الثقافة والمثقف صلة بين الثابت والمتحرك ومسؤولية المثقف يتطلب منه أن يكون أكثر نشاطا وتأثيرا وأخلاقيا وجودا وتصرفا وسلوكا بعيدا عن الانتهازية والانحراف والأنانية، فالمسؤولية لا تقف عند وجوده ونشاطه فقط بل بمعنى ما مسؤول عن مجتمعه، لهذا عليه أن يلازم ويعيش داخل مجتمعه لا يطير خارجه، يشارك أوجاعه أفراحه وأماله.

بهذا يكون المثقف مسؤول عن المستقبل بأي صورة كانت صادقا ومتحملا وعضوا فعالا رغم التناقضات والمكابدات يرسم أهدافه أحلامه معاناته ولا يتقوقع في خانه الركود والسكون لأنه للآخرين والمستقبل بمقدار ما لنفسه يشرق بروحه وأفكاره وإحساسه وذاته فيهتدي هو والآخرون أثناء هذا الحراك المؤثر يثير المشاعر والروابط الاجتماعية ويتجلى الوعي والسمو والارتقاء وهذا هو المستوى بين الراكد والناشط بين الثابت والمتحرك.

قد لا يعي المثقف روح العصر ولا يتناغم مع توجهات تياره ولا يساهم في الموقف والإبداع والفكر ويظل مطوقا بين جدران أربعة ولو سألنا لماذا..؟ يتداركه سؤال آخر، كيف يزيد من صقل وسمو وارتقاء الناس في وجدانهم وسلوكهم ووجودهم وجعلهم أكثر وعيا وأكثر إنسانية رغم إنه ضمن هذا المجتمع بأسلوبه الذي يحاول ويعمل باستمرار إلى تثبيت وتصحيح القيم من أجل قضية مجتمعية، وقد تحتاج هذه الثقافة إلى ثقافة أخرى عصرية تصقل الأولى ولكن لا تمحيها بإنتاج الثقافة السليمة وتطويرها واستعمالها مع المحافظة على المبادئ والقيم الثقافية.

وتواجه الثقافة والمثقف إشكالية السلطة خاصة إذا تعددت السلطات ضمن سلطة واحدة التي تفرض توجهاتها على الثقافة والمثقف مثل السلطة الدينية والنظامية والحزبية والطائفية والمجتمعية والشخصية التي تفرض توجهات الثقافة والمثقف وتسخرها لموقفها قد يكون أمرا طبيعيا لها ولكن ليس أمرا طبيعيا للمثقف فتظهر أزمة بين المثقف وهذه الظاهرات التي تقيد العطاء والإبداع، فعليها إيجاد تفاهم وصيغة فكرية واضحة في معظم الوطن العربي من أجل تحقيق أهداف إنسانية وإلغاء القيود التي تحد من إبداع وتقدم الثقافة والمثقف رغم وجود مثقف يركض وراء لقمة العيش فيكتب ما يطلب منه فالكلمة الضعيفة الخاضعة المنكسرة تعادل لقمة العيش والكلمة الحقيقة تذهب إدراج الرياح وهناك ثقافة ومثقف ميتان سريريا في ظل أوضاع غير مستقرة من المحيط إلى الخليج.

موضوع مهم لهذا أكتبه في ظل اللا مبالاة الثقافية ونفي الفكر وتهجير الثقافة وهجرة المثقفين للبحث عن مكان آخر يعلن فيه عن دواخله وموقفه وأفكاره دون خوف في زمن الحرية والديمقراطية المعلنة على الملأ كشعارات خاصة في ظل الأزمات المتراكمة والمتفاقمة، ولا شك اللا مبالاة الثقافية تجسد الإخفاق السريع والاستسلام والرضوخ للواقع المتدني حيث لا حلول ولا إنقاذ للواقع الثقافي ولا لشخصية المثقف الذي يشعر بالفراغ والتيه والضياع في خضم هذه التناقضات الإدارية والسياسية والاجتماعية والنفسية، مما يجعل المثقف في حالة فوضى خاصة حينما يمر بتشوشات وقيود مادية واقعية فلا يمكنه استبدال الحقيقة الواقعية بالحقيقة النسبية التي يعيشها التي لا يعتبرها خيال أو وهم خاصة يطرح أفكاره والمشاكل والأزمات بصورة واضحة للمسؤولين والمجتمع ليجدوا حلولا مع الحلول التي تتضمن في كتاباته إن كان شعرا ومقالة وفنا تشكيليا ومسرحا وغيرها من الفنون الثقافية، فالمثقف مع الحق أينما كان طاقة ايجابية تعمر الأبدان والبلدان.

إن الانغماس اللا معقول في الترف المادي والفاسد منها والظاهر الفيسبوكي والتكنلوجي دون استعماله بشكل سليم والثقافات الخارجية السلبية منها تحرف السلوك والأخلاق لا تبحث عن المعرفة الجادة بل تجسد الضعف والانهيار فهو لا يملك حصانة فكرية ثقافية بغياب الثقل الثقافي المؤثر ونتيجة اللا مبالاة الثقافية وعدم دعم المثقف في نفس الوقت. فأغلب الإعلام العصري يحاول تغيير الثوابت الإنسانية ليتأثر بعدها في جل الأفكار السيئة ومما يدل وهن الجهات الثقافية ضد الغزو الثقافي وهذا منبع اللا مبالاة.

فالانزلاق في التيه والضلال والأنانية والربحية يمهد للانحراف والفساد والجهل والظلام وتصبح الثوابت الإنسانية كخرقة بالية بسبب التشويش الفكري والأخلاقي فحقيقته الذاتية لا تعمل بالحق بل بظاهر الأشياء.. فبعض الأشخاص يريد الحياة على مزاجه الشخصي فيتكور في سواد الذاتية فيهون عليه بيع نفسه وأهله وأصدقائه وكل الأشياء حوله إلى أن يصل لبيع وطنه بسهولة لا توصف، فإن انحلال القيم والفكر وغياب العدل والتربية السليمة والقصاص العادل يفتح الأبواب للاختلال الاجتماعي.

حينما تخرج أي بلاد من الحرب تحاول أن تعيد نفسها إداريا اجتماعيا اقتصاديا ثقافيا سياسيا وإعادة البنيان وتبدأ بالإنسان فبناء الإنسان أصعب من بناء البنيان تمسك حدود البلاد بقوة فلا مجال دخول الغريب الذي يطمع في بث التفرقة بين الأفراد وخلق أزمات وطوائف وأحزاب لا أول لها ولا آخر، فينشأ دولة داخل دولة إلى أن تكون مع مرور الزمن دويلات داخل دولة واحتلال داخل احتلال فيكثر الكذب والخيانة وتنعدم الثقة التي هي قوة الترابط الاجتماعي، فتظهر صور ما تسمى عصابات ومافيات بأشكال وغايات وأهداف مختلفة ومنها ستارها وشعارها الدين والأخرى الحرية والتنافس على الربحية والأنانية في أوج حالاتها، فيزداد الجهل والفساد والدمار النفسي والانهيار الخلقي فتسود قوانين الغاب "إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب" فتغيب هيبة الدولة فتتصاعد وتيرة الجريمة والمخدرات والظواهر السلبية التي وجودها وانتشارها يؤدي إلى الانحلال ودمار البلاد والعباد.

حتى في الصراعات الثقافية تجد المنافسة ليست على السمو والارتقاء والإبداع بل الصراعات على الكرسي والمنصب وفرض قوانين تقيد المثقف، فالثقافة والمثقف لا يقيدان بلغة وفئة معينة فكلما كانت الثقافة أوسع كان الإبداع أكبر وكلما كان تقييم ودعم المثقف حاضرا كان العطاء أعظم، وازدياد هذه الأزمات ما هو إلا أزمة ضمير وأزمة قلم وفكر وثقافة وإعلام يوجه بصورة تبني ولا تدمر وقلم يرتقي ولا يهذي وفكر يصل ولا يتسول وثقافة ترمم ولا تهدم، وإعلام حقيقي يوجه يرشد يصحح ليس مكور على أهداف وغايات فئة ما وأزمة عدم وجود حلول مباشرة تعيد الأشياء في مكانها الصحيح.

هل يعيش الإنسان في أي مكان ومنصب كان بلا إحساس بلا رحمة بلا مسؤولية بلا مشاعر؟ حينما تنتهي أو تضعف هذه الجزئيات تنتهي الرحمة والتعاطف والحب والتلاحم الاجتماعي والتعاطف الإنساني والتكافل بين الأفراد والعطاء والسمو والارتقاء وبدلا عنها تسود قسوة القلب ويصبح أشد من الحجارة ضاربا عرض الحائط الحديث الشريف " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " وعن أنس بن مالك، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَضَعُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ إِلَّا عَلَى رَحِيمٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا يَرْحَمُ، قَالَ: لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، يُرْحَمُ النَّاسُ كَافَّةً ".

إذا غابت الرحمة والمشاعر والمسؤولية والعدل والفكر والإبداع يتجلى فرعون بصور مختلفة ويقول "أنا ربكم الأعلى" ويفرض قانون " أنا وبعدي الطوفان ".

لا أريد أن أطيل في هذه اللا مبالاة الثقافية والمثقف رغم أهميتها فالقيم والأخلاق " مبادئ وسلوكيات " يسيران متناغمان متكافئان مترابطان فما فائدة أن تؤمن بالأولى وسلوكياتك سيئة ما فائدة أن تؤمن بالقيم وأخلاقك فوضوية عشوائية التي تؤدي إلى اختلال وتفكك المجتمع ويضيع العباد والبلاد. مثلما للسياسي دور مهم في الوجود فللمثقف أكثر أهمية في التكوين

فهذه اللا مبالاة لا تدمر المثقف فقط بل تدمر الأخلاق والمجتمع.

اضف تعليق