ساهمت المملكة العربية السعودية مؤخراً عبر ما يعرف بمنظمة أوبك بلس في تخفيض الصادرات النفطية لدول المنظمة بمقدار مليوني برميل يومياً، مما يعني ذلك ارتفاع أسعار النفط عالمياً، يأتي ذلك في ظروف دولية شديدة التعقيد والتوتر خصوصاً على مستوى انعكاسات الحرب الروسية ــ الأوكرانية على العالم لاسيما في مجالات امن الطاقة، في الوقت يعيش فيه العالم مرحلة ما بعد زوال خطر وتداعيات وباء كورونا وما فرضه من حظر وإيقافه آنذاك لأغلب الأنشطة الصناعية والاقتصادية وما الى ذلك، وكذلك تتأهب دول اوروبا والولايات المتحدة الامريكية لاستقبال فصل الشتاء ومواجهة نقص امدادات الطاقة الروسية.

من هنا وفي ظل الصراع الروسي الاوكراني، تطرح أسئلة عديدة بخصوص تداعيات تخفيض الصادرات النفطية لعدد من دول أوبك بلس ومنها الدولة المؤثرة السعودية، فهل هي استراتيجية جديدة ام اجراء وقتي؟ وما دلالات قرار السعودية العربية بتخفيض الصادرات النفطية بالنسبة لحليفها الأمريكي في الوقت الذي تعاني دول اوروبا من مخاطر حظر تصدير النفط والغاز الروسي كجزء من تداعيات حالة الحرب المتفاقمة هناك خصوصا لمعسكر حلفاء الولايات المتحدة من الأوربيين، في الوقت الذي تزيد في روسيا صادراتها النفطية الى دول أخرى مثل الصين، مما يصب في صالح تغطية نفقات الحرب على أوكرانيا.

هل يعد هذا القرار سياسياً وهل يعني ذلك بمثابة بداية النهاية للحلف السعودي الأمريكي في ظل وجود الرئيس الديمقراطي جون بايدن على راس إدارة البيت الأبيض في واشنطن؟ وهل يعني ذلك ركون السعودية وبعض دول الخليج مثل الامارات العربية المتحدة الى الخصم الروسي لاسيما وان هدف كل من هذه البلدان الى جانب روسيا ساهم في تفاقم ازمة الصادرات النفطية إضافة الى عوامل أخرى.

قرار دول المنظمة غير مرضي للولايات المتحدة خصوصا وان السعودية كان لها الدور الأكبر في هذا القرار فقد وصف الرئيس الأمريكي بايدن في أول رد فعل له على ذلك إنه "مخيب". وأضاف أن القرار يشير إلى أن هناك "مشاكل"، في إشارة منه إلى السعودية الحليف التاريخي للولايات المتحدة وأهم عضو في مجموعة "أوبك بلس". ووصفت وسائل اعلام أمريكية نقلاً عن مصادر في وزارة المالية الأمريكية أن خفض انتاج النفط بمثابة "عمل عدواني". وانتقدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارين جان بيير، "تحالف" أوبك بلس مع روسيا. ووصف السيناتور، تشاك شومر، رئيس كتلة الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ قرار المجموعة بأنه "تهكم".

وطالب مشرعون ديمقراطيون في واشنطن بإجراءات انتقامية ضد السعودية بعد قرار منظمة أوبك بلس تخفيض إنتاج النفط بمقدار اثنين مليون برميل يوميا ابتداء من الشهر المقبل، وفق ما كشفته مجلة أميركية. وأشارت المصادر الى إن المشرعين طالبوا بعقوبات على السعودية لأن قرار المنظمة يعزز موطئ قدم روسيا في سوق النفط العالمية. وفي رد مشترك، قدم النواب الديمقراطيون توم مالينوفسكي وشون كاستن وسوزان وايلد مشروع قانون، من شأنه سحب القوات وأنظمة الأسلحة الأميركية من السعودية، الزعيم الفعلي لمنظمة أوبك، ومن الإمارات.

وكتب المشرعون الثلاثة: "لطالما اعتمد كلا البلدين على وجود عسكري أميركي في الخليج لحماية أمنهما وحقولهما النفطية"، "لا نرى أي سبب يدعو القوات الأميركية والمقاولين إلى الاستمرار في تقديم هذه الخدمة للبلدان التي تعمل بنشاط ضدنا" هذه المواقف تمثل تداعيات قد تكون هي الأولى من نوعها على خطوات السعودية بعد اتهامات السعودية في وقت سابق بالتورط بدعم الإرهاب والتشدد التي اثارتها ضرب مقر البنتاغون ومقر التجارة العالمية في الولايات المتحدة قبل أكثر من عقدين.

