آراء وافكار - مقالات الكتاب

فائزو الانتخابات بين الأداء السياسي والتركيبة المجتمعية

قراءات وتساؤلات من واقع الانتخابات العراقية

بعد أن تظهر نتائج العملية الانتخابية؛ يكون الشغل الشاغل للناس هو تشكيل الحكومة والسير بالعملية السياسية. وهذا هو الوضع الطبيعي لكل مرحلة تعقب إجراء الانتخابات سواء جرت في العراق أو في أي بلد آخر. الانتخابات العراقية التي جرت في 12 أيار 2018 أفرزت متغيراً كبيراً يمكن رصده وقراءته فكرياً بعيداً عن حالة الاصطفافات السياسية بين الفرقاء الذين يختلفون على مستوى المعتقد والتفكير والإيديولوجيا...

بعد أن تظهر نتائج العملية الانتخابية؛ يكون الشغل الشاغل للناس هو تشكيل الحكومة والسير بالعملية السياسية. وهذا هو الوضع الطبيعي لكل مرحلة تعقب إجراء الانتخابات سواء جرت في العراق أو في أي بلد آخر. الانتخابات العراقية التي جرت في 12 أيار 2018 أفرزت متغيراً كبيراً يمكن رصده وقراءته فكرياً بعيداً عن حالة الاصطفافات السياسية بين الفرقاء الذين يختلفون على مستوى المعتقد والتفكير والإيديولوجيا، ويلتقون على صعيد البرامج أو المصالح إن شئت. ومثل هذا الاصطفاف يعد طبيعياً في عالم السياسة فهي فن الممكن وفن التقاء المصالح.

لكن السؤال الذي يبرز في ظل التحالفات الجديدة، والتي حصدت نتائج باهرة خلال الانتخابات: إلى أي مدى ستسهم هذه التحالفات في تغيير البنية المجتمعية ، وإبعادها عن النفق المظلم الممثل بالانتماء الثانوي للعرق أو الطائفة أو القومية على حساب الانتماء الأساس للدولة حيث التجسيد الأمثل والحقيقي لقيم المواطنة والتعايش السلمي؟

سائرون

أكثر قائمة انتخابية يمكن أن تكون محوراً لنقاش هذا الجزء من التركيبة المجتمعية؛ هي قائمة (سائرون) التي حصدت نجاحها اللافت في الانتخابات العراقية الأخيرة؛ لأنها تضم كتلة تمثل التيار الصدري بكل ثقله الديني وإرثه التاريخي وجماهيريته الواسعة والتي تنتمي للطبقات الفقيرة والمسحوقة تحت قيادة تمثل المرجعية الصدرية العريقة. أما الطرف الآخر في هذه القائمة فكان الحزب الشيوعي بكل تراكماته الإيديولوجية والفكرية التي تمثل ــ فكرياً ومجتمعياً ــ المعاكس الواضح للطرف الآخر في القائمة وهو تيار الصدريين.

لكن كما قلنا فإن السياسة لاتعرف عدواً ثابتاً أو صديقاً ثابتاً؛ لذلك كان لهذا التحالف حضوره القوي الذي تجسد واقعياً بعد إعلان النتائج.

وبالعودة للسؤال أعلاه نقول: إن الواقع السياسي فرض (سائرون) بقوة، فهل سيفرضها في واقع البنية المجتمعية؟ هل يمكن للمجتمع الصدري في حال شكلت القائمة التي انتخبها حكومة وفق مبدأ الانتماء للدولة أن يتماهى مع شعارات الشيوعيين والمدنيين خصوصاً في قضية المناداة بالحرية الشخصية المختلف عليها دستورياً حتى هذه اللحظة؟

وفي الجانب السياسي، لو افترضنا أن رئيس الوزراء سيكون من ضمن الكتلة الصدرية وهو استحقاقها الانتخابي باعتبارها الفائز الأول، كيف سيتم النظر لهذا الرئيس وهو يجلس ــ سياسياً ــ مع مسؤول أميركي مثلاً؟

وواقع الأحداث يقول أن أكثرية زعماء الكتل بدأت تغازل السيد مقتدى الصدر وتطلب وده بهدف التحالف معه كقوة انتخابية، كيف سيكون موقف الشريك الشيوعي للصدر في قائمته حتى وإن كان شريكاً ضعيفاً على مستوى الحضور قياساً للنتائج التي أفرزتها الانتخابات، نقول كيف سيكون الموقف الشيوعي في حال التقى أصدقاء العقيدة من التيار الصدري وقائمة (فتح) مثلا؟

الأهم من كل ذلك، بنية المجتمع كيف ستكون مع الصراعات الناعمة لتحالفات الفائزين في الانتخابات؟

النصر تتفوق في الموصل

نفس الموضوع، يمكن رصده وقراءته من خلال الفوز الذي حققته قائمة النصر برئاسة رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي والتي احتوت على شخصيات من مكونات مجتمعية متنوعة، إذ حصدت هذه القائمة فوزاً لافتاً في مدينة الموصل. وفوز قائمة يرأسها (شيعي) ورئيس مكتب سياسي لأعرق الأحزاب السياسية التي كانت تعارض نظام صدام حسين، وفي مدينة كالموصل بكل عمقها القومي والتاريخي يمثل حدثاً مهماً وانعطافاً كبيراً على المستوى السياسي.

الموصليون وضعوا ثقتهم في هذه القائمة بعيداً عن متبنيات رئيسها وانتمائه؛ لأنهم ذاقوا الأمرين تحت سلطة جماعات العنف والتكفير الارهابية المصادرة والقامعة للحريات والمنحرفة عن مبادىء التعايش والتسامح التي ينادي به الدين الذي تتوهم الجماعات المتطرفة أنها تحكم باسمه. وبهذه الخطوة يمكن لنا التفاؤل بانحسار العناوين الفرعية لصالح العنوان الأعلى وهو عنوان المواطنة الذي سيزدهر فيما لو تكاملت المساعي وتظافرت الجهود سياسياً ومجتمعياً لنبذ الخطاب الطائفي والعنصري وتأكيد النضج والوعي الشعبي لدى العراقيين، والسياسيين منهم على وجه الخصوص لترسيخ الخطاب المعتدل بعد سنوات من الظلال القاتمة للخطاب المتشنج، والذي ألقى بظلاله التشاؤمية على التركيبة المجتمعية في العراق.

والحديث عن أزمة الخطاب بشكل عام، وازمة خطاب الدولة على نحو التخصيص؛ ليس حديثاً جديداً، غير أنه يتفاعل مع كل حدث خصوصاً لو حكمته عناصر التفاعل السياسية، أو لنقل بتعبير أوضح عناصر سلطوية ترتدي دائماً الأقنعة التي صارت تراجيدية أكثر منها واقعية، وهي أقنعة العرق والمذهب والقومية، والتي كلما سقطت عادت لتنهض كالعنقاء من رمادها بفعل التحولات السياسية والفكرية من جهة، أو بفعل المخططات والأجندات التي يراد تنفيذها من جهة أخرى.

لذلك نعتقد أن التحولات التي أحدثتها نتائج الانتخابات الأخيرة يمكن لها أن تغير من نمطية الخطاب، وبالتالي تكون التأثيرات الإيجابية حاضرة مجتمعياً بغياب عناصر الخطاب السلطوي المتشنج والخاضع للإرادات الإقليمية والخارجية.

المرجو في المرحلة القادمة، والمتعلق بتشكيل الحكومة؛ هو تأكيد انتصار فكرة المواطنة التي أنتجتها نتائج الانتخابات، وبعكس ذلك فإن حالة من الاحباط المجتمعي ستتسع مساحتها، ونعود لمربع الفساد والمحاصصة، وصراع الإرادات والمصالح، وهو قطعاً ما لا نتمناه.

اضف تعليق