منذ فشل الأنظمة الاشتراكية في البلاد العربية والعنت الذي كانت تلاقيه الشعوب العربية في ظل أنظمتها الجمهورية والملكية، بدأ الحديث عن الديمقراطية لا سيما في العقد الأخير من القرن العشرين كإحدى أهم سبل الخلاص من واقع عربي مزر على كافة مستوياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى...

منذ فشل الأنظمة الاشتراكية في البلاد العربية والعنت الذي كانت تلاقيه الشعوب العربية في ظل أنظمتها الجمهورية والملكية، بدأ الحديث عن الديمقراطية لا سيما في العقد الأخير من القرن العشرين كإحدى أهم سبل الخلاص من واقع عربي مزر على كافة مستوياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى شاركت في هذا الحديث جهات وأحزاب كانت تصنف بأنها الخصم التقليدي–الثقافي للديمقراطية في مناخاتنا السياسية وكانت هذه الجهات والأحزاب ذاتها ترفع شعار "الاسلام هو الحل".

لقد شرعت في ذلك العقد العشريني مراكز ومنتديات الدراسات والبحوث الاستراتيجية والثقافية في بلادنا العربية بنشر وتشجيع الكتابات والدراسات عن الديمقراطية لا سيما في بعض الدول العربية التي كان الحديث فيها متاحا عن الديمقراطية بتأثير تاريخ ثقافي وسياسي خاص بها مثل مصر ولينان.

واذا استطعنا أن نقسّم عقود القرن العشرين وهو قد صار تاريخيا من الماضي العربي بالنسبة الى الأولويات العربية الثقافية والسياسية فإن عقدي الخمسينات والستينات يمثلان ايديولوجيا وثقافيا وسياسيا وعلى التوالي عقدي القومية العربية والتقدمية اليسارية، بينما عقدي السبعينات والثمانينات فانهما ايديولوجيا يمثلان عقدي الاسلام السياسي والحركات الاصولية، وأما عقد التسعينات ايديولوجيا وثقافيا وليس سياسيا فإنه يمثل عقد الديمقراطية والليبرالية، وهو العقد الذي يوافق تاريخيا ووظيفيا اهتمامات الولايات المتحدة الأميركية بنشر القيم الأميركية في العالم ومحاولة صياغة العالم كليا وفق هذه القيم وهو ما عرف في حينها بـ "العولمة" التي شكلت وفق الرؤية الأميركية نهاية لكل التحولات في التاريخ عير المقولة الأميركية "نهاية التاريخ"، وتقف في صدارة هذه القيم أفكار الديمقراطية ومبادئ حقوق الانسان.

وقد استطاعت الماكنة الاعلامية والثقافية الأميركية أن تضخ اعلاميا وثقافيا وبقوة هائلة تلك القيم الأحادية الانتماء والهوية أميركيا من وجهة نظر الولايات المتحدة الأميركية، لاسيما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية–الشرقية التي كانت تمثل الخصم التقليدي لمجموعة القيم الليبرالية في تصورات الادارة والعقلية الأميركية، وقد أكسب هذا الترويج الأميركي للديمقراطية عالميا بعدا تشجيعيا واستهلاكيا للثقافة الديمقراطية في بلادنا لاسيما لدى النخب العربية التي حاولت فتح القنوات المغلقة بين الشعوب العربية والقيم الليبرالية بعد القطيعة مع النفوذ السوفياتي والفكر اليساري الذي بدا عاجزا عن مواجهة هذه القيم.

وكذلك الصمت الاسلامي تجاه ترويج هذه القيم الأميركية بل أحيانا سعى الاتجاه الاسلامي الى تبنيها وظهرت عددا من الأدبيات الاسلامية التي تتبنى الديمقراطية ولا ترى خلافا فيها مع الاسلام، وكان يعزز هذا التواصل مع القيم الليبرالية فشل الأنظمة والأفكار الاشتراكية في هذا العالم وعجزها عن توفير المتطلبات والضرورات المعيشية لشعوبها، وهو ما حدا بالنخب في هذا الدول ومنها نخبنا العربية بالبحث عن البديل الديمقراطي بعد ان شاهدت أو عاشت في نفيها أو سفرها في أوربا النجاحات الفائقة التي حققتها الديمقراطية في دولها الأم أو المصدرة لها وحتى الدول المستنسخة للتجربة الديمقراطية في أجزاء محددة من آسيا، فكانت النجاحات الديمقراطية الغربية تجربة ملهمة للعقل الثقافي العربي والنخبوي.

