أميركا تحاول أنْ تصنعَ سلاماً في منطقة الشرق الأوسط بغية حماية إسرائيل، وتعزيز التطبيع معها، وتحقيق تدريجي لصفقة القرن التي تستهدف الوجود الفلسطيني على أرضه، وبعض البلدان العربيَّة، ومناهضة مشروع خارطة الطريق أو طريق الحرير الذي تتبناه الصين. فلا مكسب ولا فائدة لتوصيات القمَّة...

انتهتْ قمة جدة على جملة توصيات في أهم نقاطها ملء الفراغ الذي تخشى واشنطن من الصين وروسيا من التواجد فيه والمتمثل بالمنطقة العربيَّة الغنيَّة بمصادر الطاقة مثل بلدان الخليج العربي والعراق، وما يحيط بها من بلدانٍ عربيَّة مثل مصر والأردن وحتى فلسطين. ومن الضروري أنْ نفتشَ في حيثياتها والأهداف البعيدة التي رسمها الآخرون عندما أصرَّتْ واشنطن على عقدها والمشاركة بها، على الرغم من أنها جاءت في شكلها الظاهري قمة للتعاون الأمني والتنموي، ودعت لتمتين علاقات التعاون والاقتصاد، وبناء قاعدة شراكة فاعلة لمواجهة تحديات الأمن الغذائي.

فإذا كان أبرز مطلبٍ لواشنطن من بلدان قمَّة جدة هو ملء الفراغ بوجه طموحات روسيا والصين، فما هي المكاسب التي ستقدمها واشنطن والغرب للعرب؟ وربما تشكل زيارة جو بايدن لفلسطين وإسرائيل التي سبقت قمَّة جدة بيوم، ودعوته من هناك بحل الدولتين والعودة لحدود 1967 لصالح الدولة الفلسطينيَّة، هو الجواب الذي حاول الرئيس الأميركي جو بايدن أنْ يسبقَ به أي سائل ليقنعه أو يضلل الشارع العربي والقادة العرب به على اعتبار أنَّه توجهٌ أميركيٌّ جديدٌ بإيجاد حلٍ لوضع فلسطين وإيقاف بناء المستوطنات الإسرائيليَّة على الأراضي الفلسطينيَّة، وحيال ذلك ينبغي ألا تغيب عن الذهنيَّة العربيَّة اتفاقات أوسلو عام 1994 أيام إدارة الرئيس الأسبق بيل كلنتون عندما تعهد للعرب مقابل الاعتراف بإسرائيل، ضمان حقوق شعب دولة فلسطين، وقد حصل اعترافٌ من بعض العرب، بينما تنصلت واشنطن من التزاماتها لاحقاً في جميع الإدارات التي حكمت في البيت الأبيض.

إنَّ مؤتمر قمة جدة في 16 تموز الحالي، سجل حادثة تاريخيَّة، وللمرة الأولى أنْ يحضر رئيسٌ أميركيٌّ هذه المرة من موقع الضعف، ويطلب من العرب مساندة بلاده وأوروبا التي تتعرض لانتكاسات جسيمة أمام التنين الصيني والدب الروسي، ويستجدي العرب موقفهم بتزويدهم بالنفط والغاز، وتسهيل الممرات المائيَّة للتجارة الدوليَّة، فهل فهم العرب ذلك؟ يقيناً الغرب كله لا يلتفت للعرب ولا يساندهم بالمطلق، وموقفه ثابتٌ وستراتيجيٌّ ودوماً داعمٌ لجميع الدول الأجنبيَّة التي ناصبت العرب العداء واستغلت ضعفهم، ومنها إسرائيل كأنموذج، ومثل هذا الموقف السلبي للغرب يحتاج أنْ يجابه بموقفٍ عربي صلبٍ بالمساومة على الموقف من قضيَّة فلسطين ومساومة أميركا بإجبار إسرائيل على الانسحاب لحدود 1967 فإنَّها الفرصة الذهبيَّة التي يمكن للبلدان العربيَّة المصدرة للبترول، تحقق مطالبها وإثبات وجودها أمام وضعٍ دولي جديدٍ من المتوقع أنْ تجري عمليَّة صياغته بشكلٍ جديدٍ، ويضعف فيه الكبار الأقوياء، والمتغيرات الدوليَّة الجديدة واضحة للعيان من مؤشراتها الأولى، إذ تشير المحاذير من مؤسسات اقتصاديَّة دوليَّة، الى أنَّ الاقتصاد العالمي سيواجه انتكاسة خطيرة تجعل أغلب شعوب العالم تعيش تحت خط الفقر، لا سيما أنَّ هذه المؤسسات تقول إنَّ أزمة أوكرانيا جعلت نحو 70 مليون شخص يعيشون ضمن خط الفقر.

فأميركا تحاول أنْ تصنعَ سلاماً في منطقة الشرق الأوسط بغية حماية إسرائيل، وتعزيز التطبيع معها، وتحقيق تدريجي لصفقة القرن التي تستهدف الوجود الفلسطيني على أرضه، وبعض البلدان العربيَّة، ومناهضة مشروع خارطة الطريق أو طريق الحرير الذي تتبناه الصين. فلا مكسب ولا فائدة لتوصيات القمَّة، إنْ لم يكن القادة العرب قد استوعبوا الدرس، وحددوا مصلحتهم من هذه المناورة الغربيَّة التي تعينها في الوقوف بوجه الصين وروسيا.

ونرجو أنْ تكون مخرجات القمة إيجابيَّة لصالح العرب، وقد تكون فرصة إيجابيَّة لهم، إلا أنَّه في حال لم تستثمر الفوائد التي جاءت بها فإنَّها بحق ستكون قمَّة لصالح الغرب حصراً.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق