آراء وافكار - مقالات الكتاب

نحن دولة

(1)

قال لي صحفي قديم: خلال فترة رئاسة السيد أسامة النجيفي لمجلس النواب دخلنا في التلفزيون الرسمي حالة من التوتر مع بعض العاملين بمكتبه، وتم منع كادرنا من تغطية جلسات البرلمان لندخل ازمة استمرت اكثر من شهرين، اشعلها مقربون منه لرغبتهم ان تتقدم اسمه صفة (الرئيس)، واتهمونا بالطائفية لأننا كتبنا النجيفي رئيس مجلس النواب دون ان تسبقها مفردة (الرئيس)، فهم يريدون ان تكون العبارة (الرئيس أسامة النجيفي) او (الرئيس النجيفي) لا النجيفي، يا لعقدة (السيد الرئيس) التي لا ندري هل ماتت ام انها دفنت حية.

(2)

قال صحفي آخر: تولي الدكتور سليم الجبوري الموقع في فترة عصية وقد زرته اكثر من مرة في مكتبه في مجلس النواب فوجدته مترفعا عن الألقاب، منحاز لعلوية القانون لا لخيلاء السياسة، يقول انه يسعى لإدارة البرلمان لا لزعامة المكون، لكن مع مرور الأيام اكلت السياسة من جرف رجل القانون واكل الاعلام الجرف الاخر ليضيع بين تناقضات السياسة و صمت القانون.

(3)

قال التاريخ القريب: كان في العراق رجل يلقب نفسه بفارس الامة وقد دمر الامة، وكان يلقبه اتباعه بالقائد الضرورة، وقد اجبرته الضرورة ان يهرب من قصره ويترك حصانه لينتهي بحفرة حفرها بنفسه وأوقع نفسه فيها وقال سأنقذ الامة، و لكن في النتيجة، خرج الفارس من الحفرة اشعث الشعر مغبر الوجه فاقد لحصنه و حصانه، واتضح ان الامة تمزقت على يد فارسها المزعوم.

(4)

قالت وكالات الانباء: قبل أسابيع ترك رئيس مجلس النواب الأمريكي كيفن ماكارثي موقعه بعد اختلافه مع اليمين الجمهوري بسبب تعاونه مع الديموقراطيين لتمرير اتفاق مؤقت بشأن الموازنة، واكتفى مكارثي بالقول انه «لن يقدم مصلحته على مصلحة الامة، مؤكدا انه لن يترشح مرة أخرى لرئاسة مجلس النواب، وهو رد طبيعي فانت في بلد تكون العلوية فيه للمؤسسة والدولة لا للشخص مهما بلغ من قوة وتأثير.

(5)

قال لي احد الحكماء: ان وهم الزعامة في بلادنا يجعل الرجال أكبر من ادواتهم، و يوهم القادة انهم اكبر من مؤسساتهم، فخطيئتنا اننا نمارس الديموقراطية بعقلية المستبد، وندخل السياسة لنبقى في السلطة لا ان نداولها، نحقق في السلطة ذواتنا لا ما رفعنا من شعارات.

(6)

قالت المحكمة الاتحادية: قررنا انهاء عضوية محمد الحلبوسي من مجلس النواب، فكان رد الحلبوسي التشكك بالمحكمة التي اريد لها ان تكون السلطة الثابتة بين سلطتين تنفيذية بتقاسمها الشيعة والكرد وخيرت اما ان تأكل رجالها او يأكلها الناس، وكان نصيب السنة السلطة التشريعية التي جعلوها دائمة الخروج على حدود سلطتها من باب التوازن السياسي، و بدون شعور المواطن بدائميه وثبات السلطة ستعلو سلطات أخرى كالعشيرة والدين والمذهب وربما سلطة مصطنعة هي المال.

(7)

قال حكيم متقاعد: نجح الحلبوسي بالخروج من ثنائية السياسة والقانون التي كانت سائدة قبل عهده، ووضع قواعد لعبة جديدة تقوم على تبادل الأدوار الدائم بين القانون والسياسة، وبين المال والدعاية، وبين شعبوية حدودها المكون واخرى حدودها العراق..دعونا من حكايات الحكماء واليكم أصل الحكاية:

ظهر محمد الحلبوسي في مرحلة مابعد النصر، عندما دفع به تحالف البناء المقرب من ايران الى صدارة المشهد ليدشنون به مرحلة جديدة، فقد وجدوا في قدرته على تقديم فروض الطاعة و في ابداء القدر العالي من المرونة ميزة مهمة يتلافون من خلالها عناد وعنجهية اسلافه، الذي اوصلنا الى نهايات صعبة، في بلد يراد له ان يغادر ثقافة القائد الأوحد وعقدة الانفراد صناعة السياسة يوم كان القانون ويركع في حضرة (فارس الامة).

و دخل الحلبوسي في سلة واحدة مع سلطة تنفيذية يتقاسمها ثعلب سياسة يسعى بان يتخطى حدود من سبقه في الاستراتيجية ويتنازل عن تكتيكات مرحلية لصالح اهداف ابعد واعمق هو برهم صالح، وسياسي مخضرم تخلى عن التكتيك الدقيق لصالح التنظير العميق الذي يجيده، فكان بارع في طرح المشكلات دون العمل على معالجتها، فالرجل يطمح بان يكون الاب لامة متعددة الإباء، فأفلت منه الخيط وضاع العصفور، هو عادل عبد المهدي.

ركوب الموجة

وجد الحلبوسي الطامح للرئاسة فرصته في التكتيك، وكانت الخطوة الأولى ان يقضم ما يتمكن من جرف السلطة التنفيذية، فلا يمكن ان يقبل بمنصب مدير للجلسات تحت قبة البرلمان كما نانسي بيلوسي في أمريكا او جان بيار بيل في فرنسا، او فولفغانغ شويبله في المانيا، وغيرهم من نظرائه الشرقيون او الغربيون الذين لم يسمع بهم أحد امام شهرة الرؤساء التنفيذيين واهميتهم.

تمكن محمد الحلبوسي المهندس الشاب، الذي قفز من المقاولات الى إدارة الخدمات ومنها الى السياسة، ثم الى الرئاسة فالزعامة، فعاش دورة حكم مثالية مكنته من فهم الموجة وتفكيك الازمة ركوبها، نجح المهندس الحلبوسي من تثبيت موقعه واحكام العلاقة مع داعميه، واحاطة كرسيه بـ (قبة حديدة) اكثر حصانة من قبة البرلمان الافتراضية، قبة صنعتها جولاته الخارجية من المال والفعل السياسي، مستفيدا من تراجع السلطة التنفيذية وانشغالها بدوامة التفاصيل او غيابها أحيانا، ففي الوقت الذي يتجول فيه رئيس الوزراء فجرا في علوة الخضار في الدورة، ينسج الحلبوسي الصفقات سرا وعلانية مع دول وقوى مجاورة وبعيدة.

وانتفض الشارع على الدولة فركبه الحلبوسي، وخاطب الشباب النازلين الى الساحات قائلا انه معهم وعلى استعدادا ان يتخلى عن (السترة) والنزول معهم، وهي إشارة الى ان وزن الشارع اكبر واهم لديه من وزن المنصب الذي مثله (بالسترة).

كانت الاحداث تتغير بسرعة والقوى التقليدية تتشظى وتتصارع وتتبادل الاتهامات والانتقالات بين الدفاع عن النظام السياسي او الدفاع عن النفس، في أيام هي الأصعب في تاريخ العراق لكنها ليست كذلك في تاريخ الحلبوسي كونها منحته الشعور بقوة سلطته التي عززت ثقته بالبقاء وان من حوله هم الراحلون، اذن فليخطط لدخول القصر الجمهوري.

الخطاب السياسي والإعلامي للحلبوسي

صار من حق الحلبوسي ان يخطط للمستقبل بأفق مختلف، يتقرب للأوساط الشعبية ويشجع المظاهر الجديدة المغلفة بالمدينة يتزوج يمرح يفرح يكرم وينعم ويغنم ويغتنم ويجيد اللعب بسايكولوجيا الجماهير وهندسة العقول، كما يجيد نسج الصفقات السرية مع المؤثرين في الفضائيات ووسائل الاعلام دون الحاجة الى امتلاك صحيفة او فضائية، امتلاك اعلاميين في مؤسسات بث عام وخاص، افضل واقل كلفة من امتلاك مؤسسة إعلامية.

للحلبوسي خطابان الأول (عام) يؤنب فيه اسلافه ويحملهم مسؤولية داعش وما حل بالمنطقة الغربية والعراق، والثاني (خاص) يذكر فيه بالأمة وفارسها ومجدها قبل مرحلة 2003م، التي يطلق عليها هو وغيره مواربة اسم (نظام المحاصصة) او أي وصف يقترن بالضعف والفشل، وهو ما كان ينتجه مصطفى الكاظمي الذي تنكر لمن وقف معه في حفلة إعلانه رئيسا للوزراء، فاخذ دون بوعي او دون وعي بتغذية استراتيجية الحلبوسي وكان له أي الحلبوسي ما أراد لانه يعلم ان السلطة التنفيذية صممت كي تأكل أبنائها.

........................................................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق