في السنوات الماضية كنت اشترك مع شريحة واسعة من العراقيين المؤمنة بضرورة تولي الشباب مناصب عليا في الدولة ووضعهم في مفاصل حساسة، وهذه القناعة تتأتى من السمة الشبابية العامة التي يتصف بها الشعب العراقي مقارنة بغيره من الشعوب، لكن في الوقت الحاضر تغيرت هذه القناعة كثيرا وليس بالإمكان إعطاء الشباب هذه المكانة المهمة لفقدان هذه الشريحة القدرة على التحكم ببوصلة اهدافها.

اول واهم الأسباب التي قادت الى تغيير القناعات هي انخراط الشباب أكثر من أي شريحة أخرى من شرائح المجتمع العراقي في التجاذبات السياسية الدائرة في البلاد، فلو تمعنا النظر بالأشخاص المنتشرين في أماكن الاحتجاج نجد الغالبية العظمى منهم من الشباب الذين تحلم بوجودهم دولة ما.

رأس مال الدول هم الشباب الذين يشكلون عماد نشاطها وازدهارها الاقتصادي والثقافي، والمساهمين الفعليين في عملية التنمية المستدامة، اما الشباب في العراق تحديدا لا يعرفون المهمة الملقاة على عاتقهم، والسبب ليس في تركيبتهم الشخصية، بل في التهميش المستمر الذي عانته هذه الشريحة وحرمت من المشاركة في النشاطات والفعاليات السياسية وغيرها التي تحدث في البلد.

ولهذا خلق حاجز كبير عريض بين الطبقة الشبابية والطبقات المتقدمة في إدارة المرافق العامة في البلد، فالشباب اليوم بدلا من ان يكون لهم الصوت الأعلى في إدارة شؤون الدولة، اختزل وجودهم على الشارع بعضهم يساند ويرغب بالإصلاح الفعلي، وبعض آخر ليس لديه هدف ينشده، وينطبق عليه مقولة (حشرٌ مع الناس عيد).

بينما الشباب الواعي هو الذي يعرف ويحسب جميع تحركاته، ولا يسمح لنفسه ان يكون أداة طيعة بيد جهات لا تريد الخير له ولا لبقية الشعب الراغب في العيش بسلام، يجد ما يسد حاجته من مأكل وملبس، وهذه ربما ابسط الاحلام التي يريد الشباب تحقيقها في الوقت الحاضر، فالشباب المنتشر في الشوارع العامة لبغداد اكثرهم يأملون بتغيير الأوضاع والحصول على فرصة عمل كغيرهم ممن سبقوهم في الوظيفة الحكومية.

لكن ووفق ما موجود على ارض الواقع فأن الشباب بصورة عامة سحب البساط من تحت اقدامهم ولا يمكن ان يؤدون دورهم المطلوب في ظل سيطرة حيتان الأحزاب على السلطة، والنتيجة كما نشاهد الآلاف تجوب الشوارع منقسمين الى أكثر من معسكر حسب التوجهات الفكرية المتناقضة والمتناحرة على المناصب والكراسي.

الرأي المشجع على تولي الشباب العديد من مفاصل الدولة يعود الى سرعتهم في استيعاب المتغيرات ومرونتهم في اكتساب الخبرات، وهم بذلك يكونون أقرب الى تحقيق التطور والتغيير المطلوب في غضون فترات غير متباعدة، وهذا هو التوجه الأخير للكثير من بلدان العالم التي تريد السير في طريق النهضة السريعة والقفزة النوعية.

إشراك الشباب في الصراعات السياسية يعني القضاء على رأس المال البشري والهاءه بالأمور الجانبية ومنعه عن التصدي للجوانب المهمة والحساسة، ولنأخذ على سبيل المثال كيفية القضاء على حراك تشرين الذي أسس الى قاعدة جماهيرية وعملية تصدي مباشر الى رجالات السلطة الذين نهبوا الخيرات وهدروا المال العام، وشوهوا وجه النظام السياسي والعملية القائمة منذ عام 2003 ولغاية الآن.

فلا يمكن ان يكون تصرف الجهات الحزبية مع الشباب حينذاك بصورة عشوائية مهما جاءت التبريرات، فهي تجانب الحقيقة التي تقول ان الغرض الأساس من قمع الشباب واخماد ثورتهم هو لإضعاف وقتل الروح الثورية التي يحملونها في نفوسهم، وبالتالي حصل ما كان متوقع وهو تهميش هذه الشريحة.

أضف الى ذلك عمل القوى التقليدية بصورة مستمرة لتجميد الشخصيات الصاعدة الى البرلمان وغيره من المواطن الحساسة في الدولة، باعتبارها جزء من مخرجات تشرين الاحتجاجية، على العكس تماما من المجتمعات الغربية التي تفسح المجال امام الشباب لتطوير مهارتهم والمساهمة في تشريع القوانين وبناء الدولة، وقد لا حظنا الكثير من المناصب الحساسة تدار من قبل الشباب دون حدوث مشاكل تذكر.

من المآخذ على الشباب العراقي هو عدم الاهتمام ببنائهم المعرفي وعدم البحث عن الأساليب المتعددة لتطوير الذات ومن ثم الاتحاد لمواجهة الجهات التي تعتبر اس الفساد في البلد، ومن هنا حري بهم اعادة النظر في مسيراتهم العلمية ومهاراتهم واتباع الفكر النقدي في تقييم المواقف واتخاذ القرارات وعدم التردد في التماس الاستشارات، لتجاوز الأخطاء السابقة وتخطي الازمات التي عرقلت المشاركة الفعلية في عملية البناء الحقيقي للدولة.

اضف تعليق