اختيار الأحسن هو جوهر النجاح الفردي والمجتمعي، كما تؤكد الآية «فيتبعون أحسنه». فالعقل الحر، والإصغاء الواعي، والاستشارة، وحفظ التجربة، وتقديم الأهداف الاستراتيجية، كلها تقود إلى مفاضلات إيجابية تصنع الثقة والتقدم. أما تبرير الفشل بالمقارنة مع الأسوأ فيعطل النهوض، ويجعل الأفراد والمجتمعات أسرى الماضي، والنجاحات الوهمية، والخيارات الرديئة المتكررة...
(فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
إذا تابعتَ رأيين أو أصغيتَ إلى استشارتين، ثم اتّبعت أحسنهما، فأنت ناجح، أما إذا اخترت أسوأهما، فهذا يعني أنك جاهل وفاشل!
متى؟ ولماذا؟ وكيف؟
- إذا كنت تفكر بعقلك فستختار الأفضل.
- وإذا كنت تقدم الأهداف الاستراتيجية على الأهداف الآنية فستختار الأفضل.
- وإذا كنت قادرًا على التفكير وتقليب الأمور ظهرًا عن بطن، كما يصف ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فستختار الأفضل.
- وإذا كنت حرًا في السؤال وحرًا في الاختيار فستختار الأفضل.
- وإذا كنت تعرف فن الإصغاء من دون خطوط حمراء أو الاعتناء بالخلفيات فستختار الأفضل.
- وإذا كنت قادرًا على استيعاب النتائج الباهرة، وذا همة عالية، فستختار الأفضل.
- وإذا كنت جاهزًا لاستفراغ ما في عقل الآخر من معلومات قيّمة وأفكار بنّاءة، والإصغاء إليها بما يمكن أن يساهم في تطوير المشاريع وتحسين الإنجاز، فستختار الأفضل.
كل هذا وأكثر أتى على ذكره الآية الكريمة: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ).
ثم، وبناءً على كل هذه الأسس، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، توكيدًا للمعاني العميقة التي وردت في الآية الكريمة: (خُذِ الْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ، فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ، فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ)، و(الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ).
إن الحياة نجاحات متراكمة، وهي لا تتحقق إلا بالخيارات الأحسن في كل شيء ولكل شيء.
وهي قصيرة لا تتحمل التجربة في كل شيء؛ ولذلك فلا بد من توظيف التجارب لاختزال الزمن، وتقصير المسافات، والإسراع في الإنجازات.
فمن وصيته لولده الحسن السبط (عليه السلام)، كتب أمير المؤمنين (عليه السلام): (وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ، مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ).
وعن التجربة يقول (عليه السلام): (الْجُودُ حَارِسُ الأَعْرَاضِ، وَالْحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ، وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ، وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ، وَالِاسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ، وَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ، وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحِدْثَانَ، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ، وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى، وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ، وَمِنَ التَّوْفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ، وَالْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ، وَلَا تَأْمَنَنَّ مَلُولًا).
ولذلك نرى أن الثقافة القرآنية ترسّخ في عقولنا، عند التفاضل، اختيار الأفضل والأحسن والأسمى والأنجح والأقوى، وليس فقط الفاضل والحسن والسامي والناجح والقوي.
بمعنى آخر، فإذا أراد المرء أن ينجح في حياته، فعليه أن تكون مفاضلاته بين الحسن والأحسن، على الرغم من أن كليهما ناجح وجيد، وربما يفيان بالغرض، إلا أن مفاضلة الأحسن على الحسن تكسب المرء نجاحًا أكبر وإنجازًا أفضل، فضلًا عن أن ذلك يوفر له الوقت والجهد. ولهذا السبب نلاحظ أن المجتمعات المتقدمة والمتحضرة تفضّل النوعية [Quality] على العدد [الكمية] [Quantity] في كل شيء، ومنها الإنتاج والنتائج.
كذلك الشعوب والأمم والمجتمعات التي تسعى للنهوض والنجاح، فهي تحرص على تقديم أفضل خياراتها.
ولقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: (مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ، وَخَانَ رَسُولَهُ، وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ)، وفي آخر: (مَنْ تَوَلَّى مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَأَعْلَمُ مِنْهُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ).
أما الفاشلون، فردًا أو مجتمعًا لا فرق، فيدافعون عن فشلهم بالقول: «ليس بالإمكان أفضل مما كان»، و«لا شك أن الوضع سيئ، ولكنه كان يمكن أن يكون أسوأ»، و«أنا مكمّل في درسين، لكن غيري رسب في ثلاثة دروس»، و«صحيح أنا فاسد، لكن غيري أفسد مني»، وهكذا!
العقلية الأولى تقود إلى الأمام، والثانية تدفع للخلف، وفي أحسن الفروض يبقى المرء أو المجتمع يراوح مكانه، لا يتذوق طعم التقدم إلى الأمام أبدًا. ولذلك ترى الفاشلين يحنّون دائمًا إلى الماضي؛ لأنه أبدًا أفضل من حاضرهم، وحاضرهم أفضل من غدهم!
المجتمعات الفاشلة تقارن يومها بأمسها، أما المجتمعات الناجحة فتقارن يومها بغدها.
وإن من أبرز نتائج المفاضلة الإيجابية أنها تنتج:
- الثقة بالذات.
- الإمساك والتحكم بزمام الأمور.
- الإبقاء على هدف ذي مغزى أخلاقي.
- الحذر دائمًا من الاحتفال بالنجاحات الوهمية: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا). فالمفاضلات الإيجابية تقود إلى نجاحات حقيقية، أما المفاضلات السلبية فتقود إلى نجاحات وهمية، هي السبب المباشر في تدمير المشاريع والخطط التي يرسمها الإنسان الفرد والإنسان المجتمع.
ولتحقيق كل هذا، نلاحظ اهتمام الثقافة القرآنية بالتحريض على التفاضل الإيجابي، كقول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)، (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)، (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ)، (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ)، (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
أما المجتمعات الجاهلة والمتخلفة، فخياراتها تتراوح بين الفاسد والأفسد، وبين الفساد والفوضى، وبين الفاشل والأفشل، وبين المكمّل بدرس والراسب بثلاثة دروس، وبين الهزيمة والاستسلام، وهكذا!
فمتى يُحسن الإنسان الفرد والإنسان المجتمع خياراتهما، فيتقلّبان بين الحسن والأحسن، ويغادران معادلة السيئ والأسوأ؟
1. بالثقافة.
2. بالإرادة التي تعتمد حرية الاختيار.
3. بالهمم العالية، والتطلع إلى أعلى، والنظر ببصيرة إلى أقصى الأمور.



اضف تعليق