البطالةُ قنبلةٌ صامتةٌ، فالشابُ العاطلُ لا يعاني فقط من ضائقةٍ ماليةٍ، بل من شعورٍ عميقٍ بفقدانِ القيمةِ والجدوى؛ ما يجعلُ الانحرافَ وسيلةً للبقاءِ لا مجردَ سقطةٍ أخلاقيةٍ. إنَّ تركَ الشبابِ فريسةً للفقرِ يعني تركَ مستقبلِ المجتمعِ في مهبِّ الريحِ، ما يتطلبُ مسؤوليةً مشتركةً تبدأُ بإصلاحاتِ الدولةِ وتنتهي باحتواءِ المجتمعِ واستثمارِ الشبابِ في ذواتِهم...
يقف آلاف الشباب على مفترق طرق يصعب فيه اتخاذ قرار ينجيهم أو يوصلهم إلى بر الأمان، فهم وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المأساوية وانعدام فرص العمل، يتحيرون بين الصبر على بطالة قاتلة، أو الانزلاق نحو سلوكيات منحرفة تفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً. وبين هذا وذاك يتصاعد في الأفق سؤال منطقي: من المسؤول فعلاً عن هذا الانحدار؟ هل هي الدولة التي عجزت عن توفير فرص العمل؟ أم المجتمع الذي تقاعس عن احتواء أبنائه؟ أم أن الشاب نفسه جزء من هذه المعادلة المعقدة؟
لا يمكن الحديث عن الانحراف السلوكي بمعزل عن الفقر، إذ إن العلاقة بينهما علاقة سببية واضحة، وعندما يجد الشاب نفسه عاجزاً عن تأمين أبسط متطلبات الحياة، ومع غياب الأمل في تحسين وضعه، تبدأ منظومة القيم لديه بالتآكل تدريجياً، وهنا يصبح الانحراف خياراً مطروحاً لا بدافع الرغبة.
تشير دراسات في علم الاجتماع إلى أن البيئات الفقيرة غالباً ما تكون أرضاً خصبة لانتشار الجريمة وتعاطي المخدرات والسلوكيات الخطرة، لأن الفقر بحد ذاته يولد الانحراف، ويخلق ظروفاً ضاغطة تدفع الأفراد إلى البحث عن بدائل غير مشروعة، وفي مثل هذه الحالات، يتحول الانحراف إلى وسيلة للبقاء، وليس مجرد انحراف أخلاقي.
في الأحياء الهامشية والمناطق التي تعاني من نقص الخدمات وفرص العمل، تتجلى هذه الحقيقة والواقع المؤلم، فلم يكن أمام الشباب الذين يمتلكون طاقات كبيرة فرصة للتعبير عن هذه الإمكانات، فهم محاصرون بواقع اقتصادي خانق، ما يجعلهم عرضة للاستغلال من قبل شبكات الجريمة أو الجماعات المنحرفة.
البطالة قنبلة صامتة
وفق ما تقدم يمكن النظر إلى البطالة بوصفها حالة نفسية واجتماعية خطيرة، فالشاب العاطل عن العمل لا يعاني فقط من ضائقة مالية، بل من شعور عميق بفقدان القيمة والجدوى، وهذا الشعور قد يتحول إلى غضب مكبوت، أو إلى انسحاب اجتماعي أو حتى إلى سلوك عدواني.
الأخطر من ذلك، أن البطالة الطويلة الأمد تخلق جيلاً فاقداً للثقة بالمؤسسات، وغير مؤمن بجدوى التعليم أو العمل القانوني، ومع مرور الوقت تصبح الخيارات غير القانونية أكثر جاذبية، خاصة إذا كانت توفر دخلاً سريعاً أو شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء.
وهنا لا يمكن إعفاء الدولة من المسؤولية في هذه المعادلة، فهي الجهة الأولى المعنية بتوفير بيئة اقتصادية مستقرة وفرص عمل كافية، ونظام تعليمي قادر على إعداد الشباب لسوق العمل، وعندما تفشل الدولة في هذه المهام، فإنها تترك فراغاً خطيراً تملؤه الفوضى.
ويأتي تحت نطاق مسؤولية الدولة بناء منظومة حماية اجتماعية فعالة، تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للفئات الأكثر هشاشة، كما أن عليها دوراً محورياً في محاربة الفساد، الذي يلتهم الموارد ويقوّض فرص التنمية.
في مقابل دور الدولة يقف المجتمع كخط دفاع أول في مواجهة الانحراف؛ فالأسرة، المدرسة، والمؤسسات الدينية والثقافية، جميعها تلعب دوراً حاسماً في توجيه الشباب واحتوائهم. فالأسرة، على وجه الخصوص، هي البيئة الأولى التي يتشكل فيها وعي الفرد، وعندما تكون الأسرة مفككة أو عاجزة عن توفير الدعم النفسي والمادي، فإن احتمالات الانحراف تزداد بشكل كبير، كذلك فإن غياب الرقابة المجتمعية، أو التساهل مع بعض السلوكيات، قد يساهم في تطبيع الانحراف بدلاً من مقاومته.
أما المؤسسات التعليمية فهي مطالبة بأن تتجاوز دورها التقليدي لتصبح فضاءات حقيقية لتنمية المهارات وبناء الشخصية، فالتعليم الذي لا يفتح آفاقاً للعمل، قد يتحول إلى عبء بدلاً من أن يكون فرصة.
المسؤولية المشتركة طريق الحل
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المسؤولية مشتركة؛ لا يمكن تحميل الدولة وحدها كل اللوم، ولا يمكن أيضاً تبرئة المجتمع أو الأفراد، فالمشكلة مركبة وتتطلب حلولاً متكاملة.
من جهة تحتاج الدولة إلى إصلاحات جذرية في الاقتصاد والتعليم تخلق فرصاً حقيقية للشباب، ومن جهة أخرى، يحتاج المجتمع إلى إعادة تفعيل دوره في التوجيه والاحتواء وتعزيز القيم الإيجابية. كما أن الشباب أنفسهم ليسوا مجرد ضحايا، وتقع عليهم مسؤولية أن يكونوا فاعلين في هذه المعادلة، من خلال الاستثمار في الذات وتطوير المهارات والبحث عن فرص بديلة، وفي المحصلة جميعها خطوات يمكن أن تخفف من حدة الأزمة، حتى في ظل الظروف الصعبة.
ترك الشباب فريسة للبطالة والانحراف يعني ببساطة ترك مستقبل المجتمع بأكمله في مهب الريح، فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، فهم طاقة الأمة ومحركها الأساسي، وإذا لم يتم احتواؤهم وتمكينهم، فإن كلفة ذلك ستكون باهظة على الجميع.



اضف تعليق