بدأ تاريخ نشأة العلمانية مع سقوط القسطنطينية، علي يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453، حيث كانت بدايتها صراعا بين العلم والدين، مما أنتج فكرة الحقيقة المزدوجة القائلة "بأنه يمكن أن يكون الشيء صادق فلسفياً خاطئا لاهوتيا".. وقد عدت نظرية (كوبرنيقوس) التي تطورت على يد (كبلر) و (غاليلو) في القرن السابع عشر، الضربة الأولى الموجهة من العلم إلى الكنيسة.

العلمانية بأبسط تعريف لها: هي فصل الدين عن الحياة العامة، وتنحصر المسائل الدينية بين الفرد وخالقه، وعدم اعتماد الدين في المسائل الأخلاقية، لأن الدين في اعتقاد العلمانيين "نسبي" أي يقبل عند بعض البشر، ويرفض عند البعض الآخر.

بعد إسقاط الكنيسة في الغرب، لم يجد مفكرو الغرب مصدرا جاهزا للأخلاق والقيم يحل محل الدين، فالبعض أوجد الأخلاق النفعية التي ترى أن الفعل الأخلاقي هو ما يحقق مصلحة للفرد، بدون الاحتكام إلى الدين أو العرف.. والبعض الآخر يرى أن الأخلاق ووجودها، من صنع الضعفاء للسيطرة أو الحد من سيطرة الأقوياء، وهذا ما ذكره نيتشه في كتابه (جينلوجيا الأخلاق) وهي النظرية التي تم توظيفها، كمبرر أخلاقي لقيام الحروب والصراع بين الدول.

كانت عاقبة أتباع هذا المقياس إفساد الأخلاق.. فبدلاً من أن يتدخل القانون ليقضي على الانحراف والشذوذ، وينظم علاقات المجتمع، وفقاً لقواعد العدالة والأخلاق، نجد أن الحضارة الحديثة تتبع في هذا الشأن، مبدأ يترك الناس لرغباتهم وشهواتهم، فإذا عمّت حالة الانحراف والشذوذ، واستهوت فريقاً كبير من الناس، تتدخل المؤسسة التشريعية حينئذ، لا لتعالجه بل لتضفي صيغة شرعية على هذا الشذوذ والانحراف، بعد أن يكون فلاسفة الحضارة منحوا مجالا للشذوذ وجعلوه حالة طبيعية ومعاناة إنسانية!

مثال ذلك القوانين التي تبيح الإجهاض والمثلية وزواج المحارم، دون أن يقيموا وزنا للعلاقات الشرعية، فهم هنا يعطون أولوية ومحورية للإنسان بغرائزه وأخطاءه وجعلها مقدسة أمام الأخلاق السماوية الغيبية..

كما ذكرنا أعلاه، فالعلمانية تسعى لإقامة منهج لحياة الفرد، قائمة على فصل كل تأثير ديني، وتجعل مهمة الدين محصورة بين الشخص وربه، وحتى في العلاقات داخل المجتمع بين الأفراد عموما، أو الذكر والأنثى لا يحكمها منهج أخلاقي قانوني، بما تقضي به الأديان والأخلاق، إنما يقوم على مبدأ ذاتية الأخلاق، وترى كل ما يحقق اللذة والعادة فهو خير، وأن المقياس الأخلاقي التقليدي للعلاقات وغيرها ليس لها أساسا صحيحا، والعقل والفطرة البشرية والوحي الذي تستند عليه الأديان، ليس علمياً لذا فمقياس الأديان بدائي يعد بدائيا!

الخلاف العلماني الإسلامي تعود جذوره، إلى خلاف فلسفي له علاقة بهدفية الإنسان، وسر وجوده في الحياة، ولا يعود لمقارنات مرتجلة لبعض النماذج السياسية، فعندما نقارن بين العلمانية والإسلام، فإننا نقارن بين فلسفتين إحداهما تستمد جذورها من المادة، وأخرى توازن بين المادة والروح.. حيث يوجد في الإسلام نظام حياتي كامل، لا يترك ثغرة لأي نظام أخر، ولا يدع منفذاً للشعور بالحاجة إلى، تنظيم جانب من جوانب الحياة، لأن الشريعة الإسلامية بقواعدها الكلية، وبالفقه الذي بنى على أصلها، شاملة ومستوعبة لكل ما تفضي به سنة الحياة من نظم وإحكام.

وجود أفعال في مجتمعنا بعيدة عن أخلاقنا وديننا وتربيتنا، من أسباب تخلف المجتمع وأنهياره الأخلاقي، مع وجود منظومة علمانية متكاملة، تعطي لكل فعل فاسد أخلاقيا تبريرا تحت عنوان "الحرية" بحيث يراد أن يكون كل شيء في مجتمعنا غير مقدس، حتى ديننا وعوائلنا..

فالعلمانيون العراقيون كانوا ولا زالوا يحاربون كل فعل صادر من المؤسسة الدينية هدفه إصلاح المجتمع.. فالمثلية من وجه نظر العلمانية "حرية" وتعدد العلاقات للمرأة المتزوجة وزواج المحارم، وما يظهر في مجتمعنا من ظواهر لا تناسب إلا "الحيوان" ما هي إلا تداعيات أخلاقية بطيئة، تنخر في البناء الأخلاقي المجتمعي، كالتسوس الذي ينخر الأسنان.

ان الهدف من نشر التثقيف العلماني، هو أن يُجعل الفعل المخالف للدين والأخلاق، شيئا إعتياديا تحت إطار الحرية، والعمل على أن يتقبل الفرد العراقي، كل ما يخالف تربيته ودينية وعدم الاعتراض عليه، بل وتحوله إلى حالة اجتماعية ذات صفة يتعودها الناس في سلوكهم الاجتماعي المتدرج..

كل ذلك خلاف فطرة الخالق، وليس كل ما يريده هؤلاء سيتحقق في بيئتنا، فحتى في تلك المجتمعات الغربية المتحللة، هناك نسبة كبيرة من الرفض الاجتماعي لهذه الانحرافات الأخلاقية، بل إن ازدياد نسبة الرفض قاد إلى إعادة إحياء الحركات السياسية والدينية المحافظة.

(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)

صدق الله مولانا العلي العظيم

اضف تعليق