ليس من الصعب على الإنسان أن يفهم كربلاء بوصفها مأساة تاريخية، أو أن يقرأ سيرة الإمام الحسين عليه السلام باعتبارها واحدة من أعظم صفحات التضحية في التاريخ الإسلامي. لكن السؤال الأعمق الذي ما يزال يفرض نفسه بعد أكثر من أربعة عشر قرناً هو: لماذا بقيت كربلاء حية في وجدان البشرية؟...

ليس من الصعب على الإنسان أن يفهم كربلاء بوصفها مأساة تاريخية، أو أن يقرأ سيرة الإمام الحسين عليه السلام باعتبارها واحدة من أعظم صفحات التضحية في التاريخ الإسلامي. لكن السؤال الأعمق الذي ما يزال يفرض نفسه بعد أكثر من أربعة عشر قرناً هو: لماذا بقيت كربلاء حية في وجدان البشرية؟ ولماذا لم تتحول إلى ذكرى عابرة كما حدث مع مئات الوقائع الكبرى التي امتلأت بها كتب التاريخ؟

ربما لأن كربلاء لم تكن حدثاً انتهى بانتهاء يوم عاشوراء، وإنما كانت بداية سؤال أخلاقي كبير ما زال الإنسان يواجهه في كل عصر: ماذا يفعل حين يجد نفسه بين الحق والمصلحة؟ بين الكرامة والسلامة؟ بين العدالة والخضوع للأمر الواقع؟

من هنا تتجاوز العلاقة بين الإمام الحسين عليه السلام والإمام المهدي عجل الله فرجه حدود التسلسل التاريخي، لتصبح علاقة مشروع واحد يمتد عبر الزمن. مشروع يبدأ بالتضحية من أجل حماية القيم، وينتهي بإقامة تلك القيم على مستوى الحياة الإنسانية كلها.

لقد خرج الإمام الحسين عليه السلام في زمن كانت فيه الأزمة أعمق من صراع سياسي على السلطة. كانت أزمة معنى وقيم وهوية. كان الخطر يهدد جوهر الرسالة نفسها، ويهدد تحويل الدين إلى أداة تبرر الظلم بدلاً من أن تواجهه.

ولهذا أعلن الحسين عليه السلام هدف نهضته بوضوح حين قال:

«إني لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا ولا ظالمًا ولا مفسدًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله»

(بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، ج44، ص329، نقلاً عن مصادر المقاتل)

لقد كانت كلمة "الإصلاح" هي المفتاح الحقيقي لفهم كربلاء. فالحسين عليه السلام لم يقدّم نفسه قائداً لمعركة عسكرية، بل صاحب مشروع أخلاقي أراد أن يعيد للإنسان وعيه وكرامته ومسؤوليته.

ولذلك تبدو كربلاء في جوهرها ثورة على الاستسلام للظلم قبل أن تكون مواجهة مع الظالمين.

وقد جاء في القرآن الكريم:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾

(سورة هود: 113)

وكأن هذه الآية كانت تختصر الرسالة التي حملها الحسين عليه السلام إلى الأجيال: أن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وجود الظالم فقط، وإنما اعتياد الظلم والتكيف معه والصمت عليه.

لكن التاريخ لا يتوقف عند لحظة المقاومة وحدها. فكما أن للحق شهداء يحفظونه، فإن له أيضاً مستقبلاً يتحقق فيه.

وهنا يبرز الإمام المهدي عجل الله فرجه بوصفه الامتداد الطبيعي للمشروع نفسه.

فإذا كانت كربلاء قد حفظت المبادئ من الانهيار، فإن الظهور يمثل المرحلة التي تتحول فيها تلك المبادئ إلى واقع عالمي قائم على العدالة.

قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾

(سورة القصص: 5)

إنها الآية التي تمنح التاريخ اتجاهه الأخلاقي؛ فالصراع بين الحق والباطل ليس دائرة مغلقة تدور بلا نهاية، وإنما حركة تتجه نحو تحقيق الوعد الإلهي بانتصار العدالة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«المهدي من عترتي من ولد فاطمة»

(سنن أبي داود، كتاب المهدي، حديث 4284)

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا»

(سنن أبي داود، كتاب المهدي؛ وسنن الترمذي، كتاب الفتن)

لهذا لا يمكن قراءة الحسين بمعزل عن المهدي، كما لا يمكن فهم الظهور بمعزل عن كربلاء.