وتاريخيا يعود ذلك التأثر الذي يبدو في جانب منه عاطفي الى تلك الرحلة التي لازال العقل العربي الثقافي يعيد ذكراها باستمرار وهي رحلة العالم المصري رفاعة رافع الطهطاوي الى فرنسا في العام 1826م ووضع كتابه الشهير "تخليص الابريز في تلخيص باريز" وكان هو العمل الأول في نمذجة أوربا أمام العقل العربي الثقافي، وهي نمذجة معرفية وعلمية، لكن العقل العربي الثقافي انتقل الى النمذجة السياسية في العقد الأخير من القرن العشرين.

واضافة الى مصدرية هذه النجاحات الديمقراطية في تشكيلها القناعة الثقافية–النخبوية فإن العقل العربي الثقافي سعى الى مراجعة مصادر النظرية الديمقراطية في التراث الاغريقي وأفكار عصر الحداثة والتنوير في أوربا في القرن الثامن عشر الميلادي وخاض تجربة الجدل فيها بقوة وبمنطقية عالية كرست القناعة التامة بالديمقراطية كحل يقارب القدرية أو الضرورة الحتمية في هذا العصر وعلى طريقة الفلسفات الكليانية والنسقية في الضرورة والحتمية التاريخية، وهو ما يكشف عن التركيبة الكلاسيكية للعقل العربي الثقافي رغم انخراطه في جدل الحداثة والتنوير، لكن ما يؤشر الى هذا العقل العربي هو حرصه على إستيعاب النظرية الديمقراطية وتعدد مستويات التفكير بها.

فقد تناولت البحوث والدراسات العربية كل متعلقات هذه النظرية من المفاهيم والنظريات التي كرستها كضرورة تاريخية الى تطوراتها في الديمقراطية الليبرالية، الى تطبيقاتها في الممارسات السياسية والاجتماعية في بيئتها أو دولها الأصل، وركزت في جدلها على إصطدام المفهوم الديمقراطي بالواقع العربي لكن مع إيمانها بإمكانية الحلول في نطاق الاشتباك هذا.

فالواقع العربي يتركب الاستبداد في بنيته الثقافية والاجتماعية ناهيك عن السياسية ويشكل الاستبداد النقيض البنيوي للديمقراطية، وقد كانت كتابات الكاتب السوري عبد الرحمن الكواكبي أول مشاركة عربية في هذا الجدل الديمقراطي بإشارته الى هذا التناقض والى خطر الاستبداد في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد" مما حدا بالفقيه الأمامي الشيخ محمد حسين النائيني الى وصفه بالحكيم في كتابه الذي يمم نهج الكواكبي فيه في نقد ودحض الاستبداد وكان عنوانه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" ساعيا الى تنزيه الاسلام عن الاستبداد وإمكانية مقاربته للديمقراطية، وهو سعي تطور في الفكر العربي الحديث الى إمكانية التوفيق أو الدمج بين الديمقراطية والواقع العربي من خلال التركيز على مفهوم الديمقراطية أو وظيفتها كآلية من آليات تنظيم السلطة أو تنظيم وسائل الوصول اليها بطريق سلمي يكرس لاحقا ثقافة أو مبدأ التداول السلمي للسلطة. وبذلك تم فصل الديمقراطية عن البنية الثقافية التي تشكل الشرط الأول في نجاح وإتمام العملية الديمقراطية.

