يتناول المقال قراءة تحليلية وسياسية للعبارة العفوية التي أطلقها رئيس الوزراء: "فلوس ماكو، يعني بوك ماكو"، معتبراً إياها توصيفاً مكثفاً وساخراً لواقع معركة الفساد في العراق. ويناقش كيف أن انحسار الموارد يضيق مساحة الاختلاس تلقائياً بدلاً من القضاء عليه مؤسسياً، محذراً من أن الجفاف المالي ليس حلاً لبناء الدولة...

في حوار جرى في بغداد، جاءت عبارة عفوية من رئيس الوزراء السيد علي فالح الزيدي، لتفتح بابا واسعا أمام سؤال أكبر من مجرد الحديث عن المال والإنفاق: «فلوس ماكو، يعني بوك ماكو»، قد تبدو العبارة بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تختصر جانبا عميقا من أزمة الفساد في العراق، وتضع المشكلة أمام الناس بصيغة مباشرة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

العفوية هنا لم تكن مجرد زلة لسان أو تعبير عابر، فقد حملت معنى سياسيا واقتصاديا مهما، فإذا كانت الأموال متوفرة، تبقى فرص الفساد والعبث بالمال العام قائمة، وتبقى الحاجة إلى رقابة صارمة ومؤسسات قوية وقضاء قادر على المحاسبة، أما حين لا تكون هناك أموال أصلا، فإن مساحة الفساد تضيق تلقائيا، لأن الفساد في جوهره يحتاج إلى موارد يمكن الاستحواذ عليها أو التلاعب بها.

هذه الفكرة تقود إلى استنتاج أكثر قسوة، المشكلة ليست في الفساد وحده، وإنما في البيئة التي تسمح له بالاستمرار، المال العام عندما يكون متاحا من دون حماية مؤسساتية كافية يتحول إلى هدف مغر لشبكات المصالح، فيما تتحول المشاريع والعقود والمناصب إلى أبواب محتملة لتحقيق المنافع الخاصة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة عبارة "فلوس ماكو" باعتبارها توصيفا ساخرا لواقع أكثر تعقيدا، فغياب المال يعني لا القضاء على الفساد، يعني بصورة اخرى حرمان الفساد من أهم أدواته، الفساد لا يموت لأنه تم القضاء عليه، وإنما يتراجع عندما تجف الموارد التي تغذيه.

المفارقة أن الحل الحقيقي لا ينبغي أن يكون في ندرة الأموال أو ضعف الدولة ماليا، فالدولة القوية تحتاج إلى موارد كبيرة كي تقدم الخدمات وتبني البنية التحتية وتوفر فرص العمل، الحل يكمن في أن تكون الأموال موجودة، مع وجود نظام يمنع سرقتها أو هدرها، ويجعل كل دينار عام خاضعا للرقابة والمساءلة.

لذلك، فإن عفوية رئيس الوزراء في ذلك الحوار ربما كشفت عمق المشكلة أكثر مما كشفت بساطة العبارة. فالمعركة مع الفساد لا تُحسم بالشعارات، ولا بمجرد الإعلان عن ملاحقة الفاسدين، وإنما ببناء منظومة تجعل المال العام صعب المنال أمام من يريد تحويله إلى منفعة شخصية.

قد يكون «بوك ماكو» وصفا ساخرا لواقع مالي صعب، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا جديا: هل نريد دولة لا تجد الأموال كي لا تجد طريقا إلى الفساد، أم دولة تمتلك الأموال وتملك معها مؤسسات قادرة على حمايتها؟

الإجابة هي التي تحدد شكل المعركة المقبلة، فالقضاء الحقيقي على الفساد لا يأتي من اختفاء المال، وإنما من اختفاء القدرة على سرقته.

اضف تعليق