فالحسين عليه السلام حفظ الرسالة بدمه، والمهدي عجل الله فرجه يجسد اكتمال مشروعها في إقامة العدل.

الحسين هو لحظة الدفاع عن الحقيقة حين تكون مهددة بالضياع، والمهدي هو لحظة انتصار الحقيقة حين تتهيأ الظروف لظهورها الكامل.

ومن هنا نفهم عمق ما نقرؤه في زيارة وارث:

«السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله»

(مفاتيح الجنان، زيارة وارث)

فالحسين عليه السلام لم يكن امتداداً لسلسلة نسب فقط، وإنما امتداداً لسلسلة القيم التي حملها الأنبياء جميعاً: التوحيد، والعدل، والرحمة، وصيانة كرامة الإنسان.

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

«كلنا سفن النجاة ولكن سفينة الحسين أوسع وفي لجج البحار أسرع»

(بحار الأنوار، ج36، ص296)

ولعل سر هذه السعة أن كربلاء تجاوزت حدود الزمان والمكان والطائفة، لتتحول إلى لغة إنسانية يفهمها كل من عانى ظلماً أو بحث عن حرية أو تمسك بمبدأ.

إن البعد الإنساني في كربلاء لا يظهر في حجم المأساة فقط، بل في نوعية الإنسان الذي أرادت صناعته. فالطفل والمرأة والشيخ والشاب في تلك المدرسة كانوا شركاء في الدفاع عن القيم، ما يعني أن عظمة الإنسان لا تُقاس بعمره أو موقعه أو قوته، وإنما بقدرته على اتخاذ الموقف الصحيح.

وفي البعد الأخلاقي تبقى كربلاء واحدة من أعظم مدارس الوفاء في التاريخ. ففيها تجلت أسمى صور الإيثار والصدق والثبات.

قال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾

(سورة الأحزاب: 23)

ولذلك تحولت أسماء أصحاب الحسين عليه السلام إلى رموز أخلاقية أكثر من كونها شخصيات تاريخية.

أما على المستوى الفلسفي، فإن كربلاء تقدم رؤية مختلفة للإنسان ودوره في الحياة. فهي ترفض النظر إلى الإنسان بوصفه كائناً تحركه المصالح فقط، وتؤكد أنه قادر على تجاوز الخوف والرغبات حين يرتبط بالمبدأ.

وقال الإمام علي عليه السلام:

«لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا»

(نهج البلاغة، الكتاب 31)

إن الحرية التي تحدث عنها الإمام علي عليه السلام ليست مجرد تحرر سياسي، وإنما تحرر داخلي من الخوف والطمع والخضوع لكل ما ينتقص من كرامة الإنسان.

ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين الحسين والمهدي هي علاقة بين مرحلتين من المشروع الإلهي نفسه.

الحسين عليه السلام يمثل لحظة حماية القيم بالتضحية.

والمهدي عجل الله فرجه يمثل لحظة تجسيد تلك القيم في نظام عالمي يقوم على العدالة.

الحسين يوقظ الضمير.

والمهدي يحقق الوعد.

الحسين يعلم الإنسان كيف يدافع عن الحق.

والمهدي يقدم للعالم صورة الحق وهو ينتصر.

وبين كربلاء والظهور تمتد رسالة واحدة تقول للإنسان في كل عصر:

لا تجعل الظلم قدراً نهائياً.

ولا تجعل الهزيمة نهاية الطريق.

ولا تفقد ثقتك بأن للعدل موعداً مهما طال الانتظار.

فكربلاء لم تكن نهاية قصة، وإنما بداية مشروع.

والظهور ليس بداية مشروع جديد، وإنما اكتمال لذلك المشروع.

ولهذا يلتقي الحسين والمهدي في نقطة واحدة: إعادة الإنسان إلى موقعه الحقيقي بوصفه حاملاً للحق وصانعاً للعدل وشريكاً في بناء عالم أكثر كرامة ورحمة.

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

(سورة الأعراف: 128).



اضف تعليق