وقد وجد الفكر العربي الحديث منفذا له في تبرير إمكانية تبيئة الديمقراطية في الواقع العربي ومحاججته المطروحة في هذا الشأن هو نظام البيعة في التراث السياسي الاسلامي–العربي، وعلى مستوى تبرير عقائدي وجد الفكر العربي الحديث مبررا لها في مبدأ الشورى في الاسلام، وقد طور الفكر العربي الحديث لا سيما الاسلامي–السياسي منه هذا المبدأ الى إمكانية إنتخاب المجالس النيابية الذي تشترطه العملية الديمقراطية في بناءاتها السياسية والادارية، لكنها أخفقت في حل الاشكال البنيوي حول مصدر السلطات والتشريعات هل هو الله تعالى ؟ أم الشعب ؟، وهو تعبير عن فشل أول في المتبنى الديمقراطي عند العرب.

وقد شكلت المواطنة موضوعا أوليا في المتبنى الديمقراطي بالنسبة للفكر العربي النخبوي باعتبارها رهينة الممارسة الديمقراطية والشرط العملي في النظام الديمقراطي، ومحاججة الفكر العربي المعاصر في تبنيها ينبني وفق نظريات العقد الاجتماعي التي تمنح الانسان–الفرد حقوقا طبيعية متساوية يتنازل عن بعضها للدولة أو للسلطة ويحصل بالمقابل منها على حقوق قانونية وسياسية تسمح له بالتعبير عن رأيه وبالمشاركة في إدارة وسياسة الحكم عن طريق الحق الانتخابي، وهو حق سياسي وقانوني تكرسه مبادئ الديمقراطية.

ونظريا تبناها الفكر العربي الحديث واستدل عليها بمعطيات من التراث العربي–الاسلامي منها حقوق الذميين من أهل الكتاب والمساواة بينهم وبين أهل الاسلام أمام الدولة في الحماية وأمام القضاء في الحكم بالحق، لكن هذه المعطيات لم تكن تنطلق من نظريات الحق في العقد الاجتماعي بقدر انطلاقها من فكرة الواجب في التراث الديني.

وأكدت كتابات ودراسات النخبوية الثقافية العربية على الضرورة الملحة في الفصل بين السلطات الثلاث باعتبارها الانجاز الديمقراطي الأهم والضامن للمسيرة الديمقراطية في حال تنفيذها في البلاد العربية، وقد جاء الاهتمام الثقافي العربي بها في مواجهة الأنظمة العربية الاستبدادية التي جمعت أو صادرت كل هذه السلطات باعتبارها امتيازا محتكرا بيد الرئيس-الدكتاتور.

وفي ضوء ذلك الجدل العربي الحديث جدا في الديمقراطية برزت لدينا عددا من المفاهيم والافكار وحظيت بالاهتمام النخبوي والعام مثل مفاهيم دولة الحق ودولة القانون والدولة الحديثة والمجتمع المدني، وشكلت مصادر الحديث عنها أو الحاملة لأفكارها وهي مصادر أوربية -جان جاك روسو، هيغل، مونتيسكيو، جون لوك، توماس هوبز، إيمانوئيل كانت، وغيرهم الكثير- بمجملها مرجعا فكريا مهما وأوليا بالنسبة للفكر العربي الحديث وطبعا هي مصادر الفكر التأسيسي للدولة الأوربية الحديثة، مع الأخذ بنظر الاعتبار والاهتمام الثقافي بالنسبة للفكر العربي الحديث ما كتبه وأعده التراث العربي–السياسي في مجال الدولة والسلطة لا سيما العلامة إبن خلدون المتوفي 808هـ ونظريته النقدية في الدولة العربية التي ضمّنها كتابه "المقدمة" بينما كان الأقرب الى تناول السلطة هو الفقيه أبي الحسن الماوردي 450هـ في نظريته أو كتابه "الحكام السلطانية".

