تتحقق السيادة العراقية عندما يتحرر القرار الوطني من التبعية والوصاية الخارجية، وتترسخ قوته من خلال رصانة المؤسسات الخدمية والتنموية لا بالقوة العسكرية وحدها... فالدولة القوية لا تُبنى فوق جسد واهن تمزقه التناحرات الطائفية والسياسية الضيقة، بل تبنى بحماية كرامة المواطن وضمان عيشه الكريم...

يوم 3 - 10 - 1932 أصبح العراق عضوا في (عصبة الأمم)، بعد انتهاء مدة الانتداب البريطاني التي امتدت منذ العام 1920، أي أن العراق بات (دولة مستقلة) منذ ذلك التاريخ. لو سُئِل المواطن العراقي البسيط الذي عاش في تلك المرحلة عن مدى احساسه بالفرق بين حياته تحت الانتداب وكيف أصبحت بعده، لكان الجواب بعدم وجود فارق كبير، لاسيما اذا كان من الفلاحين والعمال، الذين كانوا يعيشون أوضاعا مزرية امتدت إلى ما بعد هذا التاريخ طويلا، والسبب هو أن (السيادة) التي تحققت وقتذاك، لم ترافقها وتعززها مشاريع تنموية واصلاحات اقتصادية كبيرة وحقيقية تنعكس على حياة المواطن، وتشعره بسيادته في بلده من خلال توفر أسباب العيش الكريم، فطبقة الاقطاع ظلت هي المتحكمة بحياة الفلاحين وتعاملهم كالعبيد اما العمال، فكانوا كمن يعمل بالسخرة، بلا قوانين ضامنة لحقوقهم ويعيش أغلبهم في فقر مدقع.

ومن هنا أصبح مفهوم السيادة مفرّغ من محتواه الحقيقي، وأقرب إلى الشعار منه إلى الواقع. مع كل هذا، فإن دخول العراق (عصبة الأمم) ومن ثم دخوله في (هيأة الأمم المتحدة) العام 1945 كان بمثابة نافذة للأمل في بناء دولة تمتلك مقومات السيادة، وقد أثبتت الأحداث في ما بعد، إن الانعتاق الحقيقي يحتاج إلى تكامل الجهد الوطني وترشيده أيضا بالسياسة الحكيمة، بعيدا عن الأهداف الطوباوية والمشاريع الجهوية التي تقوض الجهد الوطني، وتؤدي إلى استهلاك طاقات الشعب والدولة معا. 

 نعود لنسأل؛ هل تحققت سيادة العراق بالكامل؟ نعم تحققت لاحقا، لكن الحكومات التي تعاقبت على حكمه ظلت بها حاجة إلى قراءة التوازنات الدولية، والتعامل معها بما يضمن مصالح البلاد وسلامتها وبما لا يعرضها إلى تهديدات جدية، وللأسف لم تكن تلك القراءة حاضرة عند اغلب الساسة العراقيين، لا سيما بعد العام 1958 ممن تسلّموا الحكم أو الذين صارعوهم أو نافسوهم عليه!.

للتاريخ، ينبغي ألا نتجاهل أن إتساع مساحة المطالبة بالسيادة الحقيقية والكاملة قبل العام 1958 أتت كمحصلة لاتساع مساحة الوعي، وهذا لم يأت من فراغ بل من وجود برامج تنموية، لكنها ظلت دون مستوى إمكانيات العراق الاقتصادية وحجم ثرواته الطبيعية، التي كانت تبحث عمن يفعّلها ليجعلها كافية للقضاء على الفقر وبناء مجتمع معافى وسليم.

يعرف الجميع تداعيات الأحداث والتجربة المريرة التي عشناها، وصولا إلى راهننا الذي يتطلع فيه الناس للخلاص وبناء الدولة العصرية، التي تليق بشعب يكتظ بالطاقات الخلاقة، اذا ما خلصت النيات وتوحّد القرار السياسي العراقي باتجاه بناء دولة المواطنة، وليست دولة المكونات التي يعمل البعض على دفعها للتصارع ولو نفسيا من خلال إثارة أمور لا مصلحة لأحد فيها.

نعم، تتحقق السيادة حين يتحرر البعض من الشعور بالدونية والرضوخ لوصاية هذه الدولة أو تلك في المنطقة والعالم، والتعامل مع الجميع بما يضمن مصالح بلادنا، وستتعزز السيادة حتما حين تكون يد الدولة قوية بما تقدمه للناس، بعيدا عن الفساد والفاسدين، الذين نهشوا لحمها ونخروا عظامها طيلة العقدين الماضيين، ويد الدولة هنا ليست بالضرورة العسكرية، بل بقوة مؤسساتها الخدمية ورصانتها.

قوة الأذرع العسكرية والأمنية ضرورة لا بد منها للدولة، لكن لا قيمة لهذه الأذرع إن كانت في جسد واهن وتمزق أبنائه الفرقة والتناحرات، التي يسعى البعض ممن يسمون أنفسهم بالسياسيين لإثارتها، لتحقيق مكاسب آنية وضيقة، ولعلنا عشنا فصولا من هذه الممارسات الشاذة والغريبة على مجتمعنا وكيف دفعنا ثمنها جميعا، وينبغي أن تكون دروسا.

نحن متفائلون بإمكانية تحقق السيادة على الأرض وليست رفعها كشعار، ومتفائلون بأن لدينا من الموارد البشرية المدنية والعسكرية الكافية لجعل السيادة عنوانا لمستقبل بلادنا، وهذا هو أملنا جميعا.

اضف تعليق