في العراق يصعب التوافق بين الفرقاء السياسيين والأسباب التي تؤدي الى ذلك هو الفقر السياسي والحنكة الكاذبة التي يدعيها أصحاب النفوذ والباع الطويل في العمل السياسي والجهادي، لكن هذه الخبرة والحنكة لم تفدنا في الخروج من ابسط المشاكل التي تواجه العملية السياسية، وهو الامر الذي جعل الجميع يتيقن ان من المستحيلات حصول التوافق بعيد الأمد.

العلة في العراق ليس في نوع النظام القائم بالبلد، بل المشكلة تأتي من مجموعة عوامل تشكلت لتكون كتلة واحدة صلدة غير قابلة للتفكك، مع العلم ان زمن الازمات لا يصح ان يستمر بعد ما قدمه العراق من تضحيات على مختلف المستويات.

فقد يكون العامل الأكثر قوة هو التضاد الكبير بين رأي الداخل والخارج، وهو ما قاد الى الصراع الذي نعيشه في الوقت الحالي، حتى وصلنا الى مرحلة الاقتراب من التصادم المسلح بين الأحزاب او الجهات المتخاصمة، وكأننا نعيش حالة اثبات وجود وليس الهم الأول والأخير هو بناء البلد الذي تهالكت مؤسساته وضعفت جميع قواه بصورة أقرب الى الانهيار.

قبل شهور من الآن كانت الجماهير تعول على اجراء الانتخابات المبكرة، وعملت الدولة بجميع قواها على إنجاح هذه الانتخابات رغم ما واجهها من التحديات، وتمت على اتم صورة، وأصبح الطريق معبد لاختيار رئيس الجمهورية الذي سيكلف رئيس الوزراء، ويعمد الأخير الى تشكيل كابينته الوزارية بالتشاور والتباحث مع الكتل السياسية التي اعطته الضوء الأخضر بالرئاسة.

العقبة الكبرى هي مفهوم وطريقة تشكيل واختيار الكتلة الأكبر صاحبة الحق في التشكيل، والسبب في تكوينها التفسيرات الخاطئة للمواد الدستورية، وبالنتيجة صارت المعضلة الكبرى والازمة التي لا يمكن تجاوزها من قبل الأحزاب المختلفة على السلطة.

وفي أحيان كثيرة نسمع الكثير من التناقضات والاختلافات في القول عن الفعل، ففي الخطابات نرى همهم الوحيد هو المواطن العراقي والعراق كيف يزدهر ويرتقي الى مصاف الدول المتطورة المتجاوزة للازمات الداخلية بحثا عن حياة أفضل ومستقبل مشرق.

بينما في الواقع نلمس التجاذبات على أشدها بعد التجاوز على جميع المدد الدستورية، ما دفع بالكثير الى طرح فكرة تغيير النظام البرلماني الى رئاسي او شبه رئاسي، لوقف نزيف الخلافات التي اخذت بالعمق، على غير المعتاد، ومن المفترض ان تستفيد القوى من المشاكل السابقة وتلافيها في الدورات اللاحقة.

بالتالي لا تكمن العلة في النظام، وانما في تحويل العملية السياسية إلى عملية ابتزاز من اجل الوصول الى المقاعد الحساسة والمناصب العليا التي بموجبها أصبح التحكم في قرارات الدولة من الأمور البسيطة واللعب بمقدرات الشعب الذي حرم من ابسط حقوقه وصار شعبا خاضعا لا يقوى على مواجهة العبث السياسي الدائر في البلد والفوضى بكل الاتجاهات.

الخلافات الأخيرة من قبل ساسة الخط الاول في الأحزاب السياسية هي من رسخ مسألة غاية في الأهمية، وهي ان الانتخابات النيابية بلا جدوى، طالما لا تعتد الكتل والأحزاب بنتائجها، وكأنها عملية زائدة الهدف منها اقناع الشعب ان البلاد تسير بصورة ديمقراطية، ويمكن من خلالها ان يحصل الانتقال السلمي للسلطة.

التعقيدات المترابطة مع بعضها لا يمكن القضاء عليها بين ليلة وضحاها، فهي بالأساس مشاكل مركبة ناتجة عن تراكم الازمات والخلافات الى ان وصلت طريق مسدود، وبانت علامات الخلاف أكثر بأضعاف من نقاط التفاهم والتلاقي بين الشركاء، وفي مثل هذه الحالة قد يكون من الصعب مواصلة المشوار السياسي من قبل الأحزاب، فهي لا تريد ان يتحكم في الساحة ندين لديهم قوى وجماهير متشابهة في الولاء ومتقاربة في الاعداد.

وفي المحصلة النهائية ان الاستقالات الأخيرة التي حصلت نتيجة فقدان التوافق المطلوب على التشكيل، لا تقدم ولا تؤخر، وما اثبت هذه النتيجة ردة الفعل الأخيرة التي جاءت على خلفية ترشيح السيد محمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة، ومن المتوقع ان يبقى الحال بين ترشيح ورفض حتى تمر المدة المتفق عليها في الكواليس لإجراء انتخابات مبكرة يعتقد أكثر نزاهة من الماضية.

وان صح هذا المخطط وذهبت القوى السياسية نحو هذا الاتجاه فهذا لا يعني ان التوافق قد يكون في المتناول، بل ربما تزداد الأوضاع سوء وتجعل عملية الاتفاق لإنقاذ البلد امرا مستحيلا.

اضف تعليق