وفي ضوء ذلك، هناك أكثر من تفسير حول التصعيد الحاصل على مستوى صادرات الطاقة، فهناك من يرى ان تخفيض الصادرات النفطية من قبل السعودية يعود الى فتور في العلاقة مع إدارة الرئيس الأمريكي بايدن، وان السعودية ارادت ان توصل رسالتها الى الولايات المتحدة بخصوص ملفات إقليمية مثل أزمة خاشقجي التي اتهم بها محمد بن سلمان ولي العهد والذي أصبح رئيسا للوزراء في المنصب المستحدث مؤخرا في السعودية الذي يحمل في طياته تداعيات ومواقف كثيرة خصوصا بالنسبة للعائلة الحاكمة وطبيعة نظام الحكم في السعودية.

عموما يأتي قرار تخفيض الصادرات النفطية في الوقت الذي تشهد فيه الولايات المتحدة بعد ما يقارب نحو أربعة أسابيع من الانتخابات النصفية، صعود أسعار النفط أكثر مدفوعة بقرار خفض الإنتاج. وهذا يمكن أن يؤثر بدوره كثيرا على فرص نجاح حزب الرئيس بايدن الديمقراطي في هذه الانتخابات. وهناك شكوك في واشنطن بأن السعودية التي كانت من الشركاء المفضلين في السياسة الخارجية للرئيس السابق دونالد ترامب، يمكن أنها تسعى من خلال سياستها النفطية إلى نجاح الحزب الجمهوري في هذه الانتخابات.

من هنا يرى خبراء بأن من الواضح الآن أن "السعودية قررت الوقوف على الجانب الآخر من الخط الفاصل الذي تعتبره واشنطن الأهم في السياسة الدولية". ويقصد بذلك الجبهة التي تقف على أحد طرفيها روسيا وعلى الطرف الآخر أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون. وقد تجنبت السعودية ودول الخليج حتى الآن التكاتف مع الغرب ولم تشارك في العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. ويرى اخرون بأن السعودية الآن قد أنجزت "تحولاً جيوسياسيا".

اما التفسير الاخر فيرى بأن تخفيض منظمة أوبك بلس الحصة النفطية بمقدار مليوني برميل يوميا، قد يستهدف تثبيت أسعار النفط نسبياً والتخلص من التقلبات التي تؤثر في قطاعات أخرى كالتعاملات المالية وسعر الدولار ودور الذهب في الاحتياطيات النقدية، ويرى هذا التفسير بأن الصعود المتوقع لأسعار النفط خلال الشهر المقبل سيكون مؤقتاً ثم قد تستقر الأسعار لفترة طويلة وهذا ما يسمح بالسيطرة على تأثير رفع الفائدة على الدولار من قبل الفيدرالي الأمريكي.

ومن كلا التفسيرين نصل الى الاستنتاج الآتي: إن انخفاض صادرات الطاقة غالبا ما يخضع لاعتبارات ومواقف سياسية، ويبدو ان دول المنظمة خصوصا المؤثرين فيها مثل السعودية في ظل حكم وسيطرة ولي العهد محمد بن سلمان قد اختاروا التوقيت المناسب والمتمثل بالصراع الغربي الروسي من اجل إيصال رسائل للسعودية، خصوصا إدارة بايدن التي ما انفكت تهدد ولي العهد في السعودية بملفات خطيرة.

سيترك القرار اثارا على علاقة دول الخليج خصوصا السعودية والامارات مع الولايات المتحدة مع استفزازات خليجية أخرى مثل زيارة رئيس دولة الامارات محمد بن زايد الى روسيا، في الوقت الذي تشهد تلك الجبهة حربا متصاعدة وتوتر روسي صيني من جانب وغربي امريكي من جانب ثاني وصل الى مرحلة التهديد باستخدام السلاح النووي.

اما بخصوص تصدع التحالف الأمريكي الخليجي فان هذا القرار لن يكون السبب في تفككه لان دول الخليج تدرك قبل غيرها ان رفع غطاء الدعم الأمريكي سيكون له تداعيات كبيرة على تلك الأنظمة، لكن وكما هو معروف ان السياسة الدولية مصالح فاذا ما وجدت الولايات المتحدة حلفاء موثوق بهم قد يكون ذلك بمثابة التفكير بحليف نفطي جديد وهذا يتوقف على الاتفاقات وتسوية الخلافات في منطقة الشرق الأوسط والتي تبدو معقدة للغاية خصوصا على مستوى الخلاف الأمريكي الإيراني.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق