الأسلحة البيولوجية واحدة من أكثر الأسلحة غير المرئية غموضاً وفتكاً في الترسانات الحديثة، إذ لا تتوقف تداعياتها على الدمار البشري والاقتصادي الذي تخلّفه فحسب، وإنما على معرفة هوية الجاني والأهداف التي تكمن خلفه. وفي ظل تصاعد المنافسة العالمية بين القوى الكبرى والحروب الصامتة الباردة، لم يعد تحقيق النصر يقاس...
لطالما شكّلت الأسلحة البيولوجية، أو ما يُسمّى بالعدو غير المرئي، عبر العصور، سلاحاً فتاكاً؛ إذ تستهدف على نحو مباشر تدمير البنية البشرية والاقتصادية للخصم وإنهاءها، بصورة غير مرئية ودون إطلاق رصاصة واحدة، مما يخلّف آثاراً وتداعيات وخيمة، ويجعل من الصعب إثبات الهجوم أو تحديد هوية الجاني بشكل قاطع.
ونقصد بـ(الأسلحة البيولوجية) استخدام الكائنات الحية الدقيقة، كالفيروسات والبكتيريا، أو سمومها، لإحداث أوبئة متعمدة؛ إذ تشكّل هذه الأسلحة ركيزة لـ"الحروب الصامتة" بين القوى الكبرى.
وقد شهد العالم في عام 2019 واحداً من أخطر الفيروسات مجهولة الهوية التي عرفتها البشرية، والذي عُرف بـ(كوفيد-19)، إذ تسبب هذا الفيروس في تعطيل وشل الاقتصاد العالمي وتباطؤ نموه النسبي، إضافة إلى الآثار التي خلّفها الفيروس على الواقع السياسي والاجتماعي للدول، بدءاً من استنزاف قدرة الدولة على التعامل مع تحدياته وضحاياه، مروراً بإغلاق المطارات وشل البنية التحتية، وصولاً إلى الخسائر المادية والبشرية التي تركها العدو غير المرئي، ولا سيما على الدولة الأصل التي انطلق منها الفيروس، ألا وهي الصين.
فقد واجهت الصين واحدة من أكبر المعضلات والتحديات في العصر الحديث، ولا سيما في التعامل مع طبيعة فيروس غير مرئي فتاك، مجهول الهوية وبنية التكوين، فضلاً عن التأخر في إيجاد مضاد أو مصل في مدة قصيرة للتعامل معه والقضاء عليه.
ومن خلال ما تقدم، يمكن بيان خصائص وآليات الحروب البيولوجية التي تجعلها أداة خفية للصراع الاستراتيجي، وعلى النحو الآتي:
أولاً: الطبيعة غير المرئية
هذه الأسلحة لا تترك آثاراً تدميرية على البنية التحتية مثل الأسلحة النووية، بل تهاجم الأفراد بشكل مباشر، وتنتشر بسرعة كبيرة، متجاوزة الحدود الوطنية للدول.
ثانياً: البيولوجيا التركيبية والجينات
تستخدم الدول الكبرى المتقدمة التكنولوجيا الحيوية المتطورة لهندسة سلالات جديدة ومتحورة من مسببات الأمراض، مثل: الجمرة الخبيثة أو الإيبولا، والتي قد تقاوم اللقاحات والعلاجات الحالية، كونها متقدمة السلالة ومطورة، وتفوق القدرة العلاجية للقاحات.
ثالثاً: حروب الإنكار المعقول
نظراً لصعوبة التمييز بين الأوبئة الطبيعية والهجمات المتعمدة، تلجأ القوى الكبرى إلى استخدامها كورقة ضغط تكتيكية، مما يتيح للدول المهاجمة البقاء في منطقة "الإنكار المعقول"، والتنصل من المسؤولية. وتلجأ إليها الدول الكبرى عندما لا تجدي أدوات الاحتواء الاستراتيجية للخصوم نفعاً، ويصبح تقدمهم، سواء اقتصادياً أو تكنولوجياً، هائلاً، ومن الصعوبة السيطرة عليه.
رابعاً: الردع المتبادل والمختبرات المتقدمة
تدير القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، شبكات معقدة من المختبرات المتقدمة حول العالم، بما يتوافق مع اتفاقية الأسلحة البيولوجية؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون ذلك لتخزين الأسلحة المحظورة، بل لتطوير أبحاث الجينوم والدفاع البيولوجي، كشكل من أشكال الردع الصامت.
وفي الختام، تُعد الأسلحة البيولوجية واحدة من أكثر الأسلحة غير المرئية غموضاً وفتكاً في الترسانات الحديثة، إذ لا تتوقف تداعياتها على الدمار البشري والاقتصادي الذي تخلّفه فحسب، وإنما على معرفة هوية الجاني والأهداف التي تكمن خلفه. وفي ظل تصاعد المنافسة العالمية بين القوى الكبرى والحروب الصامتة الباردة، لم يعد تحقيق النصر يقاس بحجم الدمار العسكري، بل بالقدرة على الصمود الجيني، وحماية الأمن الصحي، وتطوير أنظمة دفاع بيولوجية حيوية، قادرة على كشف التهديدات والمخاطر غير المرئية، وشلّ انتشارها وتعطيل قدراتها قبل فوات الأوان.



اضف تعليق