؟ لكنه كان ملزما بوعده على إتباع تعليمات الطبيب.

لذلك أرخى سمعه..

في البداية اخذ يسمع الأصوات المعتادة لأمواج البحر والطيور، وبعد مدة أصبح بإمكانه أن يسمع أصوات لم تكن واضحة في البداية. وفي أثناء الإصغاء اخذ يفكر في الدروس التي تعلمها من البحر في صغره، كالصبر والاحترام واعتماد الأشياء بعضها على بعض، فراح يستمع ليس للأصوات فقط، وإنما للصمت أيضا، واخذ يشعر بنوع من الطمأنينة تسري في داخله.

عند الظهيرة فتح المظروف الثاني وقرأ فيه: حاول العودة بفكرك الى الوراء، فأخذ يفكر في ابعد ما استطاع تذكره من أيام الطفولة والذكريات السعيدة التي مر بها، تخيل تلك اللحظات التي مرت عليه من دون أن يكون لديه اي قلق، وتذكر لحظات الفرح القصيرة والعديدة وبذلك اخذ يشعر بنوع من الدفء والثقة بالنفس تتنامى في أعماقه.

‏وفي الساعة الثالثة فتح المظروف الثالث ووجد فيه جملة: "تفحص دوافعك".

قال لنفسه حقا ما هي دوافعي؟ في البداية ظن ان المطلوب هو ان يفكر في الامور التي يريدها كالنجاح، التفوق والراحة.. لكنه رأى ان هذه ليست كافية.. فأخذ يتعمق في دوافعه أكثر فأكثر ويقارنها منظومة القيم والمثل العليا، فرأى ان دوافع مثل النجاح الشخصي والتفوق على الآخرين وما شابه ذلك، ليست بذات قيمة لأنها لا ترتبط بقيمة إنسانية عليا، وأخيراً توصل الى الجواب فكتب يقول: ((في لحظة من لحظات التبصر اكتشفت انه إذا كانت دوافع الشخص وقيمه خاطئة فلا يمكن أن يصدر منه أي شيء صحيح... ل افرق ان كان ساعي بريد، او مندوب شركة أو صاحب محل او مجرد حلاق)).

فاذا كان الاهتمام منصبا على مساعدة الذات وليس مساعدة الآخرين، فانك لن تقوم بعملك بشكل جيد، أما اذا كنت تقوم بخدمة الآخرين وتنطلق من اجل قيمة عليا فانك ستقوم بعملك بشكل جيد.

ولما كانت الساعة السادسة فتح المظروف الرابع ووجد فيه: "اكتب ما يقلقلك على الرمال"، فجلس على الأرض يكتب بصدف مكسور، كان هناك عدة كلمات، ثم استدار ليعود الى بيته، ولما سار عدة خطوات كان المدّ قد جاء ومحا ما كتبه مما يقلقه.

إذن إذا أصيب المرء بشيء من التعب والإرهاق عليه ان يترك مكانه قليلا ويتبع هذه الخطوات:

يستمع بانتباه ويصغي، يحاول العودة بفكره الى الوراء، يفحص دوافعه، يكتب ما يقلقه على الرمال حتى وان كان بعيداً عن البحر، لأن الرمال تتغير أشكالها بسرعة كبيرة وترجع كما كانت في البداية بعد المد، فنفس الإنسان تكره أحيانا بعض الأعمال والأفعال المعتادة، لذلك من الواجب ان يبحث المرء عن بعض الراحة لها كي يبدأ أقوى من قبل.

قال الإمام الكاظم عليه السلام:

اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان الثقاة الذين يعرفون عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات.

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.

إذن لابد أن يحظى الإنسان ببعض الراحة كي يعرف نقاط ضعفه وقوته، لأجل إنتاج أقوى وأفضل ولكن عليه أن يسعى كي لا تتبدل الراحة الى الكسل لأن الزائد كالناقص.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0