قد تكون الازمة السياسية العراقية الحالية، أزمة معقدة جداً، وهي من اخطر الازمات السياسية التي ضربت العملية السياسية منذ تأسيسها بعد عام 2003 وحتى الآن، ان لم تكن اخطرها، ولاسيما بعد ان انتقلت الازمة من الميدان السياسي والحوار بين القوى السياسية إلى الشارع العراقي.

بعد ان خرج انصار التيار الصدري إلى الشارع واقتحامهم للمنطقة الخضراء واعتصامهم فيها بالقرب من بناية البرلمان العراقي، والمظاهرات المضادة التي تمثلت بخروج جماهير الإطار التنسيقي إلى ساحات التظاهر واعتصامهم ايضاً داخل المنطقة الخضراء، فضلاً عن حرب التغريدات والمناوشات الإعلامية بين مسؤولي التيار الصدري والإطار التنسيقي.

هذا الواقع المتأزم اخذ يثير مخاوف الرأي العام والخشية من فرضية المواجهة بين انصار الطرفين أو حدوث احتكاك بينهما واطلاق شرارة النزاع الداخلي، ولاسيما ان الجانبين مدججين بالسلاح. وعلى الرغم من ان عمر العملية السياسية الحالية حافل بالأزمات والتعثرات السياسية والأمنية في كل الحكومات السابقة، إلا أنها لم تصل لهذا المستوى، وسرعان ما يتم تجاوزها، أما بترحيلها مؤقتاً أو بتدخل الاطراف الإقليمية والدولية وضبط حركة القوى السياسية بالتوافق السياسي، بعيداً عن كسر الإرادات.

إن صعوبة الأزمة الحالية لا يكمن في طبيعتها السياسية، بقدر ما يكمن بصلابة المواقف السياسية التي اتخذها السيد الصدر منذ الانتخابات وحتى الآن، من خلال سعيه المستمر بتغيير قواعد اللعبة أو المعادلة السياسية السائدة في عملية تشكيل الحكومات العراقية السابقة، سواء بمطالبته بتشكيل حكومة الاغلبية الوطنية أو بالمطالب السياسية التي اعلن عنها بعد استقالة نوابه من السلطة التشريعية، مطالب اربكت قوى الإطار التنسيقي (سياسياً وجماهيرياً). وجعلته غير قادر على المضي في تشكيل الحكومة، او الاستماع لمطالب الصدر؛ مما قوض من حالة الانفراج ورجح كفة ما يسمى بالانسداد أو الانهيار السياسي.

وعلى الرغم من أن الازمة السياسية الحالية ما زالت صعبة الحلول، ولم تخلق بعد ارضية مناسبة بين الفرقاء السياسيين، إلا أنها من المؤكد سيتم تجاوزها بجهود داخلية وخارجية، ولاسيما مع المساعي التي تقوم بها ممثلة الامم المتحدة جنين بلاسخارت، لكن ما يهمنا هنا، كيف سيتم تجاوزها، وهل يمكن أن تستثمر في صالح النظام السياسي والتجربة الديمقراطية في العراق، هل سيتم ترحيلها كباقي الازمات السابقة أم ستضع حداً لاستخفاف القوى والاحزاب السياسية بالديمقراطية والدستور وتوقيتاته الزمنية ونتائج الانتخابات، كما يحصل الآن وفي كل الازمات السابقة؟

وعلى الرغم من الجهود الداخلية والخارجية الساعية إلى إيجاد حلول وسطية للازمة الحالية، إلا أنها ما تزال قائمة لحد الآن في ظل تعنت الاطراف السياسية واعتصام المتظاهرين في المنطقة الخضراء، ولعل صعوبة الحلول تكمن في جسامة الخلل البنيوي الذي وصلت له العملية السياسية والنظام السياسي، الذي وضعها في نقطة اللاعودة. فما وصلت له التجربة السياسية والديمقراطية والنظام السياسي في العراق، من الممكن جداً ان يقودنا إلى الانهيار التام على كافة المستويات (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والأمنية).

وان توقف الحياة السياسية وعدم تشكيل حكومة وتعطيل السلطة التشريعية، افضل من ان تمضي الأمور على ما هي عليه أو بشكل توافقي كما حصل في كل الحكومات السابقة، وان الوقوف والتعنت على مكامن الخلل الرئيسة التي تسببت بإفشال التجربة الديمقراطية وشلل النظام السياسية، كما يطالب بها السيد الصدر، قد تكون نقطة الشروع في اسعاف هذه التجربة والنظام بعد عقدين من الزمن تقريباً.

بالتأكيد لن يكون هناك حلول جذرية للأزمة السياسية الحالية، اذا ما استثنينا النتائج الصفرية، لكن هناك من يعتقد بأن الأزمة ذاهبة إلى الانفراج بحلول وسطية من شانها أن ترضي الطرفين؛ وذلك من خلال تشكيل حكومة انتقالية لمدة سنة، يترأسها شخص من خارج المنظومة السياسية الحالية أو من خارج التيار الصدري والإطار التنسيقي "على اقل التقادير"، حكومة تتعهد بإجراء انتخابات مبكرة تحت سلطتها، والتأكيد على الالتزام الكامل بمخرجاتها الانتخابية ومن جميع الاطراف، فضلاً عن الاتفاق على التعديلات الدستورية التي طالب بها السيد الصدر، وربما تدخل المفوضية وقانون الانتخابات في عملية الاتفاق، وبضمانة أممية متمثلة بمبعوثة الامم المتحدة في العراق، وكذلك ربما تدخل المرجعية الدينية كجهة داخلية قوية ضامنة لمخرجات الحوار والاتفاق بين الاطراف السياسية.

وبغض النظر عن الحلول المطروحة، سواء تناغمت مع ما يريده السيد الصدر أو كما يريده الإطار التنسيقي، أو اي حلول اخرى، صفرية كانت أم غير صفرية، إذا ما استثنينا الذهاب إلى تشكيل الحكومة على اساس توافقي "وهذا مستبعد جداً" ولاسيما مع اعتراض السيد الصدر وانسحاب نوابه من السلطة التشريعية، فإن نتائجها ومخرجاتها ستصب في صالح النظام السياسي والتجربة الديمقراطية، ولاسيما اذا ما تم تضمين المرجعية الدينية والأمم المتحدة، كجهات ضامنة للاتفاق ومخرجات الازمة، فضلاً عن ذلك، فإن تلك المخرجات، ستلزم القوى والاحزاب السياسية بمعايير محددة وواضحة، وتفرض عليها تشذيب سلوكها السياسي من خلال التعاطي مع العملية الانتخابية واحترام نتائج الانتخابات، وكذلك ستفرض عليها ان تتعامل مع نتائج الانتخابات بلغة الارقام التي تفرزها صناديق الانتخابات، وليس بلغة الاوزان السياسية في عملية تشكيل الحكومة.

لهذا نعتقد بان الأزمة الحالية "وعلى الرغم من صعوبتها" إلا أن مخرجتها ستصب في صالح التجربة الديمقراطية والنظام السياسي والمجتمع العراقي، ولاسيما اذا ما بقي السيد الصدر مصراً على مقاطعة تشكيل الحكومة التوافقية، المحاصصاتية والزبائنية، والخروج بحلول حقيقية تعالج المشاكل السياسية والثغرات الدستورية والقانونية التي اسهمت في افشال التجربة الديمقراطية والنظام السياسي الحالي والقطاعات الاخرى على مدار السنوات الماضية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق