لعل إعادة النظر في مفهومي الثورة والإصلاح، في ضوء التجارب التاريخية والمعاصرة، تمثل خطوة ضرورية لإعادة ضبط بوصلة التفكير والعمل، وللتمييز بين الاتجاهات الراديكالية التي تراهن على القطيعة الشاملة، والاتجاهات العقلانية التي تراهن على الإصلاح المتدرج بوصفه خياراً أكثر استدامة وأقرب إلى تحقيق المصالح العامة...

كلما حلّ موسم محرم وعاشوراء عند الشيعة في العالم، عادت معه الأحزان والطقوس المرتبطة بذكرى استشهاد الإمام الحسين، وعادت أيضاً المجادلات القديمة المتجددة حول الغاية من إحياء هذه الذكرى. فهناك من يرى أن استمرار الإحياء بحد ذاته هدف وشعار ورسالة، فيما يذهب آخرون إلى أن الموسم الحسيني ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لمعالجة مشكلات الواقع والسعي إلى تغيير الأحوال وإصلاح ما تعيشه الأمة، ولا سيما الشيعة في مختلف بلدانهم.

ومع اقتران الحدث الحسيني بمعاني التضحية والاستشهاد والصمود والبطولة والشجاعة والإنسانية والثبات على المبادئ، يحضر إلى الواجهة مفهوما الثورة والإصلاح. وهنا تبدأ إشكالية المفاهيم واختلاف دلالاتها بين الحقول الفكرية والسياسية والتاريخية.

فالثورة، بالمفهوم السياسي الحديث، ارتبطت بالتحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا منذ الثورة الفرنسية عام 1789، ثم اكتسبت مضموناً أيديولوجياً أكثر وضوحاً مع الفكر الماركسي، وتجسدت بصورة مؤثرة في الثورة البلشفية عام 1917. وبعد ذلك تعددت استعمالات المصطلح في العالم العربي والإسلامي، فتحدثنا عن ثورة العشرين في العراق، وثورات الضباط في مصر والعراق وسوريا، وثورة التحرير الجزائرية، وغيرها من الحركات التي ارتبطت بفكرة التغيير الجذري والانقلاب على الواقع القائم وبناء واقع جديد.

ولذلك التصق مفهوم الثورة، في الوعي السياسي الحديث، بفكرة التغيير الشامل والسريع، وغالباً ما اقترن بالتمرد على السلطات القائمة والسعي إلى إسقاط المؤسسات والقوى والقيم التي تستند إليها. ومن هنا ارتبط المصطلح، في أذهان كثيرين، بالعنف والدماء والصراع الحاد، فأصبح مثيراً للمخاوف لدى السلطات ومبعثاً للقلق لدى شرائح واسعة من المجتمعات.

في المقابل، يقوم مفهوم الإصلاح على رؤية مختلفة. فهو لا يدعو إلى تغيير كل شيء، ولا يستهدف هدم البنى الاجتماعية والسياسية من أساسها، بل يسعى إلى معالجة الانحرافات والاختلالات بصورة تدريجية، عبر إصلاح المؤسسات، وتقويم القيم الاجتماعية، وتطوير الأنظمة الاقتصادية والإدارية، وإعادة توجيه العلاقات العامة نحو مسارات أكثر عدالة واستقامة.

ولعل النص الأكثر حضوراً في هذا السياق هو قول الإمام الحسين من قوله: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». فالإصلاح هنا يفترض وجود انحراف يستوجب التصحيح، لا وجود واقع ينبغي إزالته بالكامل. كما أن القرآن الكريم يضع الإصلاح في منزلة عليا حين ينقل على لسان النبي شعيب قوله: «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت»، ليصبح الإصلاح منهجاً مستمراً لا يرتبط بزمان أو ظرف محدد.

والتاريخ يعلمنا أن الحركات الإصلاحية الكبرى في مجالات الدين والسياسة والثقافة والاقتصاد تركت آثاراً عميقة وممتدة. فالإصلاح ليس حدثاً عابراً، بل مسار طويل ورؤية متواصلة تستعيد حيويتها كلما أصاب المجتمعات الجمود، وكلما تكلست المفاهيم وترسخت أشكال التحجر الفكري والمؤسسي. تبدو الحاجة إلى الإصلاح السياسي ضرورة لبناء الدولة، وإلى الإصلاح الديني قيمة عليا لتجديد الفهم والخطاب، وإلى الإصلاح الاقتصادي هدفاً للحوكمة الرشيدة، وإلى الإصلاح الاجتماعي طريقاً لترسيخ القيم الأخلاقية والاستقامة السلوكية.

في العراق تحديداً، يبدو أننا ما زلنا نتأرجح بين مفهومي الثورة والإصلاح. فالمتأثرون بالمفاهيم اليسارية والتغييرية والمشروعات الكبرى لا يجدون حرجاً في تبني خطاب الثورة، ويستمدون من نهضة الحسين مفرداتها وشعاراتها ومبرراتها. أما المتحفظون على ما تفضي إليه الثورات من عنف وفوضى وصراعات مفتوحة، فيميلون إلى تبني نهج الإصلاح، ويجعلون من مسيرة الأنبياء والحسين والمصلحين والمجددين نموذجاً يحتذى.

ولسنا هنا بصدد العودة إلى تاريخ استعمال مصطلح الثورة في وصف حركة الإمام الحسين ومتى دخل في المجال التداولي ، ولا إلى تحديد الزمن الذي بدأ فيه هذا الوصف بالانتشار. غير أن من الواضح أن الخطابات السياسية المعاصرة كثيراً ما أعادت قراءة الحدث الحسيني من خلال مفاهيم حديثة لم تكن بالضرورة حاضرة بصيغتها الحالية في السياق التاريخي الأصلي.

كما أن بعض الاتجاهات السياسية سعت، ولا تزال تسعى، إلى إضفاء الشرعية على مشاريعها الثورية أو الانقلابية من خلال ربطها بالإمام الحسين، أملاً في اكتساب ما تمنحه رمزية الحسين من قداسة معنوية ومشروعية أخلاقية وشعبية.

إن الحاجة اليوم ليست إلى الانتصار لهذا المصطلح أو ذاك بقدر ما هي حاجة إلى تحرير المفاهيم من الالتباس، وإعادتها إلى سياقاتها الصحيحة، وفهم الفروق الدقيقة بينها. فالمجتمعات لا تتقدم بالشعارات وحدها، بل بوضوح الرؤية ودقة التشخيص وحسن اختيار الوسائل.

ولعل إعادة النظر في مفهومي الثورة والإصلاح، في ضوء التجارب التاريخية والمعاصرة، تمثل خطوة ضرورية لإعادة ضبط بوصلة التفكير والعمل، وللتمييز بين الاتجاهات الراديكالية التي تراهن على القطيعة الشاملة، والاتجاهات العقلانية التي تراهن على الإصلاح المتدرج بوصفه خياراً أكثر استدامة وأقرب إلى تحقيق المصالح العامة. في زمن تتراكم فيه الأزمات وتتسع فيه التحديات، قد يكون السؤال الأجدر بالطرح ليس: هل كان الحسين ثائراً أم مصلحاً؟ بل: أيُّ القيم التي جسدها الحسين نحن أحوج إليها اليوم في بناء الدولة والمجتمع والإنسان؟

اضف تعليق