المشكلة ليست في فتح باب الترشيح، بل في الطريقة التي يُفتح بها، وفي الرسائل التي يبعثها، ومن دون إصلاح حقيقي لآلية الترشيح وتشديد المعايير، وربط المنصب بالكفاءة لا بالمجاملة، سيظل السؤال حاضرا في كل دورة: هل نحن نستخف بالمنصب؟ أم نعترف بفشل الآلية؟ أم نراهن على نسيان الجمهور؟...

انتهت المدة التي حددها مجلس النواب للترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، ولا اعرف فتح هذا الباب هل يمكن عده استخفاف بالمنصب ام بالجمهور؟، او يمكن النظر اليه على انه ادل دليل على النظام الديمقراطي الذي يتمتع فيه البلد.

مع كل إعلان رسمي عن فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، تتجدد حالة من الجدل السياسي والإعلامي، لا بسبب الحدث بحد ذاته، بل بسبب ما يرافقه من مشاهد تثير الريبة والأسئلة.

ونتيجة لإتاحة هذه الفرصة امام الجمهور، يتقدم عشرات المرشحين للمنصب، بعضهم بلا تجربة سياسية تُذكر، وآخرون بلا مشروع وطني واضح، فيتحول استحقاق يفترض أن يكون مفصليا في عمر الدولة إلى مادة للسخرية والشك وفقدان الثقة. 

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما يجري استهزاء بالمنصب، أم خلل في الآلية، أم استخفاف بوعي الجمهور؟

من الناحية الدستورية، فتح باب الترشيح إجراء سليم ومطلوب، ويُعد أحد مظاهر النظام الديمقراطي، غير أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأسماء المتقدمة، بل بنوعية الخيارات المطروحة، عندما يصبح المنصب السيادي الأعلى في الدولة مفتوحا أمام مرشحين لا يملكون الحد الأدنى من المؤهلات السياسية أو الرمزية، فإننا أمام أزمة تتجاوز النصوص إلى الفلسفة التي تُدار بها الدولة.

الاستهزاء بالمنصب يبدأ حين يُفرَّغ من معناه، فرئيس الجمهورية، حتى في الأنظمة التي تُقيّد صلاحياته، يبقى رمز وحدة الدولة وضامن الدستور، وصوتها في الداخل والخارج.

لكن يبدو هنالك إجراءات وممارسات تريد تحويل هذا الموقع إلى نتيجة رقمية لتوازنات هشة أو تسويات مغلقة، أولى هذه الخطوات هي الطريقة التي تُدار فيها مسألة الترشيح، فهي طريقة لم تراعى فيها هيبة الموقع ولا وزنه المعنوي.

ويبقى الإشكال الأعمق يكمن في الآلية نفسها، فالشروط الدستورية الحالية تركز على معايير عامة، كالعمر والجنسية وعدم المحكومية، دون أي اشتراط للكفاءة، أو الخبرة، أو السجل الوطني.

وكنا نتمنى ان يكون الشخص المرشح يخضع للجان تقييم، وظيفتها اجراء اختبارات جدية، تقرر بعدها فيما اذا يصلح المرشح لإدارة المنصب او لا، وليس في ذلك من اشكال طالما الامر يتعلق بمستقبل البلد ومكانته الدولية والإقليمية، لذا حريّ بالساسة العراقيين ان يكونوا حريصين من حيث المبدأ على تحقيق هذه الغاية.

اما فتح الترشيح وإن كان شكليا بلا غربال وبلا رؤية يتحول الموضوع الى اجراء او حركة صورية، يدفع ثمنها الجمهور، فهو الحلقة الأكثر تضررا، فحين يرى المواطن هذا الكم من الترشيحات العبثية، يشعر بأن العملية برمتها شكلية، وأن المنصب لا يُدار بوصفه مسؤولية وطنية، بل كإجراء دستوري لتجاوز أزمة مؤقتة.

هذا الشعور المتراكم يولّد لامبالاة سياسية، ويعمق فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات، ويغذي الاعتقاد بأن الإرادة الشعبية غائبة عن لحظات القرار الحاسمة.

في الخلاصة، المشكلة ليست في فتح باب الترشيح، بل في الطريقة التي يُفتح بها، وفي الرسائل التي يبعثها، ومن دون إصلاح حقيقي لآلية الترشيح وتشديد المعايير، وربط المنصب بالكفاءة لا بالمجاملة، سيظل السؤال حاضرا في كل دورة: هل نحن نستخف بالمنصب؟ أم نعترف بفشل الآلية؟ أم نراهن على نسيان الجمهور؟

وربما، في واقع الحال نحن نفعل الثلاثة معًا.

اضف تعليق