أصبحت الانتخابات البرلمانية حقًّا مختبرًا يجرب فيه الثالوث الموازي قدراته كقوة ظل ليتصدر احتكار السلطة المحاصصاتية بنفسه مباشرة لابتلاع الحصة الأكبر من الريع ولكن تُسقطه أحزابه التي تعمل باسمه قبليًّا أو دينيًّا أو إثنيًّا أو حتى المزايدة باسم ليبراليته في اقتصاد السوق...!

يالها من دراسة عميقة في أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق... لقد أسقط الجيل الجديد (Z generation) مع تقدم دوره في ممارسة حقوقه الدستورية كناخب يصل إلى صناديق الانتخاب بالتصويت أركان القوة السياسية الممسكة بزمام السلطة أو المؤول لها كقوى سياسية (سوف تحتكر القوة)، وهي أحزاب ارتكزت وما زالت ترتكز في بنائها الطائفي أو الإثني على ثلاثية الدولة الموازية: ( الدين والقبيلة ورأس المال) لتتشكل منها الدولة العميقة.

وكلما تقدم ركن من أركان تلك الثلاثية لولج السلطة من خلال الديمقراطية لممارسة نهب الريع النفطي واحتكاره المباشر، أسقطته القوى السياسية التقليدية وأرجعته إلى الدولة الموازية أو لجمه بالدولة العميقة في أفضل الحالات، ذلك دون أن يستحوذ على كامل الريع ويهيمن بانقلاب ديمقراطي على صناديق الناخبين، فالتقسيم حقًّا بدأ برجال الدين ثم رجال الأعمال وأخيرًا الزعامات القبلية...

لقد نجحت الأحزاب الطائفية والإثنية في توليد قوة طاردة لنفوذ سلطات الدولة الموازية الثلاثية خلال السنوات العشرين الأخيرة من الديمقراطية في العراق، ولن تسمح لأي انقلاب أو غلبة في الاستثمار الديمقراطي لمصلحة الدولة الموازية لكي تصبح كيانات رسمية وتستبدل ثوبها وتحل محل القوى السياسية التي ترتكز عليها أيديولوجيًّا في شكليات إدارة الدولة المحاصصاتية،(power sharing) . إذ يقول الكاتب والمفكر إبراهيم العبادي بهذا الشأن: (يعاني المشهد العراقي الانتخابي من الرتابة، إذ تتكرر الوجوه والشعارات والبرامج، ولا يظهر تجديد حقيقي في الخطاب السياسي، والقوى الحزبية لا تزال تتحدث بلغة الماضي... ومتجاهلةً ما يقوله الشارع وما تهمس به عقول الشباب الباحثين عن فرصٍ وعدالةٍ وكرامة).

ثالوث موازٍ

لذلك أصبحت الانتخابات البرلمانية حقًّا مختبرًا يجرب فيه الثالوث الموازي قدراته كقوة ظل ليتصدر احتكار السلطة المحاصصاتية بنفسه مباشرة لابتلاع الحصة الأكبر من الريع ولكن تُسقطه أحزابه التي تعمل باسمه قبليًّا أو دينيًّا أو إثنيًّا أو حتى المزايدة باسم ليبراليته في اقتصاد السوق...!

فإذا كانت الأحزاب التقليدية تستثمر في صناديق الانتخاب بأيديولوجية القبيلة والغنيمة والعقيدة، فلن تسمح للسلطة الأيديولوجية الظلية أو الموازية أن تتربع على سدة البرلمان. وهنا يبرز الفصل العمودي بين السلطات التشريعية التقليدية والسلطة الظلية الطائفية والإثنية، أي السلطة الأيديولوجية في الدولة الموازية. وهو نمط الصراع الخفي داخل معسكر الأحزاب السياسية الممسكة (بسلطة الاستجواب Interpellation) بكونها (تحتكر القوة) كما يسميها لوي ألتوسير، ولن تسمح للسلطة الموازية (الأيديولوجية) أن تستبدل ثوبها كسلطة موازية لتأخذ مواقع مباشرة من حالة الظل أو التوازي إلى السلطة المباشرة لتحتكر القوة الرسمية، أو الانتقال من الأيديولوجي الموازي في الظل إلى سلطة الاستجواب الرسمي في احتكار القوة والنفوذ الأيديولوجي، مما يتيح لها الهيمنة في الصراع على الفائض من الريع النفطي وتحويل الفتات لغير الأحزاب السياسية المعتمدة على أيديولوجيات ذلك الثالوث من خارج احتكار القوة الرسمية.

اضف تعليق