ورغم أن الفكر العربي الحديث تنبه الى معوقات البناء الديمقراطي في الدولة العربية وهي معوقات اجتماعية–ثقافية بشكل أولوي من وجهة نظره ولم يغب عن مؤشراته المعوقات الاقتصادية والتنموية التي شكلت شرطا أوليا وأساسيا في نجاح التجربة الديمقراطية في الدولة الحديثة، وما يؤكد ذلك المنحى في الضرورة الاقتصادية والمعيشية في التجربة التاريخية هو انجاز الديمقراطية وتحققها بواسطة البرجوازية ومشروعها الاقتصادي–السياسي بل لازال نجاحها الى هذا اليوم رهين بالازدهار الاقتصادي والوفرة المعيشية في الدول الديمقراطية، وهو ما يضعنا بإزاء إشكالية الوفرة البترولية والريعية في البلاد العربية مع الغياب التام للديمقراطية مما يرجح معوقاتها الاجتماعية والثقافية في تفسير غيابها ولا سيما نظم الأبوية التي تشكل ثيمة الاستبداد في الثقافة العربية وأخطر معوقات البناء الديمقراطي.

وقد نتج عن الجدل حول الديمقراطية في العالم العربي محاولات إعادة النظر في الثنائيات الراسخة في الثقافة العربية والمعهودة عن التراث العربي، ومنها ثنائية الحاكم والمحكوم وثنائية الاتباع والابداع والتراث والحداثة أو الأصالة والمعاصرة والفقيه والمقلد والثنائيات الدينية المؤمن والكافر والمسلم والذمي ثم ثنائية الأنا والآخر، لكنها لم تحسم بشكل نهائي فقد ظلت تلك الثنائيات كامنة في المجتمع العربي وخاضعة الى التوظيف السياسي والذرائعي في العلاقات السياسية والاجتماعية العربية.

وقد لا يسعنا أن نلم بهذه الورقة كامل الجدل العربي حول الديمقراطية والموضوعات التي تفرعت عن هذا الجدل على يد النخب العربية من كتاب وباحثين ومثقفين وأساتذة أكاديميين لا سيما في العقد الأخير من القرن العشرين التي تعد بحق تاريخا من الثراء الفكري والمعرفي الذي أسهمت به القريحة العربية المثقفة وتزاحمت فيه الكتابات والبحوث والمقالات العربية في الوصول الى الذائقة الثقافية العربية العامة التي كانت تشكو في تلك الفترة من العقدين الأخيرين من القرن العشرين من الأمية الثقافية، ولعلها أيضا تشكو من الأمية الأبجدية وتسببت في حرمانها من الوعي الثقافي ونتاجات الفكر العربي الحديث، فقد انخفضت نسبة القراءة في البلاد العربية الى معدلات هابطة وخطيرة كما أظهرت بعض الإحصائيات الرسمية والدولية.

وكان سقوط الأنظمة العربية الاستبدادية في ماعرف بالربيع العربي وقبلها سقوط نظام الدكتاتور في بغداد اختبارا حقيقيا لهذا الكم الهائل من المنجز الثقافي العربي في الديمقراطية، فقد صار العرب قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحلم الديمقراطي، لكن التجربة السياسية العربية بعد أحداث الربيع العربي قلبت المعادلة–الحلم الى الوهم الديمقراطي وحذفت كل مستويات الديمقراطية ومضامينها في الحرية والتداول السلمي للسلطة، ورسخت بالمقابل حالة من الاستبدادية التي تخطت السياسي الى الاجتماعي والثقافي، بل وصلت وحاصرت حدود الحرية الشخصية الخاصة جدا، وتوقفت القريحة العربية المثقفة عن مواصلة منجزها الثقافي في الديمقراطية فلم تعد الديمقراطية في العقد الأخير بعد الربيع العربي موضوعا راكزا أو مهما يصغى اليه حتى من قبل النخب العربية فضلا عن العامة العربية، وليس أدل على ذلك من التراجع الكمي والنوعي في الكتابة العربية حول الديمقراطية في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين وتلك مفارقة تاريخية اختصت بها التجربة السياسية العربية الحديثة.

ملاحظة: أهملت ذكر المصادر العربية الحديثة في المنجز الثقافي العربي في الديمقراطية في الورقة لانتشار تلك الأفكار بشكل عام في الكتابات العربية التي تناولت الديمقراطية، ومراجعة لما صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت تكفي الباحث مؤونة البحث في هذا المجال.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق